د. الحضري لطفي
في عالمٍ تزداد فيه تعقيدات العلاقات بين الأفراد والجماعات، تبرز “سيكولوجية التحالف” كحقل معرفي يبحث في العوامل النفسية والاجتماعية والثقافية والمعرفية التي تُحرك التحالفات وتُشكّلها وتحافظ عليها. هذا الكتاب لا يقتصر على تحليل الدوافع الظاهرة للتحالفات، بل يغوص في الديناميكيات الخفية التي تحكمها، مثل توزيع القوة، والتأثير المتبادل، والتفاعلات العاطفية والمعرفية، بالإضافة إلى تأثير البيئة الداخلية والخارجية في تشكيل طبيعة هذه التحالفات واستدامتها.
من خلال هذا العمل، نستكشف العمليات النفسية المرتبطة بالإدراك الجماعي، والتواصل، والتعاون، والتنافس، وحتى الصراع وحل النزاعات. كما نهدف إلى تطوير استراتيجيات فعّالة لإدارة التحالفات، انطلاقًا من فهمٍ عميق لطبيعة المصالح المشتركة التي تجمع الأطراف، سواء كانت مادية أو معنوية أو روحية. ففي قلب أي تحالف، توجد مصالح مشتركة تُؤجّل الخلافات أو تُدار بذكاء لضمان تحقيق المنفعة المتبادلة، مع مراعاة التكيف المستمر مع المتغيرات الطارئة.
ولا يقتصر هذا الكتاب على تحليل الحاضر، بل يستحضر البعد التاريخي كمرجعية أساسية لفهم التحالفات. فمن خلال دراسة التاريخ بعمق وموضوعية، نستطيع استخلاص الدروس من نجاحات التحالفات السابقة وإخفاقاتها، مما يوفر منظورًا أشمل لتقدير المصالح المشتركة وضبط التوقعات، ويجنبنا تكرار الأخطاء التي وقعت فيها الأجيال السابقة.
لكن رغم تركيزها على المصالح، تؤكد “سيكولوجية التحالف” على أهمية الالتزام بإطار أخلاقي وقيمي يحفظ للإنسان كرامته ويضمن عدم تحول المصالح إلى مبرر لانتهاك المبادئ الإنسانية. ففي التصور الإسلامي، تخضع التحالفات لقيم الشريعة التي تضمن الالتزام بالضوابط الأخلاقية واحترام الحقوق، مما يُسهم في تحقيق التوازن بين الأطراف ويجنب هيمنة طرف على آخر.
نتناول في كتابنا هذا، موضوعاً بالغ الأهمية، يرتبط بتحديات الواقع الإسلامي المعاصر حيث تتقاطع فيه القضايا العقدية مع المصالح السياسية. حيث نركز على دراسة التحالفات الاستراتيجية المصلحية بين مختلف الأطراف داخل الأمة الإسلامية، وخاصة مع الشيعة، في ظل الأحداث الجارية “حرب الطوفان الأقصى”. تشكل هذه الحرب تهديداً وجودياً للمسجد الأقصى، أولى القبلتين وثالث الحرمين الشريفين، بما يجعلها قضية محورية تستدعي توحيد جهود الأمة، بغض النظر عن الانتماءات المذهبية، لحماية المقدسات الإسلامية.
إن هذا التحالف المصلحي الذي ننادي به ليس دعوة إلى التقارب العقائدي الكامل أو الذوبان الفكري، بل هو تحالف مرحلي ومؤقت هدفه توحيد الجهود في مواجهة خطر مشترك؛ خطر الاحتلال الإسرائيلي الذي يسعى إلى تهويد القدس وإضعاف الهُوية الإسلامية. ينطلق هذا التحالف من “فقه المصلحة” الذي يضع معايير شرعية تضبط العلاقات بين الطوائف المختلفة في الأوقات الحرجة، حيث تساهم هذه المصلحة المشتركة في الحفاظ على الهُوية الإسلامية من جهة، وتوجيه الطاقات نحو قضية جامعة، دون التنازل عن الثوابت الدينية أو التماهي مع عقائد تخالف أهل السُنة والجماعة.
ونعتمد في طرحنا على مفهوم “السياسة الشرعية” كمظلة جامعة للتعاملات السياسية، حيث نعتبر الوحي الإلهي – القرآن الكريم والسُنة النبوية – المرجعية الأساس التي تضبط المفاهيم، وتضع الإطار العام لأي تحالفات أو تعاون. فالإسلام، دين شامل لا يفصل بين العقيدة والمصالح الدنيوية، بل يدمجهما في نسيج واحد يسمح بتحقيق التوازن بين الحفاظ على الثوابت وبين تحقيق مصلحة الأمة. وبهذا، فإن أي تحالف لا بد أن يكون مقيداً بأحكام الشريعة الإسلامية، التي تضمن بقاء الهُوية العقائدية وتمنع الانزلاق نحو تنازلات تؤدي إلى ضياع المبادئ الأساسية.
كما نتناول في هذا الكتاب “فن التواصل وإدارة النقاشات بين المثقفين والسياسيين وصنّاع القرار” كأداة رئيسية لضمان اتخاذ قرارات صائبة وموزونة تخدم المصلحة العامة للأمة. إن القدرة على إدارة النقاشات بشكل فعال تُسهم في تحقيق التوافق، وتحد من الخلافات التي قد تعرقل التعاون. فإدارة النقاشات بوعي وحنكة، من خلال حوار علمي وموضوعي، تساعد في فهم دوافع الأطراف المختلفة، وتُمكن من إيجاد أرضية مشتركة للتعاون دون أن تؤدي إلى الاحتقان أو التضحية بالهُوية العقائدية. حيث نشدد على أن هذه النقاشات يجب أن تكون بعيدة عن العواطف أو التسرع، وأن تعتمد على تحليل علمي والتاريخي الدقيق للظروف المحيطة والتحديات المشتركة، مما يساعد في الوصول إلى توافق عملي يخدم المصلحة العليا للأمة.
ويأتي مفهوم “فقه التحالفات” في هذا السياق كإطار “فقهي نفساني” يستند إلى الشريعة الإسلامية، ويقدم دليلاً واضحاً للتعامل مع الأطراف المختلفة في العقيدة، بحيث يضبط هذا الإطار شروط وأهداف التحالفات، ويضمن أن تكون تلك التحالفات في صالح الأمة دون المساس بثوابتها. ففقه التحالفات لا يدعو إلى التحالف المطلق، بل هو فِقه يعتمد على التمييز بين التحالف التكتيكي المؤقت والتحالف الاستراتيجي الدائم، بناءً على ظروف واحتياجات المرحلة. وهنا يبرز دور التحالفات المصلحية المؤقتة مع الشيعة في الوقت الراهن، وفي سياق “حرب الطوفان الأقصى”، كوسيلة فعالة لدفع خطر الاحتلال الإسرائيلي عن المسجد الأقصى، وهو هدف جامع يتطلب التنسيق المرحلي بين الأطراف الإسلامية المختلفة، دون المساس بثوابت أهل السُنة.
في هذا الإطار، نقتدي بالتحالفات النبوية كمرجعية يجب أن تستند إليها الأمة في هذا العصر. “تحالف النبي محمد ﷺ مع يهود المدينة”، يُبين كيف يُمكن للتعاون مع الأطراف المختلفة أن يكون وسيلة لحماية المدينة وتحصينها من الأخطار، دون تقديم تنازلات تمس العقيدة الإسلامية. وكذلك، يُعد “اتفاق النبي ﷺ مع قريش في صلح الحديبية” نموذجاً لكيفية استخدام التحالفات المؤقتة لتأمين أهداف استراتيجية بعيدة المدى، حيث وفر هذا الصلح للنبي ﷺ وللمسلمين فسحة للتوسع ونشر الإسلام، دون المساس بالمبادئ الأساسية.
ونستند -أيضا- في عملنا على التجارب التاريخية التي أظهرت كيف يمكن للتنوع المذهبي أن يتحول إلى عامل قوة استراتيجية في أوقات الأزمات، مثل “تحالف صلاح الدين الأيوبي مع الدولة الفاطمية الشيعية” ضد الصليبيين. ففي ذلك الوقت، ورغم التباين العقائدي العميق، قام صلاح الدين بتحالف تكتيكي مع الفاطميين في مصر، حيث أدرك أن مواجهة الخطر الخارجي المتمثل في الحملات الصليبية تتطلب توحيد الجهود بين الأطراف الإسلامية المختلفة. لقد كان هذا “التحالف جزئياً” ومؤقتاً، يهدف إلى تحقيق مكاسب عسكرية ودفع عدو مشترك، مع الحفاظ على الهُوية العقائدية للدولة الإسلامية وعدم التماهي مع الفاطميين في عقائدهم وطقوسهم. هذا التحالف التكتيكي الذي قاده صلاح الدين كان خطوة استراتيجية مكنت المسلمين من تقوية صفوفهم وتحصين مواقفهم، دون التفريط بالثوابت العقائدية.
من خلال هذه الرؤية الشاملة، نحاول أن نقدم نموذجاً متكاملاً لإدارة التحالفات المصلحية في إطار التنوع المذهبي، مع الالتزام بمبادئ الشريعة وضوابطها. فالتعاون السياسي والاقتصادي وحتى العسكري يصبح ممكناً إذا كان مُوجهاً نحو تحقيق مصلحة عامة، مثل حماية المسجد الأقصى، مع الالتزام بالشروط التي تمنع التضحية بالعقيدة. وبهذا، يصبح التنوع المذهبي، في ظل الظروف الراهنة، فرصة لتعزيز وحدة الصف الإسلامي في مواجهة التهديدات الخارجية، وتأكيد على أن الأمة الإسلامية قادرة على تجاوز خلافاتها العقائدية عندما يتعلق الأمر بقضايا وجودية تمس مقدساتها وأمنها المشترك.
فقه التحالف
نعتبر فقه التحالف فرع من فروع الفقه الإسلامي، الذي يهتم بمفهوم التحالفات بين الأفراد أو الدول أو المجتمعات، ويبحث في أنواعها وأحكامها الشرعية والأخلاقية. يتناول هذا الفقه أبعاد التحالف من حيث الهدف والوسائل والمآلات، ويقوم بتقييمها في ضوء القيم الدينية والمعايير الأخلاقية. يمكن أن يكون للتحالفات تأثير كبير على الأمن والاستقرار والمصالح الدينية والاجتماعية والسياسية، مما يجعل من الضروري تقييمها وفقاً لأحكام الشرع وضرورات المصلحة العامة. يذكر محمد قطب في كتابه “الإنسان بين المادية والإسلام”[1]: ” إن الأدب الإنجليزي غني بالشواهد على كراهية الإنجليز لليهود في القديم والحديث، واحتقارهم لهم والاشمئزاز منهم. وأذكر مثالا قصة ّالزنبقة الحمراء” الشهيرة، كما تشهد مسرحية شكسبير “تاجر البندقية” بما كان اليهود يلقونه في إيطاليا من مهانة وتحقير. أما في ألمانيا فقد وصلت المسألة إلى درجة الإبادة والاستئصال”. وفي مصلحتهم المشركة ضد الإسلام أصبح التحالف بينهم كأنه تحالف “الأب بالابن أو الأخ بأخيه”.
معنى التحالفات
التحالفات هي اتفاقات أو تنسيق بين طرفين أو أكثر لتحقيق مصالح مشتركة، سواء كانت هذه المصالح اقتصادية، عسكرية، سياسية، أو دينية. وقد تكون التحالفات عابرة أو طويلة الأجل، تستند إلى المصالح المتغيرة أو القيم الثابتة. في السياق الإسلامي، يجب أن تقوم التحالفات على أسس أخلاقية ودينية واضحة، بحيث لا تتعارض مع العقيدة أو المبادئ الإسلامية. فالتحالفات الصحيحة تعزز التضامن بين المسلمين، وتحافظ على المصالح الكبرى للأمة، وتَكون في إطار مراعاة الشريعة الإسلامية.
إن التحالفات المنحرفة أو الآثمة هي تلك التي تنتهك المبادئ والقيم الإسلامية، أو تؤدي إلى ضرر بالمسلمين أو المظلومين، أو التي تتضمن تعاوناً غير مشروع لتحقيق أهداف تتعارض مع المصلحة العامة. غالباً ما تأتي هذه التحالفات بدوافع مثل المنفعة الآنية أو حماية المصالح الذاتية دون مراعاة للعواقب الدينية والأخلاقية. وقد يندرج في هذه الفئة التحالفات التي تتم مع أعداء الأمة الإسلامية أو مع من يتآمرون على مصالح المسلمين وأمنهم.
أمثلة تاريخية على التحالفات المنحرفة
لنستعرض بعض الأمثلة التاريخية على التحالفات التي يمكن تصنيفها كتحالفات منحرفة، والتي أثرت سلباً على الأمة الإسلامية:
تحالف شريف الحسين مع الإنجليز ضد الدولة العثمانية:
في بداية القرن العشرين، تعاونت بعض القوى المحلية مع البريطانيين ضد الدولة العثمانية، وهو ما أدى إلى تفكك الخلافة العثمانية وسقوطها. هذا التحالف شجّع السيطرة الاستعمارية البريطانية، وأدى إلى تقسيم العالم الإسلامي وخلق كيانات سياسية جديدة غير قادرة على توحيد الأمة.
تحالف السلطان المتوكل مع البرتغال:
معركة وادي المخازن، المعروفة أيضاً بمعركة الملوك الثلاثة، هي واحدة من أهم المعارك التي خاضتها الدولة السعدية ضد البرتغال سنة 1578م. بدأت المعركة كصراع على السلطة بين محمد المتوكل والسلطان أبو مروان عبد الملك، لكنه سرعان ما تطور إلى حرب شاملة مع البرتغال بقيادة الملك سبستيان، الذي كان يخطط لشن حملة صليبية للسيطرة على سواحل المغرب بهدف منع الدولة المغربية من استعادة نفوذها وتأثيرها على الأندلس.
لعبت “الخلافة العثمانية” دوراً مهماً في هذا الانتصار التاريخي، حيث قدمت دعماً عسكرياً ولوجستياً للدولة السعدية، مما أسهم بشكل كبير في تحقيق هذا النصر. غير أن دور الخلافة العثمانية في هذا السياق غالباً ما يتم تجاهله أو إهماله في المناهج التعليمية، مما يطرح تساؤلات حول أسباب تغييب هذا الدور التاريخي المهم، خاصة أن معركة وادي المخازن غيّر موازين القوى في المنطقة. حيث أسفرت المعركة عن هزيمة ساحقة للبرتغاليين، حيث فقدت البرتغال ملكها وجيشها وأعداداً كبيرة من رجال الدولة، مما أدى إلى تراجع نفوذها وسيادتها. واضطرت الإمبراطورية البرتغالية للخضوع لحكم إسبانيا لمدة 93 عاماً، قبل أن تستعيد استقلالها.
يشكل هذا الانتصار محطة فارقة في التاريخ المغربي، ويبرز التعاون بين الدولة السعدية والخلافة العثمانية في الدفاع عن الأراضي الإسلامية، وهو ما يستحق تسليط الضوء عليه في المناهج الدراسية لفهم مدى أهمية هذا التحالف في مواجهة القوى الاستعمارية الأوروبية.
فما يُتداول حول علاقة المغرب بالعثمانيين يتم التركيز غالبًا على معركة وادي اللبن[2]، التي حقق فيها المغاربة انتصارًا على العثمانيين. هذا السرد الانتقائي يبرز جانبًا معينًا من العلاقة، متجاهلًا السياق التاريخي الأوسع الذي يوضح طبيعة التفاعلات بين الطرفين. فالتعامل مع هذه المعركة كدليل قاطع على العداء بين المغرب والدولة العثمانية يُظهر توجهًا انتقائيًا لا يعكس تعقيد العلاقات الحقيقية.
لا يمكن إنكار أن معركة وادي اللبن كانت لحظة فارقة في تاريخ العلاقات بين الطرفين، حيث أظهرت استقلالية القرار المغربي وقدرته على الدفاع عن حدوده ومصالحه. لكن التركيز المبالغ فيه على هذه الواقعة قد يؤدي إلى تشويه الصورة الشاملة، التي تتطلب فهمًا أعمق للسياق السياسي والجغرافي والديني الذي حكم تلك المرحلة.
إن تقزيم العلاقة بين المغرب والدولة العثمانية إلى مجرد صراع يُعد اختزالًا غير منصف للتاريخ، ويخدم أحيانًا أجندات تهدف إلى تكريس صور نمطية عن العثمانيين كأعداء دائمين. التاريخ أعمق من أن يُختزل في معركة واحدة، ويستحق دراسة دقيقة تسلط الضوء على الجوانب المتعددة للتفاعلات التي جمعت بين الطرفين على مدى قرون.
تحالف ملوك الطوائف مع المسيحيين:
في الفترة التي تلت سقوط الخلافة الإسلامية في الأندلس، تحالف بعض ملوك الطوائف المسلمين مع القوى المسيحية في شمال إسبانيا ضد بعضهم البعض، سعياً لحماية مصالحهم الضيقة أو للتغلب على خصومهم الداخليين. وقد أدى ذلك إلى سقوط الأندلس بيد المسيحيين، وتسبب في إضعاف الإسلام في المنطقة.
تحالف دولي ضد العراق:
في العقود الأخيرة، شُكلت تحالفات دولية عديدة ضد بعض الدول الإسلامية، وكان العراق واحداً منها. هذا التحالف أدى إلى دمار واسع، وفوضى سياسية، واحتلال البلاد، وتفكيك مؤسساتها، وتسبب في مقتل آلاف المدنيين، وإثارة نزاعات طائفية شديدة. وإضعاف أهل السُنة في البلاد.
التطبيع كنوع من أنواع التحالف:
التطبيع مع الكيان الصهيوني هو شكل من أشكال التحالف المنحرف الذي أثار جدلاً واسعاً بين المسلمين، حيث نعتبره تنازلاً عن حقوق الفلسطينيين وإضفاء شرعية على كيان احتلالي تسبب في طرد وقتل الفلسطينيين. ونرى بأن هذا التحالف يتعارض مع مبادئ العدالة والدفاع عن حقوق المسلمين المضطهدين.
تحالف المغرب ومصر والأردن والسعودية والإمارات:
تتحدث بعض المصادر عن مواقف متشددة من بعض الدول تجاه حركة المقاومة في غزة، واتهامها بزعزعة الاستقرار في المنطقة. يرى البعض أن هذا التحالف الداخلي يضعف من قوة المقاومة الفلسطينية ويعتبر انحيازاً للمصالح الذاتية دون مراعاة لدعم القضية الفلسطينية، مما قد يُعد من التحالفات الضارة بمصالح الأمة.
منطلقات التحالف
إن الإسلام يرسم إطارًا واضحًا للمبادئ والقيم التي يجب أن تحكم تعاملات المسلم، بما في ذلك التحالفات، مع التأكيد على أن الولاء لله وللمؤمنين هو الأساس. لذلك، من المهم التمييز بين التحالفات التي تُبنى على العقيدة، وتلك التي تكون لأغراض سياسية أو مصلحية. وعندما يتعارض التحالف السياسي مع مبادئ العقيدة، يجب التعامل بحذر لضمان الحفاظ على القيم الدينية، دون إهمال المصالح المشروعة.
مسلمة قرآنية: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (9)[3]﴾،
التحالفات المبنية على العقيدة هي التي تقوم على الالتزام بأصول الدين وقيمه، وتهدف إلى تحقيق الخير للأمة وتقوية الإيمان، ورفع الضرر عن المسلمين. وفي هذا السياق، فإن التحالف المبني على العقيدة له عدة خصائص، منها:
1. الولاء لله وللمؤمنين:
يجب أن يكون التحالف قائماً على الولاء للإسلام والمسلمين، فلا يمكن التحالف مع جهة تعادي العقيدة الإسلامية أو تستهين بحقوق المسلمين. يُلزم هذا النوع من التحالفات المسلمين بالتزام تعاليم الشريعة وتحقيق الأهداف التي تُعلي من شأن الإسلام وتعزز وحدته.
2. الالتزام بالقيم الإسلامية:
من الضروري أن يعكس التحالف القيم والمبادئ الإسلامية مثل العدل، الإحسان، والتضامن، ويجب أن يُساهم في إعلاء شأن الأمة وحماية الدين. هذه التحالفات تتجلى في التضامن بين المسلمين عند الحاجة، مثل التحالفات التي تَنْبَني على دعم قضايا إسلامية مشتركة كالدفاع عن حقوق المسلمين المضطهدين.
3. التحالف للدفاع عن الدين:
يُعد التحالف للدفاع عن الإسلام وعن حقوق المسلمين مشروعاً، ويعتبر من أنواع التحالفات التي تتسق مع العقيدة، حيث يُشرّع الإسلام التحالفات التي تحمي الأمة من الأعداء أو تدفع الضرر عن المسلمين. قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا)، إذ تجسد هذه الآية معنى الوحدة للدفاع عن الدين والالتزام بالقيم المشتركة.
التحالف: إقامة العدل
قال الرسول ﷺ: “لا حِلْفَ في الإسلامِ، وكلُّ حِلْفٍ كان في الجاهليَّةِ فلم يَزِدْهُ الإسلامُ إلَّا شدَّةً. وما يسُرُّني أنَّ لي حُمْرَ النَّعَمِ، وأني نقضْتُ الحِلْفَ الَّذي كان في دارِ النَّدوةِ”[4]. جاء في الدرر السنة تفسيرا لهذا الحديث: “أقَرَّ الإسلامُ كُلَّ خَيرٍ يَتوافَقُ مع مَبادِئه، وهدَمَ كُلَّ ما يُخالِفُ ذلك مِن أُمورِ الجاهِليَّةِ. في هذا الحديثِ يقولُ النبيُّ ﷺ: “لا حِلْفَ في الإسلامِ”، والحِلْفُ هو عَقْدُ النُّصرَةِ والتَّعاوُنِ بيْن فَردَينِ، أو قَبيلتَينِ، أو جَماعتَينِ؛ والمُرادُ بالحِلْفِ المنفيِّ هنا حِلفُ التوارُثِ، والحِلْفُ على ما منَعَ الشَّرعُ مِنه، وقيل: إنَّما نُفِيَ الحِلْفُ في الإسلامِ؛ لأنَّ الإسلامَ يُوجِبُ على المسلمِ لِأخيهِ المسلمِ مِنَ التَّعاونِ والأُخوَّةِ والتناصُرِ ما هو فوقَ المطلوبِ مِنَ الـحِلفِ؛ فلا معنى لِعقْدِ الحِلفِ بيْن المسلمينَ، “وكلُّ حِلفٍ كان في الجاهليَّةِ فلمْ يَزِدْهُ الإسلامُ إلَّا شِدَّةً”، وكانَ أهلُ الجاهليَّةِ يَتعاهَدونَ على التوارُثِ والتناصُرِ في الحروبِ وأداءِ الضَّماناتِ الواجبةِ عليهم، وغيرِ ذلك؛ فَنَهى النَّبِيُّ ﷺ عَن إِحداثِه في الإسلامِ، وأقَرَّ ما كان في الجاهليَّةِ؛ وَفاءً بالعُهودِ، وحِفظًا للحُقوقِ والذِّممِ، أو المقصودُ بهذا النَّهيِ ما كان في الجاهليَّةِ مِنَ التحالُفِ على النُّصرةِ في الـخَيرِ والشَّرِّ، وأمَّا الإسلامُ فقد ثَبَّت ما يكونُ في الـخيرِ. “وما يَسُرُّني أنَّ لي حُمْرَ النَّعَمِ” وهي إبلٌ حمْراءُ، وكانتْ مِنْ أفضلِ أنواعِ المالِ عندَ العربِ، والمرادُ أنَّه ﷺ لا يَنكُثُ عهْدًا وحِلْفًا ولو كان في مُقابلِ ذلك أنفَسُ الأموالِ، “وأنِّي نَقَضْتُ الحِلْفَ الذي كان في دارِ النَّدوةِ” وهو حِلْفُ المُطيِّبِين، وكان قبلَ الإسلامِ، وقد حضرَهُ النبيُّ ﷺ وهو صغيرٌ مع أعمامِهِ؛ حيثُ تحالفَتْ قريشٌ -ومنهم بَنو هَاشمٍ، وبنو زُهرةَ، وَبنو تَمِيمٍ، ورؤساءُ الناسِ- على نُصرةِ المظلومِ، وكفِّ الظالمِ، ووَضَعوا أيديَهُم في قَصْعَةٍ ممْلوءةٍ بالطِّيبِ والعِطْرِ، ولذلك سُمِّيَ حِلْفَ المطيِّبينَ، فهذا إذا وقَعَ في الإسلامِ كان تأْكيدًا لموجِبِ الإسلامِ، وتقْويةً له، وأمَّا الحِلْفُ الذي أبطَلَه فهو تحالُفُ القبائلِ بأنْ يقومَ بعضُها مع بعضٍ وينصُرَهُ، ويُحارِبَ مَن حارَبَهم، ويُسالِـمَ مَن سالَمَهم”.
ولقد ذكر موقع سؤال وجواب[5]: أن ” مكة شهدت في الجاهلية تحالفين بارزين تركا بصمة في تاريخها الاجتماعي والسياسي، وهما حلف المطيبين وحلف الفضول. ورغم اختلاف أهداف كل منهما، فإن القبائل المشاركة كانت مشتركة في كليهما، مما خلق نوعًا من الترابط التاريخي بين الحلفين.
حلف المطيبين:
نشأ حلف المطيبين في فترة مبكرة من تاريخ مكة بعد وفاة قصي بن كلاب، في سياق نزاع داخلي بين قبائل قريش حول المناصب القيادية، مثل السقاية، الحجابة، الرفادة، اللواء، والندوة. لتحسم هذه الخلافات، تحالفت بعض القبائل مع بني عبد مناف، وهم: هاشم، المطلب، عبد شمس، ونوفل، بالإضافة إلى قبائل أخرى كزهرة، أسد بن عبد العزى، تيم، والحارث بن فهر. كان الهدف الأساسي للحلف قبليًا بحتًا، حيث ركز على تحقيق التوازن في السلطة بين الأطراف المتنازعة دون أبعاد أخلاقية أو إنسانية شاملة.
حلف الفضول:
بعد سنوات من حلف المطيبين، وقبل البعثة النبوية بعشرين عامًا، نشأ حلف الفضول في شهر ذي القعدة، بعد حرب الفجار بأربعة أشهر. كان هذا الحلف مختلفًا في طبيعته وأهدافه، حيث ركز على تحقيق العدالة الاجتماعية ونصرة المظلوم. اجتمع قادة قريش في دار عبد الله بن جدعان واتفقوا على رد الحقوق إلى أصحابها ومنع الظلم، بغض النظر عن مكانة أو قبيلة المظلوم. لقد كان النبي محمد ﷺ شاهدًا على هذا الحلف وشارك فيه وهو شاب، وقد أثنى عليه لاحقًا في الإسلام، قائلًا: “لقد شهدتُ في دار عبد الله بن جدعان حلفًا ما أُحب أن لي به حُمر النعم، ولو دُعيتُ به في الإسلام لأجبتُ”. يعكس هذا التصريح عظمة هذا الحلف وسموه الأخلاقي، لكونه قائمًا على قيم تتماشى مع مبادئ الإسلام في نصرة الحق والعدالة.
رغم اختلاف الأهداف بين الحلفين، فإن القبائل المشاركة كانت نفسها تقريبًا، ما جعل النبي ﷺ يطلق على حلف الفضول اسم “حلف المطيبين”، نسبة إلى القبائل التي سبق أن شاركت في حلف المطيبين. إلا أن حلف الفضول كان أكثر نبلاً وشمولية، حيث تخطى المصالح القبلية إلى تحقيق أهداف إنسانية سامية تتعلق برفع الظلم ونشر العدالة. إن الحلف الذي شهده النبي ﷺ هو حلف الفضول، الذي مثّل قمة القيم الإنسانية في الجاهلية، وكان بمثابة نموذج للعدالة الاجتماعية التي يحتفي بها الإسلام. ورغم أن النبي ﷺ نسب هذا الحلف إلى “حلف المطيبين”، إلا أن الفرق بينهما واضح. حلف المطيبين كان حلفًا قبليًا لتحقيق التوازن في السلطة، بينما كان حلف الفضول أرقى وأشمل، حيث ركز على نصرة المظلوم وإحقاق الحق، مما جعله نموذجًا يُشاد به حتى في الإسلام.
الأصل في الإسلام، كما جاء في الحديث النبوي الشريف، أنه لا حاجة إلى تحالفات بين المسلمين، لأن رابطة الإيمان والإسلام تجعلهم إخوة تجمعهم وحدة العقيدة والهدف. ومع ذلك، أدت التغيرات الجيوسياسية المعاصرة إلى تقسيم التحالفات إلى أربعة أنواع رئيسية، مع التأكيد على أن أساس أي تحالف يجب أن يكون تحقيق العدل. وتشمل هذه الأنواع:
- التحالف مع أهل السنة: لتعزيز وحدة الصف والدفاع عن القضايا المشتركة للأم،
- التحالف مع المسلمين من طوائف أخرى: لتحقيق المصالح المشتركة وتوحيد الجهود في مواجهة التحديات،
- التحالف مع أهل الكتاب: على أسس العدالة والمصلحة المشتركة، وخاصة في القضايا الإنسانية والحقوقية،
- التحالف مع الملحدين: لتحقيق أهداف محددة مثل رفع الظلم أو منع الاعتداء، مع الحفاظ على المبادئ الإسلامية،
من المسلّم به أنه لا يجوز عقد أي تحالف مع أي من الأقسام الثلاثة الأخرى ضد أهل السنة. فهذا يتعارض مع أصل ثابت في الإسلام، المستمد من القرآن الكريم، والذي يؤكد أن الخلافات بين المسلمين يجب أن تُحل داخل الإطار الإسلامي فقط. يقول الله تعالى: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. تُبيّن هذه الآية أهمية الإصلاح الداخلي بين المسلمين، وضرورة العمل على إنهاء النزاعات بطرق عادلة ومنصفة، بما يحقق الوحدة ويمنع التفرقة التي قد تُضعف الأمة الإسلامية.
ويظل العدل الأساس الراسخ والمبدأ الجامع الذي يضبط هذه التحالفات، بما يتوافق مع قيم الإسلام السامية ومقاصده النبيلة.
التكامل المعرفي
من التخصص إلى الثقافة
إن الائتمار بأوامر الله عز وجل، كما جاء في قوله تعالى: ﴿ربنا سمعنا وأطعنا﴾، والعمل بسنة رسوله الكريم ﷺ، يتطلب منا بناء مجتمع إسلامي قائم على العلم والمعرفة. وهذا البناء لا يُمكن تحقيقه إلا من خلال تقليص نسبة الأمية إلى الصفر، بحيث لا يبقى مجال إلا للحديث عن المثقف والمتخصص، دون الحاجة للحديث عن الأمية أو الجهل.
إن الوضع الحالي في كثير من الدول الإسلامية يُظهر أن عدد الأميين لا يزال يفوق عدد المثقفين، باستثناء حالات قليلة مثل فلسطين التي سجلت معدلات أمية تقترب من الصفر، مما يجعلها نموذجاً يُحتذى به. ولكن، في مجتمعاتنا الإسلامية الأخرى، يبقى هذا التحدي قائماً، مما يعوق التقدم في مجالات المعرفة واتخاذ القرارات المبنية على أسس علمية وإدراك واسع.
لا تتجلى الأمية في عدم القدرة على القراءة والكتابة فقط، بل تشمل أيضاً غياب الوعي الثقافي والفكري الذي يُمكن الأفراد من فهم التحديات الكبرى واتخاذ مواقف واعية تجاه قضاياهم. ومع استمرار هذه الفجوة، يصبح التحدي الأكبر هو بناء جيل جديد من المثقفين والمتخصصين الذين يحملون رؤية متكاملة تُسهم في نهضة الأمة.
الفرق بين المثقف والمتخصص
من المهم التمييز بين المثقف والمتخصص، حيث أن لكل منهما دوراً مختلفاً، لكنهما يكملان بعضهما في بناء المجتمع:
1. المتخصص:
– المتخصص هو الشخص الذي يمتلك خبرة عميقة ومعرفة دقيقة في مجال معين، سواء كان في الطب، الهندسة، الاقتصاد، أو العلوم الشرعية. ويقدم المتخصص حلولاً عملية وتطبيقية تستند إلى خبرته العلمية، لكنه قد يفتقر أحياناً إلى الرؤية الشاملة التي يتمتع بها المثقف.
2. المثقف:
– المثقف هو الشخص الذي يمتلك وعياً واسعاً في مختلف المجالات، بما فيها العلوم الإنسانية والاجتماعية والثقافية. يمتاز المثقف بقدرته على رؤية الصورة الكبرى، وربط بين العلوم المختلفة لفهم القضايا الاجتماعية والسياسية والدينية بشكل عميق. ويتمثل دوره في بناء الوعي الجمعي، وتوجيه المجتمع نحو اتخاذ مواقف صحيحة مبنية على فهم شامل للمصلحة العامة.
3. التكامل بين المثقف والمتخصص:
من الضروري أن يكون هناك تكامل بين المثقف والمتخصص لضمان اتخاذ قرارات صائبة تخدم الأمة. فلا يمكن للمتخصص أن يعمل بمعزل عن الوعي الثقافي والفكري، كما لا يمكن للمثقف أن يُحدث تغييراً عملياً دون الاعتماد على الخبرة العلمية الدقيقة للمتخصص.
أهمية النسق التكاملي:
1. المثقف المتخصص:
من المهم أن يسعى المتخصص إلى أن يكون مثقفاً أيضاً، بحيث يمتلك القدرة على فهم العلوم الإنسانية والاجتماعية، لأنها تلعب دوراً مباشراً في توجيه القرارات والمواقف. فالمتخصص الذي يفتقر للوعي الثقافي يصبح أداة تقنية فقط، ولا يمكنه أن يساهم بفعالية في القضايا المجتمعية الكبرى.
لم يعد من الكافي أن يكون المتخصص خبيراً في مجاله التقني فقط، بل أصبح من الضروري أن يمتلك إلماماً كافياً بعلوم الإنسان، مثل التاريخ، وعلم النفس، والدين، وعلم الاجتماع. فالتخصص العلمي وحده لا يمكن أن يمنح صاحبه القدرة على المساهمة في اتخاذ قرارات شاملة وواعية تخدم الأمة، ما لم يُدمج مع تخصصه ثقافة إنسانية تعطيه نظرة أوسع وفهماً أشمل للقضايا الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.
فالمتخصص المثقف هو النموذج المطلوب اليوم. إن تكامل المعرفة بين العلوم التقنية والإنسانية هو الذي يمكن المتخصص من تجاوز الأطر الضيقة لتخصصه، ويمنحه القدرة على المساهمة في القضايا المجتمعية الكبرى برؤية متزنة وشاملة.
فعلى المتخصص أن يسعى إلى اكتساب ثقافة واسعة في العلوم الإنسانية والاجتماعية، لأنها تمثل الأرضية الفكرية التي تستند إليها القرارات الرشيدة. فالمتخصص الذي يفتقر لهذا النوع من الثقافة قد يتحول إلى مجرد أداة تقنية، يفتقد للرؤية الكاملة التي تربط بين تخصصه وبين القضايا الإنسانية والإسلامية.
مثال: طبيب خبير في تخصصه قد يواجه صعوبة في اتخاذ قرارات صحية أو اجتماعية تتعلق بالسياسات العامة إذا كان يفتقر لفهم تاريخ النظام الصحي، أو للعوامل النفسية والاجتماعية التي تؤثر على سلوكيات الأفراد.
إن العلوم الإنسانية تساعد المتخصص على فهم أعمق للواقع المحيط به. فهي تتيح له القدرة على استيعاب العوامل النفسية والاجتماعية والسياسية التي تؤثر في بيئة عمله، وبالتالي يصبح أكثر قدرة على تقديم حلول متكاملة. فالمهندس متخصص مثلا، في تخطيط المدن، إذا لم يكن لديه ثقافة تاريخية واجتماعية كافية، قد يخطط لمشاريع لا تأخذ بعين الاعتبار احتياجات السكان الثقافية أو النفسية، مما يؤدي إلى مشكلات طويلة الأمد.
أعتقد أنه من الخطأ أن نُنشأ في مجتمعاتنا طبقتين منفصلتين من المثقفين والمتخصصين، بل يجب بناء نموذج “المتخصص المثقف”، الذي يجمع بين التخصص العلمي الدقيق والثقافة الإنسانية الواسعة. هذا النموذج يمكنه من:
- فهم الصورة الشاملة للواقع،
- اتخاذ قرارات استراتيجية تخدم المصلحة العامة،
- تحقيق رؤية متوازنة تربط بين الجوانب التقنية والإنسانية،
- وحتى لا يصبح بيدق رقعة الشطرنج،
نموذج عملي للتكامل
في تاريخ الحضارة الإسلامية، نجد أمثلة واضحة على هذا التكامل. العلماء المسلمون الكبار مثل ابن سينا وابن رشد والرازي وابن الهيثم والزهراوي كانوا يجمعون بين التخصص العميق في الطب والفلسفة، وبين الثقافة الواسعة في العلوم الإنسانية وفقه عالي المستوى في الدين. هذا المزيج مكّنهم من تقديم رؤى متكاملة أثرت في تقدم البشرية لعقود طويلة.
في عصرنا الحالي، أصبح من الضروري أن يكون للمتخصص والخبير إلمام بثقافات وعلوم تتجاوز نطاق تخصصهم، لتكوين رؤية شاملة تمكنهم من اتخاذ قرارات مستنيرة وصحيحة. ومن بين العلوم التي أرى ضرورة تثقيف المتخصصين فيها، تبرز ثلاث مجالات رئيسية:
- الدين،
- علم النفس،
- التاريخ،
1. الدين
إن الله عز وجل لا يُعبد عن جهل، ولذلك فإن على المتخصص أن يكون لديه دراية واسعة بالدين، ليس بالضرورة أن تصل إلى مستوى التخصص أو الخبرة، ولكن يجب أن يمتلك الأدوات التي تمكنه من فهم دينه بشكل صحيح. وهذا الفهم الديني يحقق هدفين أساسيين:
– الأول: ألا يكون المتخصص لعبة في يد من يستغلون الدين لتحقيق أهداف منحرفة. من خلال امتلاك أساس معرفي بالدين، يمكن للمتخصص أن يميز بين الفتاوى الصحيحة والمصادر الموثوقة، وبين تلك التي تفتقر إلى المصداقية أو تخدم أغراضاً ضيقة.
– الثاني: أن يؤدي عبادته بشكل صحيح وخالٍ من الأخطاء، وأن يكون على دراية بالفروق بين المذاهب الإسلامية المختلفة. هذا يساعده على معرفة أن عبادته قد تكون مقبولة وجائزة وفق مذهبه، حتى لو خالفت المذهب الذي يلتزم به الطرف الآخر.
من هنا، أميز بين نوعين من الممارسات الدينية:
– الخطأ في العبادة: وهو ما يجب تصحيحه لأن الدين لا يُبنى على الجهل،
– الاختلاف المذهبي في العبادة: وهو ما يكون جائزاً في مذهب آخر، ويجب التعامل معه بوعي ودون إقصاء.
لكن في ظل انتشار الأمية، من الأفضل أن تتوحد العبادات وفق مذهب الدولة الذي يتبناه المجتمع، لتجنب الفتن والانقسامات. هذا التوحد لا يعني إقصاء الآخر أو إخراجه من الدين بسبب اختلاف مذهبي، بل يهدف إلى تحقيق مقصد الشريعة الأعظم وهو توحيد قلوب المسلمين.
إن التوحيد في العبادة يساهم بشكل كبير في تعزيز الوحدة الإسلامية، إذ يُجنب الأمة الوقوع في صراعات. ومع ذلك، تتفاوت التحديات التي تواجه الأمة بين مشكلات متوسطة تتعلق بالتطبيق والممارسات، ومشكلات عميقة ترتبط بالعقيدة، مما يتطلب معالجة متوازنة وشاملة لتحقيق الانسجام بين المسلمين.
2. علم النفس
علم النفس يُعد علماً أساسياً لفهم الذات وإيجاد الحلول وتجاوز المشكلات الحياتية. تظهر أهميته في عدة جوانب، أبرزها:
– التربية السليمة: يساعد علم النفس في معرفة أفضل الطرق لتربية الأبناء بطريقة صحيحة تتجنب الأخطاء التربوية التي قد تؤدي إلى نتائج كارثية. فالوعي بالتربية النفسية السليمة يحمي الأجيال القادمة من الوقوع في المشكلات النفسية والاجتماعية.
– التواصل الفعّال: يُمكن لعلم النفس أن يعزز العلاقات الاجتماعية من خلال تحسين أساليب التواصل مع الآخرين. هذا الجانب مهم بشكل خاص في العلاقات الزوجية، حيث يساعد على تقوية الروابط العاطفية بين الزوجين. فالخلل في هذه الروابط قد يؤدي إلى تفكك الأسرة بالكامل، بينما يساعد الفهم النفسي في بناء أسرة متماسكة ومستقرة.
إضافةً إلى ذلك، فإن علم النفس يوفر الأدوات اللازمة لتجاوز الأزمات الشخصية والاجتماعية، ويُرسخ الإيمان بإمكانية تحسين الظروف وتحقيق التغيير الإيجابي.
3. علم التاريخ
التاريخ وكما نعالجه في هذا الكتاب لا يهدف إلى السرد القصصي للأحداث، بل هو مصدر معرفي أساسي لاتخاذ القرارات الصائبة في الحاضر، وتوجيه المستقبل. من لا يعرف تاريخه يظل أشبه بمن يُحرك كبيادق رقعة الشطرنج، دون رؤية واضحة لما يحدث حوله.
– التخطيط للمستقبل: جهل التاريخ يعني فقدان القدرة على استقراء المستقبل والتخطيط له بشكل صحيح. فالتاريخ يزودنا بخبرات ودروس تساعدنا على توقع النتائج بناءً على ما حدث في الماضي.
– تحديد المواقف الاجتماعية والسياسية: معرفة التاريخ تمنح المتخصص القدرة على فهم السياقات السياسية والاجتماعية، وتجنب الوقوع في الفخاخ التي يمكن أن تُعيد تكرار الأخطاء السابقة. التاريخ ليس فقط للماضي، بل هو خارطة طريق للمستقبل.
فالقادة الذين يجهلون تاريخ الأمم والشعوب غالباً ما يتخذون قرارات سياسية خاطئة تؤدي إلى أزمات كبرى، في حين أن أولئك الذين يفهمون التاريخ بعمق يمكنهم بناء استراتيجيات تحقق مصالحهم ومصالح شعوبهم.
والحاصل
إن “التثقيف والتخصيص” ليسا طرفين منفصلين، بل هما عنصران متكاملان في بناء النسق الحضاري للأمة، وتكاملهما يمثل مفتاحاً لتجاوز تحديات الحاضر وبناء مستقبل قائم على العلم والوعي. هذا التكامل بين الخبرة العلمية والوعي الثقافي هو الذي يمكّن الأمة من إدارة القضايا الكبرى بروح متوازنة، تتحقق فيها مصلحة الأمة بما ينسجم مع مقاصد الشريعة الإسلامية.
في سياق هذا كتاب، تبرز أهمية هذا التكامل في التعامل مع التحديات الفكرية والمذهبية، وبخاصة العلاقة مع الشيعة. إن اتخاذ المواقف الصحيحة والفعالة يتطلب رؤية متعددة الأبعاد، تجمع بين المعرفة الدقيقة بالتخصصات العلمية والإلمام بالعلوم الإنسانية مثل الدين، وعلم النفس، والتاريخ. هذه العلوم هي أدوات أساسية لفهم الواقع المحيط وتحليل أبعاده المختلفة بعيداً عن التحيز أو الانتقائية.
فمن خلال فهم عميق لفقه المصلحة، يصبح “المتخصص المثقف” قادراً على اتخاذ مواقف متزنة وواعية، تراعي المصالح المشتركة دون الإخلال بالثوابت. فالتعامل مع المذاهب المختلفة، ومنها الشيعة، يحتاج إلى مقاربة تجمع بين الوعي التاريخي بالأحداث التي شكلت هذه العلاقة، والرؤية النفسية والاجتماعية التي تفهم دوافع الأطراف المختلفة، بما يتيح بناء استراتيجيات للتعاون عندما تتطلب المصلحة ذلك، أو إدارة الخلاف بشكل يحفظ وحدة الأمة.
إن المتخصص الذي يمتلك معرفة كافية بالدين، وعلم النفس، والتاريخ يصبح أقل عرضة للوقوع في فخ التحيز أو التلاعب بالسرديات الانتقائية التي قد تقوده إلى مواقف ضارة بالأمة. هذا المتخصص المثقف قادر على:
– فهم التنوع المذهبي من زاوية علمية ودينية متوازنة،
– واتخاذ قرارات استراتيجية قائمة على مصلحة الأمة بدلاً من الاستجابة للمشاعر الآنية أو الضغوط الخارجية،
– وتجاوز الخلافات المذهبية إلى مساحات من التعاون المشترك، عندما تدعو الحاجة لذلك، دون التفريط بالثوابت.
إن تحقيق التكامل بين التخصص العلمي والثقافة الإنسانية هو السبيل لبناء مجتمع واعٍ وقادر على إدارة قضاياه بفعالية. نعتقد بأن هذا النهج هو ضرورة لتحقيق النهضة الشاملة.
في سياق العلاقة مع الشيعة، يبرز فقه المصلحة كإطار عملي وضروري لاتخاذ مواقف تخدم وحدة الأمة وتراعي مصالحها دون الوقوع في التنازلات غير المبررة أو التعصب المذموم.
“المتخصص المثقف” هو النموذج الذي نسعى إليه، لأنه القادر على الجمع بين العمق العلمي والرؤية الإنسانية، ليصبح أداة فعالة لصنع القرارات الرشيدة التي تحفظ كيان الأمة وتدفعها نحو مستقبل مشرق ينسجم مع مقاصد الشريعة الإسلامية.
قاعدة: “المتخصص المثقف، هو الإنسان القادر على اتخاذ القرارات الصائبة”.
أنواع وأقسام التحالفات
بين المصالح المشتركة والمخاطر الخفية
[1] قطب محمد. (1993). الإنسان بين المادية والإسلام، دار الشروق.
[2] وقعت معركة وادي اللبن في مارس وأبريل سنة 1558 م (حوالي 965 هجرية) بمنطقة تيسة (إقليم تاونات -حاليا) شمال مدينة فاس بين سلالة السعديين بقيادة عبد الله الغالب والقوات العثمانية تحت قيادة حسن باشا، ابن خير الدين بربروسا. عندما تولى عبد الله الغالب (رابع سلطان سعدي) حكم البلاد بعد مقتل والده السلطان محمد الشيخ وتعليق رأسه على أسوار إسطنبول سنة 1557م.
[3] سورة الحجرات.
[4] الراوي: عبد الله بن عباس | المحدث: ابن جرير الطبري | المصدر: تفسير الطبري. الصفحة أو الرقم: 4/1/77 | خلاصة حكم المحدث: صحيح.
[5] https://islamqa.info/ar/answers
“من أراد التوسع فليُطالع الكتاب.”

اترك تعليقاً