بقلم: د. الحضري لطفي


الملخص بالعربية

يتناول هذا المقال تصور الفطرة ومركزية الإنسان القرآني في المشروع الفكري والدعوي للدكتور فريد الأنصاري، كما يتجلى في كتابه الفطرية: بعثة التجديد المقبلة. وينطلق البحث من فرضية مفادها أن الفطرة عند الأنصاري ليست مفهوما عقديا مجردا، بل إطارا تفسيريا ومنهجيا لتشخيص أزمة الإنسان المسلم المعاصر، واقتراح مسار تجديدي يعيد ترتيب أولويات الدعوة والعمل الإسلامي. ويعتمد المقال المنهج التحليلي، مع استحضار السياق الحضاري والفكري الذي تشكل فيه الخطاب، ويقف عند معالم المنهاج الفطري كما صاغه د. الأنصاري، خاصة في نقده للمصطلح الحركي، وإعادة الاعتبار للقرآن بوصفه مدرسة تربوية لإصلاح الفطرة وبناء الإنسان القرآني. ويخلص البحث إلى إبراز القوة المنهجية للمشروع، مع تسجيل ملاحظات تتعلق بإمكانات تفعيله إجرائيا داخل الحقول التربوية والدعوية المعاصرة.

الكلمات المفتاحية:

الفطرة، الإنسان القرآني، التجديد الدعوي، فريد الأنصاري، القرآن والتربية.

Abstract

This article examines the concept of fitrah and the centrality of the Qur’anic human being in the intellectual and da‘wah-oriented project of Farid Ansari, as articulated in his book Al-Fitriyyah: The Upcoming Mission of Renewal. The study is based on the hypothesis that fitrah, in Ansari’s thought, is not merely a theological notion, but a comprehensive analytical and reformative framework aimed at diagnosing the contemporary crisis of the Muslim individual and redefining the priorities of Islamic renewal. Adopting a conceptual and analytical methodology, the article situates the work within its broader intellectual and civilizational context, and analyzes the main features of the fitri approach, particularly its critique of activist terminology and its emphasis on the Qur’an as a formative educational framework for restoring human balance and servitude. The study concludes by highlighting the methodological strength of this project, while pointing to the need for further applied research to translate its principles into concrete educational and da‘wah practices.

Keywords:
Fitrah, Qur’anic Human Being, Da‘wah Renewal, Farid Ansari, Qur’anic Education.

مقدمة

يرتكز كتاب الفطرية:بعثة التجديد المقبلة للدكتور فريد الأنصاري رحمه الله على فكرة مركزية تُمسك بخيطين رئيسين:

  1. أولهما تشخيص لحظة حضارية يرى أنها تستهدف الفطرة في الإنسان المسلم.
  2. وثانيهما اقتراح منهاج فطري في الدعوة والتربية لاسترجاع الإنسان إلى مدار العبودية وبناء الإنسان القرآني.

وتفيد قراءة هذا الكتاب أن الأنصاري رحمه الله لا يكتب عن الفطرة بوصفها مفهوما عقديا فحسب، بل يعالجها باعتبارها ساحة صراع، وميزان إصلاح، ومفتاح تجديد، ومعيارا لتقويم العمل الإسلامي المعاصر.

ولأجل ضبط مسار المقال منذ البداية، تُعرض محاوره على النحو الآتي:

  1. بيان معنى الفطرة عند فريد الأنصاري.
  2. تحليل تصوره للخصم وطبيعة المعركة الحضارية.
  3. تفكيك مفهوم تجديد الدعوة عبر الفطرية.
  4. دراسة جهازه الاصطلاحي، خاصة التمييز بين الدعوة والحركة.
  5. عرض أركان الفطرية ومسالكها.
  6. تقويم القوة العلمية والعملية للمشروع، مع تسجيل ملاحظات منهجية وفكرية.

الفطرة: جوهر الإنسان ومركز اشتغال الدين

يُعرّف الأنصاري رحمه الله الفطرة تعريفا وجوديا عميقا، ويمنحها وظيفة تفسيرية مركزية في فهم انحراف الإنسان المعاصر واضطراب العمران. ويتجلى ذلك في عباراته التي تقارب الفطرة بوصفها “السر الكامن” و”الجوهر المكنون” و”الصورة النفسانية الأولى”، ثم يربط أي خدش فيها باضطراب المعنى الوجودي للإنسان وفوضى الأذواق والتصرفات.

ويؤسس لهذا التصور بالنص القرآني: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾ (الروم: 30)، وبالحديث المتفق عليه: “ كل مولودٍ يولَدُ على الفطرةِ فأبواه يُهوِّدانِه أو يُنصِّرانِه أو يُمجِّسانِه” (أخرجه البخاري)، ليستخلص نتيجة منهجية مفادها أن أصل الفطرة توحيدي أخلاقي، تمتد آثاره إلى السلوك والعمران.

ويُحسب لهذا البناء رفضه الفصل بين الفطرة والدين، إذ يفهم الدين بوصفه خضوعا كليا، لا يستقيم فيه خضوع الجوارح دون خضوع القلب، ويجعل الإخلاص مركز هذا البناء.

اللحظة الحضارية بوصفها استهدافا للفطرة

يقرر الأنصاري رحمه الله أن التدافع الحضاري بلغ مرحلة نوعية جديدة، وأن الرهان الغربي لم يعد موجها إلى السيطرة المادية فحسب، بل إلى تدمير الفطرة بما يجعل الأمة قابلة للابتلاع العولمي في القيم والأخلاق والعمران. ويعبر عن ذلك بقوله المكثف: “قد تم احتلال الإنسان قبل احتلال الأوطان”.

ويُدرج هذا التشخيص ضمن تصور شامل لظلمات الشبهات والشهوات التي تعصف بالإنسان المسلم فردا وأمة، وتعيد تشكيل الذوق والهُوية عبر التعليم والإعلام والاقتصاد والسياسة.

ويعزز هذا الفهم ما قرره ابن القيم[1] في تحليله لبنية النفس الإنسانية، حيث يؤكد أن الأصل في الإنسان السلامة والاستقامة، وأن الانحراف طارئ ناتج عن عوارض الشهوة والشبهة، وهو ما يجعل العلاج عودة إلى الأصل لا صناعة هوية بديلة، ويمنح الفطرة وظيفة معيارية في تشخيص الخلل وتقويم المسار.

ويستند د. الأنصاري رحمه الله في تعزيز هذا المعنى إلى الحديث المشهور: “يُوشِكُ أن تَدَاعَى عليكم الأممُ من كلِّ أُفُقٍ، كما تَدَاعَى الْأَكَلَةُ إلى قَصْعَتِها، قيل: يا رسولَ اللهِ! فمِن قِلَّةٍ يَوْمَئِذٍ؟ قال لا، ولكنكم غُثاءٌ كغُثاءِ السَّيْلِ، يُجْعَلُ الْوَهَنُ في قلوبِكم، ويُنْزَعُ الرُّعْبُ من قلوبِ عَدُوِّكم؛ لِحُبِّكُمُ الدنيا وكَرَاهِيَتِكُم الموتَ”. (أخرجه أبو داود)، ثم يستخرج منه “الوهن” بوصفه حب الدنيا وكراهية الموت، ويُعيد تفسير ذلك بأنه فقدان الثقة بالله، وأنه نتيجة:

  1. “مروقه عن مدار العبدية” إلى “شرك الأهواء والشهوات”.

ويتوسع في وصف “التآكل الداخلي” الذي أصاب الأمة عبر قرون، ثم يرى أن الخصم استثمره ببرامج تعليم وإعلام تُحول بعض “المضادات الحيوية” في جسم الأمة إلى مضادات ضدها.

“الفطرية” بوصفها منهاج تجديد

ينتقل د. الأنصاري رحمه الله من التشخيص إلى اقتراح علاجي دعوي: يقول إن العمل الإسلامي المعاصر لن يستجيب للتحدي إلا إذا جدد نفسه أولا بالرجوع إلى “فطرته” في الدين والدعوة، لأن الفطرة المخرومة لا تُعالج إلا بمنهاج فطري. ويُعرف “الفطرية” بأنها منهاج في العمل الدعوي قائم على أصول الفطرة كما يعرضها القرآن والسنة، وأن غايته تخريج نموذج “عبد الله” وفق مقام العبودية الخالصة لله في الاعتقاد والثقافة والاجتماع والسياسة والاقتصاد وسائر مجالات العمران.

ويُبرز الكتاب هنا معلمين شديدي الأهمية:

  1. يجعل الإنسان “القضية”: يقرر أن موضوع الدين الإجمالي هو الإنسان في علاقته بربه، وأن دائرة الاستثمار الرئيس للدين هي هذه العلاقة: إما عبودية وإما تمرد. ويستخلص من ذلك أن “الشمولية” الحقيقية تبدأ بإنتاج الإنسان القرآني، وأن الفروع العمرانية تتولد في وقتها من هذا الأصل.
  2. يجعل القرآن “مدرسة”: يقرر أن إصلاح الفطرة لا يكون إلا بالقرآن لأنه خطاب الفطرة، وأن محور التربية الفطرية هو تلقي القرآن تخلقا وتحققا، ثم بلاغ ما تلقاه بالطريقة نفسها عبر “مجالس القرآن” بوصفها محاضن الفطرية.

ويفصل في معنى “تلقي القرآن” لا بوصفه تلاوة لفظية فقط، بل بوصفه استقبالًا قلبيا للوحي على سبيل الذكر، مع استحضار آية ﴿إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَذِكْرَىٰ لِمَن كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ﴾ (ق: 37)، وآية ﴿وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ . ..﴾ (الشورى: 52). ويصوغ من ذلك فلسفة تربوية ترى أن القلب إذا تلقى القرآن بوصفه “روحًا” عاد فاستقام ميزانه، ثم انعكس ذلك على الذوق والسلوك والعمران.

وتُفيد هذه القراءة أن د. الأنصاري رحمه الله لا يصف العولمة بوصفها اقتصادا فقط، بل يتعامل معها باعتبارها مشروعا لاحتلال الوجدان والانتماء والولاء، أي احتلال الشعور الفردي قبل البنى الاجتماعية والمؤسساتية. ويستعمل في هذا السياق نقده لما يسميه “أنسنة الإسلام”، بمعنى إفراغه من مضمونه التعبدي الرباني، وإحلال الإنسان في مركزية التشريع والمعنى بدل المرجعية الإلهية.

ويجد هذا التشخيص ما يعضده في تحليل طه عبد الرحمن[2]، الذي نبّه إلى أن اختزال الدين في أبعاده الوظيفية أو الحقوقية يؤدي إلى تعطيل جوهره الائتماني[3]، وتحويل الفعل الديني إلى ممارسة تقنية منزوعة البعد الأخلاقي التعبدي. كما يزداد هذا الفهم عمقا عند استحضار ما قرره مالك بن نبي بخصوص ما اصطلح عليه بـ”القابلية للاستعمار[4]“، غير أن هذا المفهوم يُفهم هنا على مستوى الاستعداد المكتسب لا على مستوى التكوين الفطري الأصيل.

فالفطرة، في منطق هذا التحليل، لا تتضمن قابلية أصيلة للهيمنة أو العبودية (لطفي الحضري[5])، إذ إن أصل التكوين الإنساني قائم على الحرية والكرامة، كما يدل عليه المعنى الإسلامي المؤسس للإنسان بوصفه مخلوقا حرا مستخلفا، لا قابلا للاستعباد في جوهره.

وعليه، فإن ما يُصيب الإنسان أو المجتمع في سياق الهيمنة لا يمس الغرز الفطري في ذاته، وإنما يطرأ عليه بوصفه خروجا عارضا قابلا للتصحيح، لا انكسارا بنيويا في أصل الفطرة. ومن هذا المنظور، لا تبدو العولمة قوة مفروضة فحسب، بل نتيجة اختلالات نفسية وحضارية مكتسبة، وهو ما ينسجم مع أطروحة فريد الأنصاري التي تجعل إصلاح الفطرة استعادة لوضعها السوي، لا إعادة تشكيل لجوهرها، وشرطا أوليا لأي مشروع نهوض حقيقي.

معركة الألفاظ

يُخصص د. الأنصاري رحمه الله مساحة مهمة لبيان أن الألفاظ ليست بريئة من الخلفيات الحضارية، وأن إعادة الاعتبار لألفاظ القرآن والمصطلحات الشرعية من مهام الفطرية. ويُجري مقارنة حادة بين مصطلح “الدعوة” ومصطلح “الحركة”، فيرى أن “الدعوة” تعبير إلهي منزل يدل على طبيعة الرسالة القرآنية تأسيسا وتجديدا، بينما “الحركة” تعبير وضعي مرتبط بنسبيته التاريخية ومترجم عن سياق علم الاجتماع السياسي. ثم يبني على ذلك نتيجة حاسمة، فيقول:

  1. إن “الحركة الإسلامية” تشتغل حول النص.
  2. بينما “دعوة الإسلام” تشتغل بالنص وفي النص وتدعو إلى النص.

فالنص في الأولى شعار وفي الثانية مدار.

وتحمل هذه الفكرة في عمقها مطلبا إصلاحيا واضحا: يدعو د. الأنصاري رحمه الله إلى تحرير المجال الدعوي من هيمنة المنطق الحزبي الذي يحصر الفعل في مقاومة الظلم السياسي أو التنافس على السلطة، ثم يضع بدل ذلك منطق “الصناعة بالدين” لا “صناعة الدين بالسياسة”، ويُقرر أن تدبير شأن الدعوة من شؤون الربوبية، وأن المؤمن جندي من جنود الله، مستشهدا بآية التدافع: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ…﴾ (البقرة: 251).

يرتب “الفطرية” في أركان ومسالك

يُقدم د. الأنصاري رحمه الله “حدا” للفطرية ثم يذكر لها ستة أركان وثلاثة مسالك. ويفيد هذا التقسيم القارئ لأنه يُحول الفكرة من خطاب عام إلى برنامج.

يحدد حد الفطرية بأنه “إقامة الوجه للدين حنيفا خالصا لله، بمكابدة القرآن ومجاهدة النفس به تلقيا وبلاغا” بقصد إخراج النفس من تشوهات الهوى إلى هدى الدين القيم. ثم يعرض الأركان بوصفها “مصطلحات مفتاحية” جامعة:

  1. يجعل “الإخلاص مجاهدة” جوهر الفطرية ومحها، ويربط أصل الفطرة بإخلاص التوحيد لله، ويشدد على أن الإخلاص حقيقة تُكابد لا معلومات تُلقن.
  2. يجعل “الآخرة غاية” ميزانًا لتقويم صفاء الدين وضبط مسار الدعوة، ويسند ذلك إلى الحديث: ” من كانتِ الآخرةُ هَمَّهُ جعلَ اللَّهُ غناهُ في قلبِهِ وجمعَ لَه شملَهُ وأتتهُ الدُّنيا وَهيَ راغمةٌ، ومن كانتِ الدُّنيا همَّهُ جعلَ اللَّهُ فقرَهُ بينَ عينيهِ وفرَّقَ عليهِ شملَهُ، ولم يأتِهِ منَ الدُّنيا إلَّا ما قُدِّرَ لَهُ”، ” (رواه الترمذي)، ويستحضر مركزية اليوم الآخر في القرآن والسنة.
  3. يجعل “القرآن مدرسة” صبغة عامة للفطرية: تلقيا وتخلقا وتحققا.
  4. يجعل “الربانية برنامجا” لتخريج طبقة الدعاة المربين.
  5. يجعل “العلم طريقة” لينفي الخرافية والأهواء، ويُقيد الفطرية بالحد الأدنى من العلم الشرعي.
  6. يجعل “الحكمة صبغة” ويُعرفها بأنها اتخاذ الإجراء المناسب في الوقت المناسب بالقدر المناسب، ثم يقسمها إلى كسبي (فقه المناط والأولويات والموازنات) ووهبي (التقوى التي تُورث فرقانا)، ويستشهد بآيتي الأنفال 29 والبقرة 269. ثم يعرض المسالك التربوية الثلاثة:
  7. يدعو إلى الدخول في “مجالس القرآن” بوصفها مجالس تلق وتدبر وتدارس تقوم بوظائف النبوة: تلاوة، تزكية، تعليم الكتاب والحكمة.
  8. يقرر “بلاغ الرسالات” وأن المجتمع الإسلامي جماعة دعوية بطبيعته، ويميز بين بلاغ التخبير وبلاغ التبصير.
  9. يقرر “رباط الفطرية” من صلوات وأوراد وأذكار وتروك، وينتقد الذكر العددي إذا انفصل عن الذكر المعنوي الذي يربط العبد بربه في الأقوال والأفعال والهيئات. ويضيف في هذا السياق شذرات تربوية قوية، مثل تحذيره من الكذب بوصفه خيانة رسالية، واستدعاؤه لحديث “عليكم بالصدق…” المتفق عليه.

يقدم أطروحة “التداول القرآني”:

يُعد مفهوم “التداول القرآني” من أخصب ما في الكتاب. يعرفه د. الأنصاري رحمه الله بأنه اشتغال شامل بالقرآن يعمر الحياة حتى يطغى على ما سواه تلاوة وتعلما وتدارسا وتدبرا وتزكية، ثم يقسمه إلى تداول اجتماعي يُحول القرآن إلى خلق وثقافة شعبية سارية، وتداول تربوي يُخرج “أهل القرآن” الحكماء الربانيين. ويستشهد بأثر الأنصار “القراء” وبعثهم لتعليم القرآن والسنة.

وتكمن قوة هذه الفكرة في أنها تُجيب عن سؤال العصر: كيف تُبنى مناعة اجتماعية ضد العولمة الثقافية والإعلامية؟ يجيب د. الأنصاري رحمه الله: يبنى ذلك حين يصير القرآن ذاكرة جمعية حية، وحين يتحول إلى معيار ذوق، لا إلى شعار يُرفع في الخطب فقط.

يُحسب له: إعادة مركزية “الإنسان القرآني” ضد اختزال التجديد في السياسة

يُحسن د. الأنصاري رحمه الله حين يجعل الإنسان أصل العمران، وحين يرد الشمولية إلى بناء العبودية والوجدان قبل الملفات السياسية. ويتقاطع هذا التصور مع ما قرره الشاطبي في بناء المقاصد، إذ جعل الغاية الكلية للشريعة إخراج المكلف عن داعية الهوى حتى يكون عبدا لله اختيارا كما هو عبد له اضطرارا، وهو ما يفيد أن إصلاح السلوك والعمران لا يتحقق إلا بإعادة توجيه الباطن الإنساني وضبط مقاصده الداخلية قبل الاشتغال على المظاهر والتنظيمات الخارجية.

ويُنتج هذا الاتجاه ثمرة إصلاحية واضحة: يستعيد القلب مركز القيادة، ويستعيد المسجد ومجالس القرآن موقعهما في هندسة التجديد، ويجعل التربية معيارًا لصدق المشاريع.

يُحسب له: جرأة نقد المصطلح وفضح “الاعتذار اللاشعوري”

يقدم د. الأنصاري رحمه الله نقدًا مهمًا لـ”أنسنة الإسلام” – كما ذكرنا- ولتحول بعض الخطابات إلى اعتذار ضمني للغرب عبر استبطان معاييره وتقديم الإسلام بصفته قابلًا للإدماج في النظام العولمي. وينبه إلى أن الخطر صار على الولاء والوجدان، لا على الحدود فقط. ويُفيد هذا النقد في تقوية اليقظة المفهومية لدى الدعاة والمربين.

خاتمة

يمنحنا كتاب “الفطرية” ثلاث عناصر منهجية كبرى: يرد التجديد إلى إعادة بناء الإنسان لا إلى إدارة الصراع فقط؛ يرد إصلاح الفطرة إلى القرآن بوصفه مدرسة لا شعارًا؛ يعيد ترتيب المصطلحات والأولويات على ميزان العبودية والآخرة والحكمة.

ويفتح لنا في المقابل ثلاثة أسئلة تطويرية: كيف نُفكك ظاهرة الاستلاب تفكيكًا إجرائيًا؟ كيف نُركب بين الدعوة والمؤسسة دون تسييس؟ كيف نُحول خطاب الفطرة إلى مؤشرات تربوية قابلة للتطبيق؟

ويبقى الأثر الأعمق في هذا الكتاب أنه يستدعي القارئ إلى قلب المعركة: يضعه أمام سؤال بسيط في لفظه عظيم في تبعاته: هل نصنع العمران بصناعة الإنسان القرآني، أم نطارد العمران بأدوات تُعيد إنتاج التشوهات نفسها؟

المراجع

  1. ابن القيم، الجوزية. (1292م– 1350م). مفتاح دار السعادة. بيروت: دار الكتب العلمية، (2002).
  2. الأنصاري، فريد. (2011). الفطرية: بعث جديد للإنسان المسلم. الرباط: دار السلام.
  3. الحضري لطفي. (2025). العليل: الصحة والمرض من منظور علم النفس الفطري. مكتبة النور، نسخة رقمية.
  4. الشاطبي، إبراهيم بن موسى، (1320م-1338م). الموافقات في أصول الشريعة. تحقيق: عبد الله دراز. بيروت: دار المعرفة، (2004).
  5. طه عبد الرحمن. (2007) سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
  6. طه عبد الرحمن. (2012) روح الدين : من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.
  7. مالك بن نبي. (1986). شروط النهضة. دمشق: دار الفكر.

[1] ابن القيم، الجوزية، (1292م– 1350م) مفتاح دار السعادة ومنشور ولاية العلم والإرادة. بيروت: دار الكتب العلمية، (2002).

[2] طه عبد الرحمن. (2007). سؤال الأخلاق: مساهمة في النقد الأخلاقي للحداثة الغربية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

[3] طه عبد الرحمن. (2012). روح الدين: من ضيق العلمانية إلى سعة الائتمانية. الدار البيضاء: المركز الثقافي العربي.

[4] مالك بن نبي. (1986). شروط النهضة. دمشق: دار الفكر.

[5] الحضري لطفي. (2025). العليل: الصحة والمرض من منظور علم النفس الفطري. مكتبة النور، نسخة رقمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *