والرفاه النفسي

د. الحضري لطفي

يفتح مجال التحكم الجيني آفاقا واعدة في مجال الصحة النفسية، وذلك لما يؤكده من تأثير البنية الفكرية والعاطفية على الأمراض النفسية، فهو يقدم بطريقة علمية وتجريبية للمعالج والطبيب النفساني مشروع الاشتغال على التعبيرات الفكرية والعاطفية بطريقة إيجابية، وهذا يساعدنا على وضع تقنيات إجرائية لتغيير التشفير الجيني، والتعبيرات الجينية.

وهكذا فإن هذا العلم يُفرق بين الإرث الجيني الذي لا يمكن تغييره، والذي يمثل 2 % فقط، وبين الإرث الجيني الذي يمكن تغييره، وهو يشكل 98%، وللمريض والمعالج في إطار المسؤولية المشتركة، أن يشتغلا على هذه الجينات لتشكيل “الدنا” ADN، ودفعها إلى تغيير المعلومات الجينية بطريقة إيجابية، وعليه فيصبح المشروع الأول -في اعتقادي- هو الاشتغال على الرغبة لتفعيل الحافزية العلاجية، لأن الرغبة ترسل رسائل جديدة إلى “الدنا” وبهذا السلوك الفكري والعاطفي يمكن “للجين” أن ينفتح ليتقبل هذه المعلومات الجديدة وكتابتها عليه، للمساعدة على العلاج النفسي وتطوير القدرات.

قاعدة”: دمج الفكر مع العاطفة ترتقي بالإنسان إلى الاعتقاد”.

مسلمة: “الاعتقاد أس التغيير”.

يعتبر مفهوم “التحكم الجيني”[1] من المفاهيم الجديدة التي لها تأثير كبير في الميدان الطبي عموما، وعلى العلاج النفسي خصوصا، وتطبيق هذا العلم الجديد ينتج طاقة كبيرة للتغيير:

  1. تغيير السلوك،
  2. تغيير الأفكار،
  3. تغيير الأحاسيس،
  4. ومن ثم خلق الاعتقاد،

وأهم عنصر في هذا المفهوم، والذي يرتبط مباشرة بالعلاج النفسي، هو عنصر مسؤولية التغيير، حيث أن التحكم الجيني يضع الإنسان أمام مسؤولية ذاتية، حول ما يصيبه من أمراض نفسية، وعضوية. ثم مسؤولية البحث عن العلاج والمسؤولية المباشرة في العلاج.

إن تطور العلم في العصر الحديث يتجه إلى فكر نسقي، يتجاوز تجزيئ الإنسان إلى ما هو نفسي وعضوي، وهكذا فإن التحكم الجيني كعلم جديد يرسخ هذه المنظومة النسقية، ويدفعنا إلى التعامل مع ذات الإنسان على المستوى العضوي والنفسي والروحي، ككائن واحد يؤثر فيه كل جوانبه الخِلقِية.

وهكذا فإن “الدنا ADN” التي تُشكل محور الإرث الجيني، والتي تشكل كذلك الإنسان في تطور حياته، تصبح قابلة للتعبير والتشفير، وقابلة لأن تتأثر بالمحيط، وخاصة المحيط النفسي، أي أن الأفكار والعواطف ومن ثم القرارات التي نتخذها تشكل معلومات جينية تدمغ في “الدنا”. وهكذا تصبح صحتنا النفسية مرتبطة بهذه المنظومة النسقية.

ويأتي عملنا هذا لتوضيح هذه الصيرورة النفسية والعضوية لنعالج من جهة تأثير البيئة النفسية على تعبيرات الدنا، ومن جهة أخرى، نحاول أن نبرز أهمية الاشتغال على الحافزية العلاجية.

قاعدة: “أول خطوة اتخاذ القرار، إعطاء الأمر للذات”.

ثمرة العلم العمل

انطلاقا من هذه القاعدة التي “نستصحبها” في كل دراساتنا وأبحاثنا، فإننا سنحاول أن نطبق ونبين الجانب العملي لهذا الكتاب. حيث توجد في متن دراستنا للتحكم الجيني توجيهات عمَلية، وتقنيات إجرائية يُمكن استعمالها في العلاج والوقاية من العديد من الأمراض.

كما أننا سَننطلق من العناصر المميزة للتحكم الجيني التي تَبرز في أربعة عناصر وهي:

  1. العنصر النفسي،
  2. العنصر الغذائي،
  3. العنصر البيئي،
  4. منظومة الحركة،

إلا أننا سنعالج في هذا الكتاب الأبعاد النفسية فقط.

الجانب النفسي

سنعالج الجانب النفسي بالتعرض للاضطراب التوتر، وماله من تأثير كبير على التحكم الجيني للإنسان. كما أننا سنعالج التذكر، حيث سنطرح بعض التقنيات المساعدة على تنشيط الذاكرة وتقويتها، وذلك للأسباب التالية:

  • التذكر هو محور الشعور الإنسان بذاته،
  • والتذكر يساعد على تدبير التوتر وإدارته،

إن التذكر يساعد على بناء الثقة في النفس، الأمر الذي نعده مهما في تطوير المناعة النفسية، حيث أن التذكر يعطي الإنسان إحساسا بمستواه “الذكائي”، كما يعزز حضوره على المستوى الاجتماعي. إضافة إلى أن التعليم كله مبني على التذكر.

ولهذا ارتأينا، ونحن نعالج موضوع التحكم الجيني، أن نتكلم على موضوع التذكر.

الجانب الغذائي – التغذية النفسية[2]

للغذاء دور مهم في بناء الصحة النفسية من منظور نسقي فطري، أي أنه يدخل مع عناصر علاجية أخرى في تعزيز الرفاه النفسي. ولهذا فقد أضحى كثير من العلماء ينكبون على دراسة العلاقة بين الغذاء والتفتح الجيني.

وفي هذا السياق تحدث الرسول ﷺ عن التلبينة، كغذاء يساعد على علاج بعض أنواع الحزن أي الاكتئاب. ومن هذا المنطلق سنحاول أن نعالج العناصر المرتبط بالتغذية من مستوى الوقائي والعلاجي. ونذكر على سبيل المثال “الذوق”، الذي يمكن أن يساعد في علاج الاكتئاب، لأنه يعيد الارتباط بمتع الحياة، ونِعَم الله عز وجل.

السياق

إن تطور العلم في العصر الحديث يتجه نحو فكر نسقي يتجاوز تجزيء الإنسان إلى ما هو نفسي وعضوي وروحي، وهكذا فإن التحكم الجيني كعلم جديد يرسخ هذه المنظومة النسقية، ويدفعنا إلى التعامل مع نفسية الإنسان على المستوى العضوي والنفسي والروحي ككائن واحد تؤثر فيه كل تلك العناصر.

ومن هذا المنطق نتجاوز التصور التجزيئي للإنسان. كما أن هذا المنطق الشامل يتناغم مع المنهجية الإسلامية لدراسة الإنسان، وهو في قلب علم النفس الفطري.

بعض التساؤلات التي نعالجها في هذا الكتاب:

  • الأفكار المسبقة تؤثر على فعالية المنهج العلاجي،
  • يعتبر “نموذج الوراثة” النموذج الوحيد القابل “للتقبل”، حيث يُخرج المريض من تحمل المسؤولية،
  • التحكم الجيني يفرض منطق نسقي في العلاج،
  • أهمية تأهيل المريض لتقبل مفهوم التحكم الجيني،
  • بعد التأهيل نبدأ في تشفير “الدنا” فكريا وعاطفيا وروحيا،
  • عملية التشفير ترتبط بمجموع من التقنيات الإجرائية،

مفهوم التحكم الجيني

يُشتق “إبجنتيكEpigénétique   ” من كلمة الإغريقية القديمة Epi والتي تعني فَوق، ومن كلمة génétique وتعني الميدان البيولوجي الذي يدرس الميكانيزمات التي تؤثر في “التعبيرات الجينية”. وتشير أيضا إلى فوق بمعنى المجال الخارجي والبيئي.

وقد تُرجم هذا المصطلح إلى “التحكم الجيني”، والذي يعني أن هناك عناصر خارجية عن الجِين تؤثر وتتحكم في التعبيرات الجينية، ومن ثم في تعبير التشفير الجيني.

يقول الدكتور “جويل روزناي[3]” إن التحكم الجيني علم ثوري، سيغير مفاهيم العلاج النفسي والعضوي، فهناك ظواهر عديدة تؤثر في التعبيرات الجينية، مثل ظاهرة “بوليفينزم[4]” وعلاقتها بالبيئة، مثل: تغير لون الثعلب القطبي الذي يتغير لونه في فصل الشتاء إلى لون أبيض. وهذا يعني أن التحكم الجيني هو تدبير في النمط الجيني[5] يؤثر على النمط الظاهري[6].

ويقول “طوماس مُركان”[7]، “إذا كانت خصوصية الفرد مرتبطة بالإرث الجيني، فلماذا يلاحظ بأن الخلايا ليست من نفس التركيبة؟”، حيث يُلاحِظ “د. طوماس” أن هناك اختلافات في التعبيرات الجينية عند الحيوانات المخبرية التجريبية رغم أنها “مستنسخة”. ونفس الملاحظة أيضا عند التوائم الصنوان، إذ إن البصمات الجينية متشابهة عند هؤلاء التوائم في الثلاث سنوات الأولى منه عند الخمسين.

فما سبب تغير البصمة الجينية؟

إنه التغيير الجيني البيئي الرباعي المنفذ:

  1. الحالة النفسية،
  2. طريقة التغذية،
  3. مجال التلوث،
  4. منظومة الحركة،

يَدرس التحكم الجيني التغيرات في التعبيرات الجينية تحت التأثيرات المباشرة للبيئة الفرد. إن “الدنا” تتكون من 2% من الجينات التي تسمى “بالجينات المشفرة”، وهذا ما يعطي للإنسان الصورة التي نحن عليها: الجنس، لون الشعر، لون العيون، القامة، الشخصية ….، ويبقى السؤال المهم والخطير جدا، ما دور 98% من الجينات الباقية؟

  1. هل هي جينات زائدة؟
  2. هل فعلا ليست لها أي وظيفة؟
  3. وهل تم تجاوزها في مسار التطور الإنساني حسب نظرية التطور؟

إن نظرية التطور تُفسر –عند عجز الفهم- كل العناصر الموجودة في داخل الإنسان بأنها أشياء زائدة.

أي أن الإنسان في تطوره من سمكة إلى … إلى … إلى … قرد إلى إنسان، ثم تجاوز بعد الأشياء بداخله، وأن هذا التطور “الانتخاب الطبيعي العشوائي”، جعل بعض أنواع الخَلق، ومنها الإنسان يحتفظ ببعض الأعضاء، ولكنها غير صالحة له، ولا وظيفة لها. ويقول التطوريون بأن هذه الأعضاء الزائدة والغير الصالحة سيتم تجاوزها لاحقا، وذلك استنادا لمبدأ التطوري: الطفرات العشوائية.

مسلمة: “لا زيادة ولا نقصان في الخَلق”.

ولهذا فإن الاسم الذي كان يُعطيه التطوريون ل 98% من الجينات المكونة “للدنا” هو “جينات القُمامة[8]“.

ولكن مع هذا العِلم، أصبحت هذه “الجينات القمامة” !!!، تُكون مع 2% من الجينات الأخرى “الدنا”، وأصبحت لها وظيفة مهمة جدا، وهذا ما يهمنا نحن في العِلاج النفسي. إذ، أن هذه الجينات صار لها دورا رئيسا في تكوين “الدنا”، ومن ثم في تكوين الشخصية وبنائها، وهذا البناء يتم من خلال:

  1. الظروف النفسية،
  2. الأفكار،
  3. المشاعر،
  4. المعتقدات الروحية،

إن العناصر الآنِفة الذكر تشكل مع التغذية والتلوث 98% من “الدنا”، وهكذا أصبح من الممكن تغيير “الدنا” أو تَغيير التَعبير الجيني، ومن ثم تَغيير البناء النفسي، والصحة النفسية، وهذا الذي أسميه “بالمسؤولية الجينية”. وفي هذا السياق يحدد “هلين جنيس”[9]   المعنى العام للتحكم الجيني[10].

ويمكن تشكيل هذه المفاهيم عبر الرسم التالي:

كما أن “إمانويل كارنيي”[11] يَتحدثُ عن العديد من العناصر التي تُؤثر في التحكم الجيني، ويُركز على عنصري: السن والتوتر. ويضيف أن الأدوية تترك بصمة على التشفير الجيني. وهذا يضعنا أمام مسؤولية استعمال الدواء، وذلك بعدم الانزلاق إلى أخذ الدواء بصفة عشوائية أو بصفة مستمرة.

ولتوضيح أهمية “التعبيرات الجينية” وتأثيرها على بناء الشخصية، نقدم ثلاثة أمثلة:

  1. خلية النحل،
  2. بيض السلحفاة،
  3. توأم الصنوان[12].

إن النحل تُولد جميعها بنفس الحجم وبنفس الوظيفة. أي تولد جميعها لتؤدي وظيفة “الشغَالات”، ولكن لا بد لخلية النحل من مَلِكَة تَتولى سيادة هذه الخلية، وهنا تبرز أهمية التغذية لتساهم في التفريق بين أعضاء الخلية.

 والتغذية تجعل إحدى “الشغّالات” مَلِكة، وتبقي الأخريات شغّالات. فالخلية الواحدة لا تتحمل إلا مَلكة واحدة. وهكذا يتم اختيار شغّالة واحدة، ويتم إطعامها بطعام مُختلف.

جميع الشغالات تولد بحجم صغير، ولكن ذلك الحجم سيتأثر بسبب بيئي خارجي وهو التغذية. وهكذا يقدم غذاء خاص لتلك النحلة الشغّالة يسمى ب”غذاء المَلِكات[13]“، لتصبح به النحلة العادية مَلِكَة، تتصف[14] بمواصفات أهمها التغيير الكبير في حجم الجسد، والذي لا تتوفر عليه أي نحلة أخرى، أي أن الغذاء غيَّر التعبير الجيني.

مسلمة: “إن أي تغيير أو تطور يطرأ داخل نفس الجنس، ولا يَنقل الجنس إلى جنس أخر مغاير”.

يتحدد التوجه الجنسي لبيضة السلحفاة بسبب البيئة، بمعنى أن البيضة لا تكون مؤهلة لتحديد الجنس، ولكن يتحدد بدافع خارجي. هذا الدافع الخارجي هو الذي سيحدد هل “ستلد” البيضة سلحفاة أنثى أو سلحفاة ذكر. ويتمثل ذلك المحدد الجنسي الخارجي في درجة الحرارة:

  • فالبيضة التي ستتعرض لدرجة حرارة أكبر من الأخرى سيكون مولودها ذكرا،
  • والتي تتعرض لدرجة حرارتها أقل، سيكون مولودها أنثى،

وهكذا يمكن القول بأن “الدنا” التي هي نفسها في كل بيض السلحفاة، ستتأثر بالبيئة، وهذا التأثير سيوجه نوعية الجنس.

 ويمكن ملاحظة أهمية التعبير الجيني عند التوأم الصنوان. فالتوأم الذي يولد بنفس الإرث الجيني، سيعبر عن هذا الإرث بطريقة مختلفة، وذلك عبر ظهور بعض الأمراض أو عدم ظهورها، حسب الطريقة التي سيعيشها كل واحد منهم:

  • فإذا كان الأول نشيطا، يزاول الرياضة، وله تفكير إيجابي، وله تغذية صحية، والآخر عكس ذلك، فإن الدراسات العلمية تظهر أن هذا الأخير ستظهر عليه أمراضاً لن يعاني منها الأول، وذلك بسبب “طريقة العيش”.

ويذكر “إيمانويل كرني” استنادا لدراسات قام بها “د. لندا بوي”[15]أنه لوحظ اختلافات في التحكم الجيني عند ولادة التوائم.

“التحكم الجيني”

يمكن أن تتأثر آليات التحكم الجيني في المرحلة الجينية بالتلوث البيئي، والأدوية، والمخدرات، والشيخوخة، والتغذية، كل هذا يمكن أن يغير من المسار الجيني، ف “هستون[16] “، وهو عبارة عن بروتين يدور حول “الدِنا” يُعطيها قُوة ضغط أكبر، وهذا يساعد على “التعبير الجيني”[17].

هذا التعبير الجيني، قد يكون سببا في إثارة العديد من الاضطرابات منها: السرطان، الاضطرابات النفسية، إلى أخره.

 التحكم الجيني ميدان علمي جديد، يهتم بدراسة الطريقة التي تؤثر بها البيئة على “التعبير الجيني”، وهي الطريقة التي من خلالها تقوم “الدنا” بإعطاء معلومات للجسم. واستنادا على تلك المعلومة الجينية، تُبنى الصحة النفسية والعضوية.

إن “الدنا” تؤثر في الجسم، ولكن المعلومة التي سيتأثر بها هذا الجسم تتم عبر المعلومات والإثارة الخارجية، وهذا ليس مرتبطا فقط بالمعلومات الوراثية، فتأثير “الدنا” على الإنسان هو مجموعة من معلومات وراثية داخلية، ومعلومات بيئية التي يعيش فيها الإنسان، ومن هنا تظهر أهمية هذا العلم الجديد في المجال النفسي وخاصة العلاج النفسي.

ولهذا أطرح موضوع المسؤولية الجينية. أي مسؤولية الإنسان في تصريف المعلومات الخارجية لتصبح معلومات مكتوبة في “الجين”، أي “الدنا”.

تتوفر كل خلية في الجسم على نفس الإرث الجيني ولكن الطريقة التي تقرأ بها المعلومات من “الدنا” قد يكون مختلفا. لأن هناك معلومات جديدة يمكن أن تدمج في الجين.  وهذه هي حقيقة “التحكم الجيني”، وذلك دون المساس ب”التسلسل نيوكليونديك[18]“، “للدنا”.

 تتأثر هذه التغييرات بالحالة النفسية للإنسان، وهكذا يصبح للسلوك علاقة قوية، ويصبح له تأثير على التعبير الجيني، بمعنى أن “الدنا” ستقوم بترجمة السلوك والأحاسيس والأفكار إلى معلومات جينية والتي ستدمج في “الدنا”.

وبعد ذلك يصبح هناك “حَورا”[19]، الذي سيؤثر في السلوك، بمعنى أن السلوك المتكرر سيصبح له “تأثير جيني” على الإنسان.  وهنا تظهر خطورة المسؤولية الجينية، وعليه يجب أن نعرف كيف نتعامل إيجابيا مع البيئة والظروف التي نعيش فيها؟

ونتعلم من التحكم الجيني إمكانية تغيير مسار التعبير الجيني، وهكذا فنحن أمام   ثلاث مسارات:

  1. تأثير البيئي على التعبير الجيني السلبي،
  2. تأثير البيئي على التعبير الجيني الإيجابي،
  3. مسار لتغيير المسارين معا، وهنا تتجلى قوة العلاج النفسي،

 كما يمكن ملاحظة تأثير التحكم الجيني عند دراسة التوأم الصنوان، الذين يعيشون في بيئة مختلفة ويأكلون طعاما مختلفا، حيث يلاحظ تعبيرا جينيا مختلفا.

 وهكذا فإلى جانب الموروث الجيني الذي لا يتغير، هناك إمكانية تغيير مسار “التحكم في الجين”، هذا التحكم يؤدي إلى تشفير في تسلسل “دنا”، وهكذا تدمج معلومات جديدة. وهذان العمليتان ستوجهان حياة الإنسان.

إلى جانب الموروث الأساسي الذي نحن غير مسؤولين عنه، فهناك جانب آخر، والذي يمثل 98% يرتبط بمسؤوليتنا المباشرة، عبر ما نسميه:

  1. المسؤولية ابتداءً،
  2. والمسؤولية انتهاءً،

والمسؤولية ابتداء، نقسمها إلى قسمين:

  • الأول: لا يكون للإنسان أي مسؤولية فيما يقع له، فهو حين يكون طفلا، تكون المسؤولية الأولى للوالدين في التعبير الجيني. وهنا نتكلم عن المسؤولية المنفكة.
  • الثاني: ذلك الطفل حين يكبر، يبدأ بتحديد طريقة تفاعله مع البيئة، وبقراراته يؤثر على التعبيرات الجينية، وهنا يصبح مسؤولا لأنه اتخذ قرارات، فالمسؤولية ترتبط باتخاذ القرار أو في عدمها.

ونحن من هذا المنطلق نختلف جذريا على التحليل النفسي، فالطفل الرجل ليس وعاءً سلبيا تتفرغ منه الأحاسيس والأفكار، فهو قادر على أن يكبح أحاسيسه ويغير أفكاره. وهذا هو التصور الفطري. وإلا فإن الحساب والعقاب والجزاء في الأخرة، يصبح لا معنى له من منطلق نظرية ترى بأن الرجل ما هو إلا وعاءً يتفجر من خلاله أحاسيس الطفل أي مسؤولية الآباء.

ولهذا نرى من منطلق علم النفس الفطري “المسؤولية انتهاءً”، أن حالة الإنسان ترتبط بالتعبير الجيني البَعْدي، أي هناك تعبير جيني يكون الطفل غير مسئولا عنه، ولكن حين يكبر تصبح مسؤولية شبه كاملة، لأنه يصبح قادرا على التفكير واتخاذ القرارات، وهذا التفكير يؤثر على التعبير الجيني: “المسؤولية الانتهاءً”.

ويتجلى ذلك في “الرغبة والقدرة” على تغيير “التعبير الجيني السلبي” وترسيخ “التعبير الجيني الإيجابي”.

وهذه التقنية تساعد المريض على التموقع داخل مفهوم التغيير، حيث نضع القاعدة التالية:

 “صحيح أنك لم تكن مسؤولا عما وقع لك ابتداءً، ولكنك أصبحت مسؤولا عن اتخاذ قرار التغيير، انتهاءً“.

لقد جُرب “الإبجنيتك” في النواة الحقيقة[20] وفي النواة البدائية[21]في النبات، وقد لوحظت إمكانية انتقال المعلومات الجينية التي تم دمغها في “الدنا” إلى الجيل القادم، بمعنى أن التعبير الجيني والتأثير لا يتوقف عند الفرد ذاته، ولكن يؤثر انتقال المعلومات الجديدة إلى الأجيال القادمة. بمعنى أن الإنسان في كل مراحل حياته يقوم بدمج معلومات جديدة لتفتح للجيل اللاحق معلومات جديدة، تأخذ صفة “الموروث” .

وفي هذا السياق يمكن أن نُذكِر بمسلمة نبوية، والتي يمكن صياغتها على الشكل التالي:

“مَن سَنَّ سُنَّةً حَسنةً، كانَ لَهُ أجرُها وَمِثْلُ أجرِ مَن عملَ بِها، ومن سنَّ سنَّةً سيِّئةً، كانَ عليهِ وزرُها وَوِزْرُ مَن عملَ بِها[22]“.

في سياق “التحكم الجيني” يمكن أن نقول بأن “عَمل حسنة” تنتقل لتُسجل في الدنا، وينتقل فعل الخيرات إلى الأجيال القادمة.

وهنا نعيد طرح أهمية المسؤولية الجينية، التي نحن بصدد التحدث عنها فنقول:

  • المسؤولية لا تقف عند المستوى الفردي، بل تتعداه إلى الأجيال القادمة إلى الأبناء، إلى الأحفاد. وهنا لا بد من أن يتوقف الإنسان حول قراراته، حيث تصبح هذه القرارات، ليست فقط مرتبطة بك أنت، بل تتجاوزك إلى الأجيال القادمة، وهنا يظهر المستوى الثاني من المسؤولية.

فأولادك على الأقل سيحملون تعبيرا جينيا مرتبطا بالقرارات التي اتخذتها في مسار حياتك من:

  • نوعية التغذية،
  • نوعية الأفكار،
  • نوعية السلوك،
  • الحالة النفسية،

وعموما -كما ذكرنا- هناك أربعة أشياء تؤثر مباشرة على التعبير الجيني:

  1. التغذية،
  2. الحالة النفسية،
  3. التلوث البيئي،
  4. منظومة الحركة،

ونقول إن الإنسان في كل هذه العناصر يكون مسؤولا عن القرارات التي سيتخذها من أجل التفاعل مع تلك العناصر الأربعة.  لا توجد –حسب علمي- دراسة للتحكم الجيني تحدد المدة الزمنية الواحدة لحالة كل إنسان، عندها تبدأ صيرورة دمغ “المعلومات الجينية”، ففي هذه المرحلة من تطور علم “التحكم الجيني”، يلاحظ تأثير العناصر الأربعة على التعبير الجيني، من خلال “الحَور” على السلوك والمرض النفسي والعضوي.

وتشير العديد من الدراسات في هذا المجال إلى أن التعبير الجيني يتميز “بالاستقرار الديناميكي”، وهذا يعني كما ذكرت أن هناك استقرارا للمعلومات في “الدنا”، ويمكن التأثير عليه مع الزمن.

إن العملية التفاعلية بين مفهوم التغيير والتعبير يوضح لنا في العلاج النفسي، كيف يمكن أن نستعمل هذين العنصرين في تحقيق المسار العلاجي. فالتعبير الجيني مرتبط بالمسؤولية الفردية، وهو الشيء الذي تتفق حوله جميع مدارس علم النفس. أي أن الإنسان لا يمكن تغييره بدون إرادة منه، وأن هذه الإرادة تدمغ في “الجين”.

وبذلك يصبح أول عمل يجب القيام به في العلاج النفسي، هو دفع المريض إلى خلق “الرغبة العلاجية”. لأن هذه الرغبة تساعد المريض عبر التحكم الجيني في فتح آفاق جديدة في العلاج.

 فالتعبير عن الأفكار وتوليد أفكار جديدة إيجابية تساعد على التغيير، والتغيير يدمج في الجين وفي الصيرورة العلاجية.

تشكل عملية التحكم الجيني منظومة جديدة عبر معلومات وراثية، فهي تختلط بها وتُؤثر عليها. وهنا يبرز تساؤل حول الجبرية الجينية، هل نحن فقط منتوج “للجبرية الجينية” أم يمتلك الإنسان هامش كبير لتغيير تلك الجبرية. ونقول فإن الله عز وجل أعطى مساحة كبيرة للمسؤولية الفردية لتوجيه حياته وتأثيره عليها.

وهكذا فإننا نستطيع أن نقول بأن مفهوم الجبرية والقدرية لم يعدا من تساؤلات الدينية والفلسفية، بل إن العلم الحديث “التحكم الجيني” أدلى بدلوه في هذا المجال وأعطى معلومات عِلمية غيرت مستوى النقاش.

تعتبر الاعتقادات العلاجية عنصرا مهما في الصيرورة العلاجية، ويذهب الدكتور “إريك إريكسون” في كتابه: “نظرية التحكم الجيني”، إلى اعتبار أن ديمومة تطور السلوك الإنساني لا يمكن تفسيره فقط من منظور جيني أو الإرث الجيني، بل إن مسار الإنسان وتطوره مرتبط بالمعلومات والتفاعلات البيئية والقرارات التي يتخذها، إلى أن تُصبح معلومات جينية تُؤثر على التعبير الجيني، وهكذا فعبر عملية “الحور”[23]، لا يبقى الإنسان سجين التعبير الجيني.  

“فالسجن الإرثي”، يمكن عبر صيرورة “التعبير الجيني المُنْفَتِح” تغييره والتحرر منه، وهذا التعبير الجيني، يُخرج الإنسان إلى رحابة التغيير، والمسؤولية. وهنا أعود لأؤكد مرة أخرى على أهمية المسؤولية الذاتية في العلاج النفسي.

ونحاول أن نبين من هذا المنطلق، كيف للعلاج النفساني أن يستغل هذا العلم لتطوير هذه المسؤولية؟

ونحن في علم النفس الفطري، ننطلق من مرجعية قرآنية، والتي تشير إليها الآية: “.. إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ..”، فمن هذه الآية نَطل على هذا العلم: “التحكم الجيني” لتتلاقح مع المسؤولية التي بينها الله عز وجل، إن التعبير يبدأ من الذات، ويبدأ من إعطاء الأمر الذاتي للتغيير:

  1. إما من المستوى الأول: المسؤولية ابتداءً،
  2. أو من المستوى الثاني: المسؤولية انتهاءً،

الحتمية الجينية

 يقول الدكتور عمرو شريف[24] “توجَهَت الأنظار إلى التحكم في الجينات، عندما ثبت أن «الدنا» يمثل فقط نصف محتوى الكروموسومات، أما النصف الآخر فيتكون من بروتينات تنظيمية تنظم عمل «الدنا» وتخضع لتوجيه المؤثرات البيئية. وبعد أن كانت البطولة الأولى للجينات، حيث معادلة الحياة هي:

صارت البطولة الأولى للعوامل البيئية وأصبحت معادلة الحياة هي:

وإذا كان الإنسان يَتَعلَم من البيئة المحيطة به، فإن الخلايا أيضا تتعلَم من بيئتها المحيطة، ومن أهم أمثلة ذلك خلايا المناعة، التي تُكون ذاكرة خلوية تسجل في جيناتها، وتجعلها قادرة على التعرف على البكتيريا الغازية إذا هاجمت الجسم مرة أخرى. وهكذا تُمرر هذه المعلومات المكتسبة عن طريق الجينات إلى الأجيال الجديدة من الخلايا. وهذا يَنْفي ما يتمَسَك به المتحمسون للحتمية الجينية من أن الصفات المكتسبة لا تسجل في الجينات، ومن ثم لا تورث. ويعد بحق ثورة في معلوماتنا البيولوجية[25].


[1] Epigénétique

[2] – سنخصص إن شاء الله كتابا مستقلا تحت عنوان: “التغذية النفسية”.

[3]Joël Rosnay 2011, in : Epigénétique : htt/fr.wikipedia.org/wiki/%C3%89pig%C3%A9n%C3%A9tique, 01/05/2017

[4] Polyphénisme 

[5] Génotype   

[6] Phénotype

[7]Thomas Morganin : Epigénétique et environnement, http://www.lemonde.fr/sciences/article/2012/04/13/l-epigenetique-une-heredite-sans-adn_1684720_1650684.html Wip, 07/08/2017

[8] Gène poubelle

[9]Jammes Hélène, épigénétique : une lecture du génome via des modifications stables/transition et transmissible. www.academie-veterinaire-defrance-org.

[10]L’épigénétique se réfère à un ensemble de processus moléculaires contrôlant le fonctionnement du génome. Ces processus, mettant en jeu la méthylation de l’ADN, les modifications post-traductionnelles des histones, de petits et grands ARN non codants, constituent la machinerie épigénétique et participent à l’architecture nucléaire. Stable mais aussi flexible, et variant rapidement, le statut épigénétique du noyau cellulaire est dynamique. Dès la fécondation, les patrimoines génétiques parentaux subissent une reprogrammation épigénétique orchestrant l’expression génique indispensable au développement embryonnaire. Au cours du développement, les vagues de différenciation cellulaire, nécessaires à l’organogénèse, s’accompagnent de la mise en place d’épigénomes cellulaires spécifiques dont la stabilité est assurée par l’héritabilité des marques épigénétiques à travers la mitose. Ceci garantit le maintien de la fonction cellulaire de par la stabilité du profil de gènes exprimés. Flexibilité et/ou réversibilité de ces marques peuvent intervenir en réponse à divers changements environnementaux. Cette caractéristique prend toute sa dimension dans les processus de programmation fœtale, soulignant l’empreinte de la vie in utero sur le devenir de la descendance. Afin d’illustrer l’ensemble de ces notions, nous prendrons divers exemples de biologie du développement avec une attention particulière concernant la place de la programmation épigénétique au cours de la spermatogenèse. L’épigénétique peut être considérée comme mémoire cellulaire et source de diversité entre les individus.

[11]Emmanuel Carnier

[12]Monozygote

[13] – “gelée royal”

[14]-Grâce aux phéromones qu’elle sécrète, la reine parvient à influencer les abeilles de sa colonie de manière à maintenir:

  • L’organisation,
  • Et la stabilité.
  • La reine des abeilles se distingue des autres abeilles de la colonie par certains signes extérieurs :
  • Sa grande taille et sa couleur avec reflets chauds ou bronzés :
  • Une simple abeille ouvrière mesure environ 15 mm,
  • Une reine peut atteindre les 20 mm,
  • Son abdomen n’est pas entièrement recouvert par ses ailes,
  • Ses pattes sont dépourvues de brosses, de peignes et de corbeilles,
  • Sa langue est plus courte et ses yeux ont moins de facettes,
  • Son dard est plus lisse :
  • Il lui est surtout utile pour vaincre les autres reines potentielles, mais elle ne saura plus s’en servir une fois ses ovaires développés,
  • La reine peut retirer son dard et piquer à nouveau,
  • Son système olfactif est moins performant et elle n’a pas de glandes cirières,
  • Sa démarche est très lente.

[15]Linda Booi in : Garnier Emmanuel ; (2015) ; l’épigénétique, le mécanisme derrière d’importantes maladies, Le Médecin du Québec, volume 50, numéro 12, décembre.

[16] Les Histones

[17]Epigénétique : htt/fr.wikipedia.org/wiki, 01/05/2017, Wikipédia 

[18] Séquence nucléotidique

[19]الحَوْرْ: يعني التغذية الراجعة

[20]Eucaryotes

[21]Procaryotes

[22] “مَن سَنَّ سُنَّةً حَسنةً فعمِلَ بِها، كانَ لَهُ أجرُها وَمِثْلُ أجرِ مَن عملَ بِها، لا يَنقُصُ مِن أجورِهِم شيئًا ومن سنَّ سنَّةً سيِّئةً فعملَ بِها، كانَ عليهِ وزرُها وَوِزْرُ مَن عملَ بِها من بعده لا ينقصُ من أوزارِهِم شيئًا”، صحيح ابن ماجه.

[23]– لفظ استعمله بدل لفظ التغذية الراجعة، التي ترجم rétroaction، انطلاق من الحديث: “من قال لأخيه أنت كافر حار عليه”، أي رجع عليه قوله.

[24]– عمرو شريف أستاذ البيولوجيا وعلم الأعصاب، خرافة الإلحاد، مكتبة الشروق الدولية، 2014

– [25] ص158.خرافة الإلحاد[25].

من أراد التوسع … ليطلع على الكناب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *