مدخل إلى علم النفس الفطري


  هذا الكتاب ليس شرحا نظريا جديدا لعلم النفس، ولا تكرارا لمقولات مستوردة، بل هو محاولة تأسيس لمسار علمي علاجي ينطلق من سؤال جوهري طال إهماله:

  • من هو الإنسان؟
  • وعلى أي أصل بُني؟
  • وكيف يختل حين يبتعد عن فطرته؟
مدخل إلى علم النفس الفطري

.مقدمة عامة

إن بلورة تصور حول علم النفس الفطري أتى عبر مراحل منها ما هو مرتبط بتجارب شخصية ومنها ما هو مرتبط بدراسات في الحضارة الإسلامية. هذه العناصر كَونت عندي قناعة قوية جدا دفعتني لغوص في غمار البحث. ففي ميدان علم النفس جانب سبقنا إليه علماء كبار أبدعوا فيه، ومنه جانب ذاتي مرتبط ببحثي في هذا الميدان منذ 25 سنة تقريبا. وإني لم أشأ أن أكتب أو أتدرب هذا العلم حتى تنضج عندي الفكرة من الجانب النظري أولا ثم أبرز تقنيات عملية تم تجريبها في الميدان الإكلينيكي، سبق أن مارستها منذ سنوات، فأبانت على فعاليتها العلاجية ثانيا.

وهكذا فمن خلال دراستي وعملي في ميدان العلاج النفسي استشفيت بقوة الفراغ العلاجي على مستويين:

  1. المستوى الروحي،
  2. المستوى الحضاري،

يتجلى المستوى الأول في الغياب شبه التام للجانب الروحي في علم النفسي الغربي عموما. وهذا على خلاف الرؤية الإسلامية للإنسان التي ترى أن هذا الأخير لا يمكن تسميته بالإنسان عند غياب الجانب الروحي.

إن الجوانب الأخرى التي تشكل الإنسان مثل: الجانب العقلي والعاطفي والسلوكي لا تميزه، وتميزه بالعقل غير كاف، ولكنه بالروح يصبح إنسانا. هذا هو الذي يجعله خلقا آخر خلقا متميزا حقا:” ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ”[1].

أما على المستوى الحضاري فإننا نلاحظ أن علم النفس الغربي بحكم نشأته فهو يدرس الإنسان الغربي بمرجعيته المادية، الداروينية، المسيحية، وكل هذا يؤثر على تصور الباحث للإنسان، وذلك يؤثر على “الفعل العلاجي”.

ولهذا أصبح من اللازم علينا أن نعتبر هذا المعيار الحضاري وأن نغوص في هذه الخصوصية.

وحين لامسنا تراثنا الحضاري كان انبهارنا كبيرا مما وجدناه في كتب علمائنا السلف والخلف من تصورات قيمة على الإنسان، ونظريات نفسية سبق بها هؤلاء النظريات “الجديدة” من مثل: ابن القيم الجوزية، والبلخي، وابن سينا ومسكويه وآخرين. بل إن هؤلاء لم يكتفوا بالتنظير بل اقترحوا منهاجا علاجيا متماسكا، ومنهم من مارس العلاج النفسي وحقق نجاحات باهرة.

إن التراث العلمي الإسلامي يزخر بدرر ونفائس لا حصر لها ولا حد لقيمتها في الميدان النفسي والاجتماعي والتربوي، إضافة لكونه الركن الركين والأصل الأصيل لهوية المسلمين، فهو يمثل مرجعيتهم الفكرية المتجددة والتي منها يستمدون تشريعاتهم وأخلاقهم ورؤيتهم للوجود برمته، ومن هنا توجب على الباحثين العناية بهذا التراث تحقيقا ودراسة للاستفادة منه والبناء عليه[2].

إن الواقع الإنساني جعل من اللازم تطوير شعبة جديدة في علم النفس تسمى بعلم النفس الإثني، تمشيا مع الخصوصية الثقافية للأفراد والجماعات. يقول د. الشاهدي الوزاني “شعبة الطب النفسي الإثني أو العرقي فرع من الطب النفسي يهتم أساسا بالعامل العرقي أو الثقافي والصورة التي يظهر بها المرض النفسي واختلافه من ثقافة لأخرى بل أبعد من ذلك فبعض الأعراض في مجتمع ما تكون مرضية واضحة الدلالة في حين تشكل سمة ثقافية مقبولة لدى ثقافة أخرى، هذا يدل على أن البعد الثقافي والعقدي والفلسفي يلعب دورا كبيرا في التشخيص قبل العلاج بالنسبة لبعض الظواهر النفسية والثقافية”[3].

هذا التنوع الإثني للأسف غير مستغل في الجامعات العربية والإسلامية، “فأكثر الأساتذة الطيبين–في علم النفس- لا يشعرون بالتناقض بين ما يدرسونه وما يعتقدونه بصفتهم مسلمين وكأن لكل منهم شخصيتان شعارهما “دع ما لعلم النفس لعلم النفس وما لله لله” فإذا وقف أحدهم محاضرا في مقرر “علم نفس الطفولة” تحدث إلى طلابه عن نظرية فرويد في التطور الجنسي وكأنها حقيقة علمية، بل إنه ربما ما ذكره فرويد عن تطور الشعور الديني من عبادة الطوطم وانبثاق فكرة “الله” في ذهن الطفل من خلال الصراع الأوديبي الجنسي الذي يعانيه مع أحد والديه المخالف له في الجنس. فإذا أكمل هذا الأستاذ أعماله الجامعية وذهب إلى داره تجده ساجدا، وتجده في المسجد أو مع شيخه، فتراه ذاكرا وكأنه مريدا زاهدا”[4].

نحاول من خلال مقاربتنا الفطرية رسم المسار الحقيقي الذي يجب أن يسير وفقه الإنسان.  ونحن نعتقد أنه من المستحيل تحقيق السعادة خارج نطاق الفطرة. والفطرة تحتاج إلى من يوجهها ويصححها حتى لا تختل. إلى هذا يذهب محمد قطب في قوله “بأن المساحة الحقيقية للضوابط الفطرية مع كونها فطرية تحتاج إلى معونة خارجية لتنميتها وتقويتها كالقدرة على المشي وعلى الكلام. وأنها ما لم تتلق هذه المعونة الخارجية بالتربية تنشأ ضعيفة مهزولة ممسوخة، لا تقوى على ضبط الدوافع الفطرية القوية العنيفة الملحة. وأنها عند تنميتها وتقويتها تقوم بدور حاسم في حياة البشرية. تقوم برفع مستوى الطاقة المحركة كلها من أساسها، …، وإن كانت تعجز أحيانا عن الضبط، فيقع الخطأ أو الخطيئة.. ثم يتوب الإنسان”.

 فتكون إحدى غاياتنا من هذه المقاربة هي التوصل للاغتراف من القرآن الكريم والسنة المطهرة كمصدرين أساسيين لفهم كل ما يتعلق بالإنسان من الناحية النفسية، لأنهما يحتويان فعلا على كل المبادئ والأسس لفهم هذا الأخير، كما يجب علينا أن نكتشف الفطرة من خلال التفاعل مع الحياة، وذلك انطلاقا من مختلف طموحات وانحرافات وإشراقات ومرجعية هذا الإنسان، وإننا نعتقد أنه لا يمكن أن نكتشف سر هذا الإنسان إلا إذا استوعبنا سر الفطرة.

فبحثنا يطمح إلى وضع تصور جديد انطلاقا من مفهوم الفطرة، يكون إضافة نوعية للعلوم الإنسانية وخاصة علم النفس والعلاج النفسي، حيث نعتقد بأن كل إنسان في هذا الكون يبحث في طول يومه وفي سرمدية وجوده عن السعادة. وهذه السعادة لا يمكن أن يجدها خارج الفطرة التي فطره الله عليها.

وهي “فطرة كل الناس”، ليست حكرا على المسلم، وهذا من العدالة الإلهية، ونحن في تصورنا الفطري لا نستطيع أن نفهم الآية الكريمة التي تقول “ورحمتي وسعت كل شيء”.. إلا في إمكانية تحقيق نوع ما من السعادة لكل البشر.. ولكن هذا التحقيق لا يكون إلا بتحقيق أدنى مستويات المنهج الرباني.

وعلى من يريد تحقيق هذه السعادة أن يتبع المنهج الفطري الذي وضعه الله عز وجل:

  1. على مستوى التوحيد.
  2. على مستوى العبادة.
  3. على مستوى العمل الصالح.

 ولا يمكن لأي فرد أن يحقق أدنى مستوى من السعادة إلا بتحقيق أحد هذه المستويات.

فبحثنا يدور في فلك هذه المستويات من باب:

  1. الفهم.
  2. التثبيت.
  3. الوقاية.
  4. التصحيح.
  5. التطوير.
  6. العلاج.
  7. “التخليد”.

إن الاستمداد من القرآن والسنة يحدد تصورنا للإنسان والنفس والمجتمع كما يوجه منهجنا العلاجي، فحين نغترف منهما فإننا نكون متواجدين وقريبين من “دليل الخلق” لفهم الإنسان، لأن الله عز وجل هو الخالق، حيث يقول في كتابه الحكيم: “أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ”، ولا يمكن لأي أنسان أن يفهم الإنسان ويفهم حقيقته أكثر من خالقه. ففهم الإنسان يتطلب منا الرجوع إلى “دليل الخلق”، الذي وضعه الله للإنسان. فكل صانع – ولله المثل الأعلى- يضع “دليل التشغيل” لأي آلة يصنعها، ومن يحاول أن يشغلها بدون دليل، فهو حتما سيكسرها أو على الأقل سيعطلها، وبنفس المنطق، هذا ما سيقع لكل من يتعامل مع الإنسان خارج “دليل الخلق”.

فحين نستعمل هذا الدليل، ونحسن استغلاله نكون قريبين من حقيقة الإنسان:

  1. قريبين من علم اليقين.
  2. قريبين من حق اليقين.
  3. قريبين من عين اليقين.

وبالطبع فإننا نخطئ كبشر في فهم واستنباط القواعد والمناهج العلاجية من هذا الدليل، وتطبيقها على مستوى الواقع. وهذا بالطبع مرتبط بالنقص الإنساني.

هنا المساحة التي تفصل بين النقص الإنساني في البحث والكمال الإلهي المطلق في العلم، هي المساحة التي تفصل بين النص –”دليل الخلق”- وفهم النص، تفسيرا وتأويلا.

يعتبر مسكويه أن طب النفوس مقدم على طب الأجساد، إذ يبرره بقوله: “إننا حين نمرض نفسيا فإننا لا نستطيع عبادة الله ولكننا حين نمرض جسديا فهذا لا يعيقنا عن عبادة الله”. فلاحظ التركيز الأول والأخير على عبادة الله. إنه علاج غائي: يهدف إلى عبادة الله.

إن الغائية قد تختلف من إنسان إلى آخر، ولكنها في الأصل تختلف باختلاف الحضارات والثقافات، ولهذا لا بد في هذا المقام أن نطرح سؤالا حول الغائية العلاجية لعلم النفس الغربي، والغائية العلاجية لعلم النفس الفطري، إن الاختلاف في التصور الغائي يلزم منه اختلاف في طريقة التعامل مع خصوصية كل حضارة.

وإن كنا نعتقد في المشترك الإنساني، فإننا أيضا نعتقد في الخصوصية النفسية المرتبطة بالخصوصية الثقافية. هذا المشترك الإنساني هو الذي يجعلنا نأخذ من العلوم الإنسانية الأخرى، ونضع أيضا بين أيدي غيرنا تصورا آخر قد يساعد على فهم بعض الجوانب النفسية التي يمكن أن تكون قد غابت على فهمهم بحكم الضغط الحضاري والثقافي.

فعملنا هذا يتواجد بين طرح بديل وتقديم إضافة، فهو بديل لبعض النظريات الفاسدة وإضافة لبعض النظريات المتماسكة علميا، وذلك لمن يريد أن يتفاعل مع الإنسان من منطلق نسقي شمولي يعترف بالجانب المادي والجانب الروحي بدون تقديس ولا تبخيس. لا تقديس للمادة وتبخيس للروح، ولا تقديس للروح وتبخيس للمادة.

وهذا ما تطرحه الحضارة الإسلامية ليس انغماسا في المادة ولا انغماسا في الروح بين حضارة الشرق وحضارة الغرب، نظرة اعتدال وتوازن لهذا الإنسان المتفرد في الكون.

مدخل

يعود أول حدث لاهتمامي بعلم النفس الإسلامي بفرنسا إذ كنت طالبا في السنة الثانية، وذلك منذ حوالي 25 سنة، حيث أتذكر أن أحد الطالبات في فرنسا، حين خرجنا من محاضرة لأستاذنا اسمه “مونطانيي”، سألتني، لماذا لا نسمع عن علم نفس عربي ولا عن أي اسم عربي، رغم أن حضارتكم كبيرة جدا. إن هذا السؤال خلق عندي صدمة بحيث إني لم أستطع الإجابة بطريقة صحيحة، فقد كانت إجابتي أكثر دفاعية منها علمية، وللأسف لم يكن أساتذتنا يدرسون لنا، شيئا اسمه علم النفس الإسلامي أو أن هناك علماء كبار في حضارتنا الشاسعة أبدعوا في علم النفس. لأن منهم من ليس له أية فكرة عن علم النفس في التراث الإسلامي، ناهيك عمن له موقف من شيء اسمه علم النفس الإسلامي، وهما أمران أحلاهما مر.

وفي هذه المرحلة كنت في السنة الثانية، فبقيت الفكرة حية في ذهني ولكن لم يكن لدي أي قدرة علمية ولا إمكانية لدخول غمار هذا الميدان.

وشاء الله عز وجل ثانيا في السنة الرابعة أن اقترحت مع زوجتي التي كانت تدرس معي وتعيش معي هذه الأحداث مشروع البحث للسنة الرابعة على أستاذنا ” دانييل كورتي” ليكون موضوعه “الإيقاع البيولوجي وأهميته في العلاج النفسي”، ولكن هذا الأستاذ الذي كان يهتم كثيرا بالثقافة الشرقية عموما والتصوف خصوصا، ما لبث أن اقترح علينا الاشتغال على “التصوف والعلاج النفسي” .. وهكذا بدأ أول اتصال لنا بعلم النفس في الحضارة الإسلامية.

حدث آخر في الميدان العلاجي، والذي في الحقيقة شكل لي رافعة قوية في الاهتمام بالعلاج النفسي ذي المرجعية الإسلامية. فحين كنت أشتغل في فرنسا في العلاج النفسي في مركز “تربوي نفسي”، شاء الله عز وجل أن كنت في جلسة علاجية مع إحدى مريضات المركز تسمى “ليلى” – 16 سنة – التي كانت تعاني من اكتئاب حاد ومن عدم الثقة بالنفس. فكانت تعيد تكرار التصور الفرنسي للشخصية العربية الذي ومازال مليئا بتصورات سلبية وأقوال من القدح في هذه الشخصية مما كان يسبب لها إحساسا بعدم الانتماء لا إلى الحضارة الغربية ولا إلى الحضارة الإسلامية، لأن تصورها تصور سلبي، جهلا منها بسمو هذه الحضارة.

وهكذا ففي إحدى الجلسات طلبت منها أن تكتب على ورقة أرقاما من 0 إلى 9، ثم طلبت منها أن تسمي هذه الأرقام، فأجابت إن هذه الأرقام تسمى بالأرقام العربية، فطلبت منها ثلاث مرات أن تعيد تسمية هذه الأرقام فأعادت تسميتها وهي غير مدركة أنها تستعمل كلمة “عربية” فقمت بربط شخصيتها العربية مع هذه الأرقام.. فقلت لها: “إن هذه أرقام عربية وأنت عربية والتقدم العلمي والحضاري الآن يستمد في كل  تخصصاته من هذه الحروف العربية فأنت تنتمي إلى هذه الأرقام وإلى هذه الحضارة”، فنظرت إلي .. ثم خرجت من المكتب.

بعد يومين اتصل بي الطبيب النفساني الذي يشتغل بنفس المركز … وقال لي ماذا وقع مع ليلي؟ … فأجبت لا شيء جديد …فقال لي لا هناك تغيير جذري في شخصية ليلى وهي الآن غير محتاجة للبقاء في المركز، يجب أن نلتقي لنحرر معا -للقاضي المسؤول عن تعيين ليلى في المركز- أن هذه لم تعد محتاجة إلى أي علاج.

وأنا، لحد الآن غير مدرك للتغير الغريب والقوي الذي أحدثه ارتباط بين الحروف العربية وبين شخصية ليلي.

وفعلا التقيت مع الطبيب النفساني وبعد أن شرحت له الحدث، قال لي لا بد أن ندفع في هذا النوع من البحوث حتى نتمكن من تقوية التقنيات العلاجية مع الشباب المسلم والعربي الذي يعيش في الغرب.

كما أن القاضي المسؤول على ليلي حين عرف الطريقة التي مكنت ليلي من الخروج من مرضها أكد أيضا أهمية فتح مجال البحث في الذات العربية ومحاولة إيجاد حلول عملية تساعد على العلاج.

إذن كل هذه الأحداث شكلت لنا دافعا قويا للمضي في البحث النظري والتطبيقي في هذا الميدان إلى أن نضجت الفكرة وتبلور عندنا تصور للنظرية وأصبحنا نتوفر على تقنيات وممارسات علاجية فعالة بعد أكثر من عشرين سنة من البحث النظري والميداني.

وهكذا وبفضل الله ومنته أطلقنا اسم “علم النفس الفطري” على هذا التوجه.

ولابد هنا أن نشير إلى أهمية القاعدة القرآنية “ليسوا سواء”، بمعنى أن هناك من الغربيين من لهم تصور إيجابي للحضارة الإسلامية، بل ويرغبون في التعرف عليها لأهميتها في بناء الحضارة وبناء الأخلاق.. فهم مطلعون على دور الأندلس الإسلامي في بناء الحضارة الغربية… موقف للأسف لا نجده عند بعض أبناء جلدتنا، إذ ما زال منهم من يحارب الزمن، محاولا أن يصد كل من يحاول أن يربط البحوث العلمية في الدراسات الإنسانية بشيء اسمه الإسلام.

  • والحمد لله أن “القافلة تسير”.
  • وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ[5].

فكما يلاحظ القارئ أن الأحداث التي فتحت لنا طريق البحث والاهتمام بهذا الميدان، هم أشخاص من الحضارة الغربية منهم من يهتم بالعائد الفعال والعلاجي بغض النظر عن المرجعية ومنهم من يهتم بالحضارة الإسلامية ويحاول أن يتعرف على حضارتنا لأنها تشكل لهم رافعة روحية يفتقدونها في حضارتهم الغربية. وكما ذكرت فإن هذه المواقف الإيجابية لا نجدها حتى عند بعض أساتذة جامعاتنا وباحثين حيث يتخذون مواقف عدائية من كل ما يلامس المرجعية الإسلامية أو من كل من يحاول أن يبرز عظمة هذه الحضارة في العطاء الإنساني.

فنحن لا نهتم بانتقادات هؤلاء لأنها غير علمية، بل هي تتسم بمواقف إيديولوجية لا أقل ولا أكثر.

ويكفي لمن يهتم بالأمر أن يدرس ابستمولوجيا العلوم الإنسانية ليدرك مدى تغلغل الإيديولوجيات في تصورات مؤسسي النظريات في العلوم الإنسانية، وخاصة مدرسة التحليل النفسي وعلى رأسها فرويد.

كان هدفي في هذا المقطع أن أشير إلى التصور الإسلامي: “ليسو سواء”، لنخرج من التعميم الذي لا يوافق التصور الإسلامي للإنسان، والذي يدخل كل الناس في الفطرة، “فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا”.

اعتبارا للخصوصية

كما ذكرنا في المقدمة فاعتبارا لخصوصية الإنسان، كان لزاما على مدارس علم النفس أن تتفرد عن بعضها لتخدم الإنسان من حيث منهجيتها العلاجية ومقاربتها النظرية. وإن كان هذا الاختلاف مرتبط بمرجعية الطبيب فهو أيضا مرتبط باحترام خصوصية المريض.

فمن إيجابيات هذا التنوع المعتبر أنه يعطي للمختص طرقا ومناهج يستطيع من خلالها التعامل مع سلوكيات المرضى وتعديلها، مهما اختلفت مرجعياتهم.

فعندما نقرأ كتب تاريخ علم النفس، فإننا نجد فيها مصطلحات مثل: “علم النفس الأمريكي”، و”علم النفس الإنجليزي”، وعلم النفس السوفياتي”، وعلى هذا النحو أيضا نقول كذلك “الفلسفة اليونانية والفلسفة الإسلامية”. وهذا رد جامع لمن يرفض مفهوم علم النفس الإسلامي، ويعتبر أن العلم هو خارج المرجعيات الدينية والعقائدية، ولكن الواقع يقول عكس هذا، لأنه كما ذكر الدكتور النجاتي أن هناك مرجعيات ظاهرة يقول بها المختصون، ويحق لهم ذلك ولكن يرفض هذا الحق عندما نتكلم عن علم النفس الإسلامي.

وأقول في نفس السياق بأننا نتكلم وبدون أي تكلف ولا حرج علمي عن الهندسة الهندية والصينية بل وعن الهندسة الإسلامية، ونحن هنا نتكلم عن ميادين تتعلق بالعلوم الدقيقة فكيف إذا تكلمنا عن العلوم الإنسانية.

  • فمن علم العلوم الإنسانية أن نتقبل مرجعية المريض.
  • ومن علم العلوم الإنسانية أن نتقبل منهجية تفكير المريض.
  • ومن نجاح العلاج النفسي أن نتفاعل انطلاقا من عواطف وأحاسيس المريض.

ويذهب محمد قطب في نفس السياق ولكن في مجال التاريخ حيث يقول: وثمة شيء آخر وقع فيه “المثقف”..، هو أنه أخذ التقديم الأوروبي للتاريخ على أنه هو التاريخ..  لا يقبل الجدل ولا يقبل المراجعة.. ومن ثم لم يعد يتصور أن هناك صورة يمكن أن يقدم بها التاريخ غير تلك الصورة.. فمجرد التفكير في تقديم التاريخ على صورة أخرى وعلى قاعدة أخرى أمر مستنكر لأنه يخالف “حقائق العلم”..  هذا مع كون الواقع الغربي يشهد تفسيرين اثنين للتاريخ لا تفسيرا واحدا –بصرف النظر مؤقتا عن مدى الفارق الجوهري بين التفسيرين- أحدهما هو التفسير الغربي الليبرالي للتاريخ، والثاني هو التفسير المادي للتاريخ… ولكن ذلك “المثقف” الذي صيغ صياغة غربية، قد ينظر إلى التفسير المادي للتاريخ على أنه بدعة مستحدثة قام بها ماركس وأتباعه، قد يكون فيها شيء من الحق لأنها أوروبية على أي حال. أما التفسير الإسلامي للتاريخ فهو في نظره بدعة منكرة لا أساس لها من “البحث العلمي” على الإطلاق. وهذه البدعة المنكرة هي ذلك –بالنسبة لهذا المثقف- لأنها لم ترد في أي مرجع أوروبي من المراجع “العلمية” المعتمدة التي استقى منها أفكاره وتصوراته.

إن مثل هذا الإنكار[6] الشديد لم يعد اليوم على صورته التي كانت من قبل، فقد أصبحت الفكرة مألوفة عند كثير من الناس بتأثير الصحوة الإسلامية..، وإنها العودة إلى النبض الطبيعي لهذه الأمة، العودة التي لا تستغرب، ولا يبحث لها عن أسباب، لأنها عودة إلى المجرى الطبيعي الذي كان يستغرب، ويبحث له عن أسباب هو الانحراف عن هذا المجرى خلال القرن الرابع عشر من حياة الأمة إلى مجرى مغاير لا يتفق مع عقيدة الأمة ولا مقوماتها الرئيسية. محمد قطب

وحين ننطلق من هذه النقطة نقع مع المنهج الغربي في إشكال آخر، والذي يتجلى في المنبع الذي يستمد منه معرفته بالإنسان؟

  • إن بعض المثقفين سينكرون هذا العمل من أساسه
  • بادئ ذي بدء لأنهم لم يتعهدوه.
  • ثم لأنهم يربطون التقدم بالغرب[7].
  • ونسوا أن لكل فترة من التاريخ حضارتها:الحضارة البابلية الأشورية.الحضارة الهندية.الحضارة الصينية.الحضارة الفارسية.الحضارة اليونانية الإغريقية.الحضارة الإسلامية.الحضارة الأوروبية.

فهذه الحضارة الغربية ليست إلا حضارة كغيرها من الحضارات.. ساهمت بلا شك في التقدم المادي للإنسان كما ساهم غيرها من قبلها. بل قد يكون لمن سبقهم الأفضلية فيما قدموه للإنسانية، وليس هناك شيء اسمه نهاية التاريخ، أو نهاية الحضارات وانصهار الحضارات في الحضارة الأوروبية الأمريكية، إلا في الثقافة التي تتميز بالعنصرية الحضارية، والمواقف الساذجة.

فالحضارة الإسلامية لم تكن تخاف، بل كان لها من القوة لتعترف بما أخذته من غيرها من الحضارات.. وقد لا نجد نفس الشيء في الحضارة الأوربية حيث عمدت إلى تغيير الأسماء، وعمدت إلى تبني اختراعات غيرها، لدرجة أن بعض العلماء يطلقون على هذه الفترة “بالسرقة العلمية والثقافية”.

فكل من يقف في صف الحضارة الغربية فقط، فهو يقف خارج الحضارة الإنسانية، إنه يقف في معزل عن الاعتراف بالذكاء الإنساني في كل حضارة. وإنني أتساءل كيف يمكن أن نتفاعل مع انتقادات أصحاب “الحضارة الأحادية”؟ إنها فعلا انتقادات إيديولوجية صراعية، إنها انتقادات تسمم الأجواء الثقافية، وتضيع الوقت، كأن هدفها الوحيد هو هدر طاقات الأمة الإبداعية.

ونقول مع محمد قطب وهو يحاول تأسيس “تفسير إسلامي للتاريخ”. كما نحاول أن نؤسس تفسيرا فطريا للسلوك الإنساني:

– سيقول “المثقفون” إن هذا التفسير رجعي لأنه يستمد معاييره من الدين والأخلاق، وقد رفضت أوروبا كلي المعيارين ووسمتهما بالرجعية.

– وسيقولون إنه تفسير غير موضوعي وغير علمي لأنه خاضع لتوجيه الدين.

 فأما أوروبا، ورفضها معيار الدين والأخلاق، فهي حرة فيما تصنع بنفسها… ولكن المسلم لا يملك أن يتخذ معيارا غير المعيار الرباني، ثم يزعم بعد ذلك أنه ما يزال محافظا على إسلامه. محمد قطب

والتفسير هو في ذاته اجتهاد بشري يمكن أن يخطئ ويصيب، كاجتهاد الفقهاء في استنباط الأحكام من كتاب الله وسنة رسوله ، ويمكن أن تختلف فيه وجهات النظر كما تختلف وجهات النظر بين الفقهاء، أما “المعيار” فليس بشريا، ولا يملك البشر –بعلمهم المحدود وقصور نظرهم، وتأثرهم بأهوائهم- أن يضعوا هم المعيار من عند أنفسهم.. إنما يضعه الخالق المدبر، اللطيف الخبير صاحب الأمر في الدنيا والآخرة.

 قضية “الموضوعية”؟

حين نعالج تأثير المرجعية الفكرية على بناء النظريات، وكيفية تفسير السلوك البشري، سيظهر بكل جلاء، حد الموضوعية والعلمية التي حاول البعض أن يقنعنا بها في العلوم الإنسانية. أما في العلوم الطبيعية فشأن آخر، أما العلوم الإنسانية فمردها إلى ظروف نشأتها، وظروف نشأة مخترعها، وتغلغل المرجعية الفكرية في أعماق كيانه، بحيث لا ينفك إلا أن تدور نظريته في فلك مرجعيته الفكرية وعقيدته الدينية، ولا بد هنا من الإشارة إلى أن الإلحاد عقيدة لا تنفك أن تدفع صاحبها إلى تبني المرجعية الداروينية على الأقل. والداروينية لا يختلف العلماء في كونها نظرية كغيرها من النظريات.. لم ترقَ إلى مستوى العلمية.

وهكذا فالمسلم لا يعرف شيئا أكثر موضوعية ولا أكثر علمية من دينه المنزل من عند الله، وهو يتعامل مع دينه بهذا اليقين في كل أمر من أمور العقيدة، وأمور الحياة، وأمور الفكر. هذا ليس تسليما أعمى، فإنما نهي عن التسليم الأعمى، وتدعونا إلى التفكير، والاقتناع بعد التفكير. محمد قطب

 ولهذا فإني أعتقد أن أساتذتنا الجامعيين، أحدثوا خللا معرفيا، حين درسوا العلوم الإنسانية في معزل عن المرجعية الفكرية لأصحابها. بالطبع كانت هناك محاولات في إطار تدريس مادة الابستمولوجيا، ولكنها محاولات تبقى خجولة بسبب اعتقاد أصحابها بالموضوعية الغربية. كما أن هذه الجهود لم تعمم في جميع مستويات تدريس العلوم الإنسانية.

الدين والمنهج التجريبي

إذا قالت أوروبا عن دينها بأنه غير موضوعي وغير علمي.. فلتقل، أما المسلم فقد تعلم الموضوعية وتعلم العلمية من هذا الدين، ويشهد التاريخ أن الحركة العلمية الكبرى –التي تعلمت منها أوروبا المنهج التجريبي العلمي- كانت من منجزات هذا الدين، ولم تكن الأمة الإسلامية – قبل إسلامها- أمة موضوعية، وإنما صارت كذلك حين اعتنقت الإسلام ومارسته بشموليته وموضوعيته وعلميته في كل جوانب الحياة. محمد قطب

ولا يخفى عن متتبع تاريخ العلوم التجريبية أن هذا العلم طور وأسس في أحضان الحضارة الإسلامية.. وقد كان ابن الهيثم من رواد هذا العلم.. حيث تجاوز وانتقد الصياغة الإغريقية التي كانت غارقة في التجريد النظري، بل كان في هذه الحضارة –أي الإغريقية- من ينظر إلى التجريب بأنه شيء دنيوي وحقير. وإن كانت الحضارة الغربية ترجع تأسيس هذا المنهج العلمي الأصيل إلى “بيكون” فإن هذا العالِم نفسه يعترف في كتبه، بأنه أخذ هذا المنهج من ابن الهيثم وابن سينا.

وفي مدخل كلية الطب بمونبولي بفرنسا توجد صورة فخمة لأحد أساطين الطب العربي وهو ابن سينا، وأحد أكبر المستشفيات بضاحية باريس يسمى مستشفى ابن سينا… الغرب استفاد من أسلافنا وتقدم وطور العلوم بما يناسب عقيدته وأعرافه وقوانينه الوضعية، الغربيون منطقيون مع منهجهم، صريحون مع أنفسهم، يناقشون منطلقاتهم[8].

إن علم النفس كان محوريا في جميع البحوث التي تطرق إليها علماؤنا السلف منهم والخلف.  فمثلا عني ابن باجة بدراسة النفس عناية كبيرة، وهو يرى أن علم النفس أشرف العلوم جميعها، وهو مقدمة ضرورية لمعرفة العلوم الأخرى، ومعرفة الله سبحانه وتعالى. ويقول ابن باجة: “والعلم بالنفس يتقدم سائر العلوم الطبيعية والتعاليم كلها. وأيضا فإن كل علم مضطر إليه، إن من لا يوثق بأنه يعرف حال نفسه أخلق ألا يوثق به في معرفة غيره.

  • وأيضا فإن العلم بالنفس يسبب للناظر قوة على أخد مقدمات لا يَكْمل العلم الطبيعي دونها.
  • وأما أحكام المدينة {الدولة} فلا يمكن القول فيها قبل المعرفة بأمر النفس.

فالعلم يشرف إما بالوثاقة وهو أن يكون أقاويله يقينية ظاهرة، وإما بشرف الموضوع. وعلم النفس جمع الحالين معا. وأخْلَق بعلم النفس أن يكون أشرف العلوم جميعا ما خلا العلم بالمبدأ الأول[9]… وأيضا فإن العلم بالمبدأ الأول لا يمكن ما لم يتقدم العلم بالنفس والعقل”[10].

ونقول مع الدكتور الشاهدي الوزاني[11]، هذا البحث ليس ردا متعصبا وليس موقفا دفاعيا، بل هو نتاج تجربة وممارسة ميدانيتين في مجال الطب النفسي والعلاج النفسي، ممارسة مليئة بالتفكر في حقيقة هذا الإنسان على اختلاف دينه ومعتقده وثقافته وجنسه، ممارسة لمهنة الطب النفسي كتخصص طبي اتفق العالم على توحيد مصطلحاته التشخيصية على وجه الخصوص واختلف حول أساليب وفنيات العلاج النفسي. ولم يكن هذا الاختلاف حاصلا لولا اختلاف منطلقاته.

مفهوم علم النفس الفطري

علم النفس الفطري: علم يبحث في موضوع الفطرة، ويسعى إلى فهم العالم الفطري للإنسان. وتمثل الفطرة نمط حياة متكاملة، حيث يحاول هذا العلم أن يفهم الإنسان في كل أبعاده: الروحية والنفسية والعقلية والعاطفية والجسدية والبيئية والطاقية. فينظر إلى هذا الإنسان نظرة شمولية، كما يضع السعادتين غاية ممكنة الحدوث، فيحاول أن يضع لهما مناهج عملية إجرائية.

كما يبني على مفهوم النهاية أو الغاية كل تصوراته، فهي تؤطر منهجه العلمي وتصوراته الوقائية والعلاجية والتطويرية.

من هذا المنطلق يسعى علم النفس الفطري إلى دراسة هذه العناصر الشاملة لمعرفة ترابطاتها وتفاعلاتها. وذلك لوضع مناهج عملية تمكن الإنسان من العيش في اطمئنان روحي، قلبي، عقلي وتوافق نفسي. ومن تم تعديل وتصحيح وعلاج الاختلالات التي تصيب الفطرة.

أقوال في علم النفس الفطري:

  • علم النفس الفطري نمط حياة.
  • علم النفس الفطري طريق تحقيق السعادتين.
  • علم النفس الفطري طريق معرفة الخطأ من الصواب.
  • علم النفس الفطري حسن الاتخاذ القرارات.
  • علم النفس الفطري أسلوب تحديد الغاية.
  • علم النفس الفطري تناغم مع الطبيعة والحياة.
  • علم النفس الفطري يبني ثقافة تصحيح الخطأ.

وهو علم يهدف على مستوى التغير أن يشتغل وفوق العناصر التالية كما أسلفنا الذكر في المقدمة:

فهم، تنبؤ، وقاية، تثبيت، تصحيح، تطوير، علاج، تخليد.

  1. فهم الإنسان:
    1. وتفهمه، تقبل محطات الضعف، ومحطات القوة، وبفهم الذات على الخصوص
  2. التنبؤ:
    1. محاولة التنبؤ بسلوك الغير، مما يساعد على بناء جو علائقي إيجابي، والتنبؤ بسلوكي في حالة الغضب والخوف مما يساعدني على ضبط النفس. هناك علاقة قوية بين التنبؤ وضبط النفس.
  3. الوقاية:
    1. الوعي بثقافة الوقاية، وأهميتها في بناء المجتمعات والأمم وأهميتها في مجال الأمن الاقتصادي والاستقلالية السياسية.
  4. التثبيت:
    1. ما هو لإيجابي: سلوك فكر إحساس، ….
  5. التصحيح:
    1. بناء ثقافة تصحيح الخطإ، مما يساعد على خلق جو من الألفة الاجتماعية والكونية، وتجاوز الإحساس بالذنب، وتقبل الذات والآخر، وحسن الظن بالله.
  6. التطوير:
    1. تطوير القدرات، وتوجيه الإمكانيات وتوسيع مجال الإدراك.
  7. العلاج”
    1. علاج الاضطرابات والأمراض النفسية والنفسجسمية.
  8. التخليد:
    1. هذا هو الهدف الغائي الذي يعتبر غاية الإنسان من الوجود، وذلك بضبط السلوك القولي والفعلي وفق المنهج الرباني الفطري.

ونعتمد في بحوثنا على المناهج المقررة في العلوم الإنسانية والعلوم الشرعية والعلوم الطبيعية.

إذن فالبحث في موضوع الفطرة يتمحور حول النقاط التالية:

  • التوافق الفطري.
  • التوافق الغائي.
  • توافق الفطرة والروح.
  • توافق الفطرة والنفس.
  • توافق الفطرة والعاطفة.
  • توافق الفطرة والعقل.
  • توافق الفطرة والجسم.
  • توافق الفطرة والبيئة.
  • توافق الفطرة والسلوك.

من خلال ما سبق يمكن التأكيد أن الفطرة مكون أساس لموضوع البحث ولمناهج العلاج والتغيير.

ويوضح ابن سينا في أرجوزته الطبية العلاقة الطبيعية والتأثير المتبادل بين النفس والجسد، وذلك انطلاقا من مرجعيته الإسلامية التي تنص على مفهوم الشمولية، إذ يقول:

  • وغضب النفـس يهيـج الحر وتارة يورث جسماً ضـرا.
  • وفرح النـفس يهيـج البـرد وربما أفرط حتـى أردى.
  • وكثرة الأفراح إخصـاب للبدن ومنه ما يؤذي بإفراط السمن.
  • والحزن قد يقضي على المهزول وينفـع المحتـاج للنـحول.[12].

وقد بين أبو بكر الرازي ذلك أيضاً وعقد علاقة بين الصحة النفسية والجسمية فكان العلاج النفسي يعتمد عندهما على صحة البدن. ” وهذه قصة معالجة ابن سينا لفتى من “آل بويه” تدهورت حالته إثر امتناعه عن الطعام والشراب فزادت _حالته سوءا ووصل به الأمر إلى اعتقاد خاطئ وتوهم أنه بقرة وتصرف على أنه كذلك فكان يمشي على أربع ويخور خوراً ويصيح بمن حوله: اقتلوني واطبخوا لحمي، فأمر ابن سينا أحد تلامذته أن يقف على مسمع المريض ويقول: ها، قد جاء الجزار، ما أن يدخل ابن سينا، وحين دخل أخرج سكيناً وقال: أين هذه البقرة لأذبحها ثم أمر بربط الفتى بالحبال وطرحه أرضاً ووضع السكين على رقبته وقال: ولكن هذه بقرة عجفاء لا تساوي مؤنة الذبح حتى تعلف وتسمن ! فأصبح الفتى بعدها يأكل ويشرب وبعد أيام اعتدل مزاجه وصحته البدنية ثم النفسية وذهب ما كان عنده من اعتقاد وتوهم وشفي من علته النفسية”. وهذا ما يؤكد علاقة الصحة النفسية بالجسمية وأن صحة الجسد متعلقة بصحة النفس والعكس أيضاً[13].

كما أن هناك شقا مهما جدا في العلاج الفطري، وهو استعمال الأغذية في العلاج.

أهداف علم النفس الفطري

وهكذا يمكن تلخيص أهداف علم النفس الفطري فيما يلي:

  • فتح آفاق جديدة في ميادين علم النفس .
  • إظهار تقارب الحضارات في فهم النفس الإنسانية .
  • الخروج من الاستعلاء الحضاري، ليس هناك حضارة واحدة قادرة على العطاء والرقي بالإنسان.
  • العلم كله، هو بالضرورة وليد تلاقح الحضارات.
  • تجاوز العنصرية الفكرية والحضارية التي تقول فقط بالفكر الواحد[14].
  • توضيح أهمية المرجعية في العلاج النفسي وفي تعديل سلوك المريض.
  • تجاوز المناهج والطرق المادية في العلاج النفسي، علاج لا يكون فقط وفق المناهج المادية.
  • الديمقراطية العلاجية، وهي أن يتمكن المريض من اختيار الطريقة العلاجية التي تناسب مرجعيته وتفكيره.
  • فهم جديد للنفس الإنسانية وللسلوك الإنساني.
  • خدمة الإنسان من الوجهة المادية والروحية.
  • خلق مشترك إنساني متعدد التوجهات في التعامل مع السلوك الإنساني.
  • عدم إقصاء الملايين من البشر (مليارين من المسلمين) من العلاج النفسي المرتبط بهويتهم.
  • عدم إقصاء 85% من البشر الذين يعتقدون في المرجعية الدينية في تدبير حياتهم.
  • إعطاء أهمية قصوى للوقاية النفسية .
  • تصحيح المسار الإنساني للخروج من حالة الضنك والعيش في طمأنينة روحية.
  • علاج الاختلالات المرتبطة بالفطرة.
  • تقديم مناهج إجرائية في العلاج النفسي تتسم بالشمولية.
  • التركيز على الهدف الغائي من الحياة: الخلود.

يقول د. النجاتي إن هدف علم النفس ذا المرجعية الإسلامية يتجلى في الكشف عن آيات الله تعالى وسننه في الإنسان، أي الكشف عن المبادئ والقوانين التي تنظم سلوك الإنسان في الحياة وفق مشيئة الله تعالى، ومعرفة المنهج الأمثل لحياة الإنسان، وفق هذه السنن الإلهية، مما يحقق له السعادة في الدنيا والآخرة، ومعرفة أسباب انحراف الإنسان عن الحياة المثلى السوية، مما يسبب له القلق، والشقاء والمرض النفسي. وسوف تجعلنا هذه المعرفة أقدر على فهم الإنسان، وأكثر فعالية في إرشاده، وتوجيهه وتعديل سلوكه وتنظيم حياته.

تاريخ علم النفس الإسلامي

 في هذا الفصل نعطي فكرة مقتضبة عن تأصيل علم النفس الإسلامي. حيث استخدم بعض الباحثين مصطلح “التوجيه الإسلامي لعلم النفس” أو العلوم الاجتماعية. ومن أوائل من استخدمه فؤاد حطب في بحث تقدم به إلى “ندوة علم النفس والإسلام” التي انعقدت بجامعة الرياض بالمملكة العربية السعودية في عام 1978م وهو يعني بالتوجيه الإسلامي لعلم النفس، بناء علم النفس على أسس المبادئ الكلية العامة للإسلام، وعن تصور الإسلام للإنسان والكون”. د. نجاتي[15]

أما بالنسبة لعبد الخالق مصطفى:” إن التوجيه الإسلامي لمثل هذه العلوم الكونية يعني أن ننهي مقولات أن الطبيعة فعلت كذا وكذا. وهي تلك المقولات التي ترد في إطار العلم الوصفي لأن الطبيعة نفسها مفعولة وليست فاعلة، أي توجيه استخدام العلم بما يتفق وقيم الإسلام ورسالة الإنسان في الاستخلاف”.

استخدم مصطلح التوجيه الإسلامي لعلم النفس في بعض المقررات الدراسية بقسم علم النفس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية بالرياض، فقد قام مالك بدري بتدريس مقرر في “التوجيه الإسلامي لدراسة علم النفس والتحليل النفسي والديني” في العام الدراسي 1403هج./29

كما قام د. النجاتي بتدريس مقرر في التوجيه الإسلامي لطلبة الدراسات العليا بقسم علم النفس بنفس الجامعة في الأعوام الدراسية 1985-1986.

لماذا مصطلح علم النفس الفطري؟

تجمعت عناصر متعددة واجتمعت لجعل من مسألة البحث عن وضع أسس علم النفس الفطري أمرا ضروريا ليستجيب لمجموعة من الحاجيات على مستوى العلاج النفسي والبحث العلمي. ونحدد هنا بعض الأفكار التي جعلتنا نقترح مصطلح “علم النفس الفطري”.

حينما نقول بعلم النفس الإسلامي، فهذا قد يخلق التباسا من حيث أن ما أذكره هو حقيقة من الإسلام، مع العلم أن ما أحدث به وأقوله من حيث ارتباطه بالإسلام فهو اجتهاد للباحث في الظواهر النفسية انطلاقا من الكتاب والسنة، وهي بالطبع اجتهادات قد تخطئ وقد تصيب، وهو ما ألاحظه في كتاب ابن قيم الجوزية “الطب النبوي” حيث يشتمل الكتاب على أقوال الرسول عليه السلام في المجال النفسي وفي مجال علاج القلوب وفيه أيضا اجتهادات لابن القيم أصاب في الكثير منها وأخطأ في بعضها الآخر.

لفظ “الفطري”، تشير إلى المرجعية الإسلامية، فأنا بالضرورة حين أستعمل لفظ الفطري فإني أضع مجال البحث في مرجعيته الإسلامية، وأضع القراء معي داخل هذه المرجعية، من حيث إشارتي إلى أنني أشتغل من داخل هذه المرجعية، ويكون موقفي واضحا من حيث المنبع وموقفي واضحا مما أقول: فهي اجتهادات شخصية حول النفس الإنسانية من مرجعية إسلامية.

جعل الفطرة موضوع البحث وهو ما ينظم التصور العام للباحث في هذا الميدان.

  • جعل الفطرة موضوع البحث لأن هذا يجعلنا نتلمس شيئا يجمع بين المحسوس وغير المحسوس.
  • جعل الفطرة موضوع البحث يجعل الهدف واضحا، وهو تحقيق الفطرة في السلوك الإنساني.
  • جعل الفطرة موضوع البحث يجعل العلاج النفسي واضحا من حيث الهدف، وهو تعديل الفطرة في حالة الاضطراب.
  • جعل الفطرة موضوع البحث يجعل الوقاية النفسية واضحة، وهو محاولة إبقاء الفطرة على أصلها الأصيل.
  • جعل الفطرة موضوع البحث يجعل البحث عن الصحة النفسية وفق التصور الفطري للإنسان.
  • جعل الفطرة موضوع البحث يجعل السعادة مرتبطة بتحقيق الفطرة في حياة الإنسان.
  • جعل الفطرة موضوع البحث هو في النهاية: العيش وفق الفطرة.

المنظومة الفكرية لعلم النفس الفطري

تاريخ وتطور علم النفس من منظور إسلامي

  • مرحلة التأصيل.
  • مرحلة الإبداع.

المرجعية في العلوم الإنسانية

منهج الدراسات في الحضارة الإسلامية

النظريات النفسية

  • الرد على الانتقادات

تعريف بعلم النفس الفطري

  • مفهوم علم النفس الفطري.
  • علم النفس الفطري لماذا؟
  • مجالات اشتغال علم النفس الفطري.

حضارة الطب

  • الطب في الحضارة الإسلامية.
  • علماء طب النفس.
  • الإعجاز النفسي.
  • الطب النفسي النبوي.

نظرية الفطرة

  • مفهوم الفطرة.
  • بناء الفطرة.
  • الميثاق الفطري.
  • مسلمات الفطرة.
  • قواعد وأصول الفطرة.
  • مبادئ الفطرة.
  • قوانين الفطرة.
  • الإدراك الفطري.
  • المنطق الفطري.

نظرية الكرامة

  • لماذا الكرامة؟
  • الكرامة مرتكز فطري.
  • عناصر الكرامة.
  • تعديل الكرامة وتصحيح الانحراف السلوكي

نظرية المقاومة

  • الأعداء الثلاثة.
  • المقاومة الداخلية والخارجية.
  • المقاومة: تطوير القدرات الذاتية.
    • القدرات العقلية.
    • القدرات العاطفية.
    • القدرات الروحية.

نظرية المصلحة

  • أنواع المصلحة.
    • تناغم المصلحة والحافزية.
    • المقصد المصلحي.

نظرية النفس

  • مفهوم النفس.
  • آليات اشتغال الأنفس.
  • هيئة الأنفس.
  • الأنفس الثلاث والعلاج النفسي

نظرية الإنسان

  • تصور عام لفطرية الإنسان.
  • صفات الإنسان.
  • الإنسان في مدار خلقه.
  • الشخصية.

الفقه النفسي

  • القواعد الفقهية النفسية.
  • القواعد النفسية.
  • أقوال نفسية وسلوكية.
  • أحكام المرض النفسي.

الصحة النفسية والعلاج النفسي.

  • الصحة النفسية.
  • المرض النفسي.
  • حلية الطبيب النفساني.
  • منهج العلاج النفسي.
  • مبادئ العلاج النفسي.
  • المسلمات العلاجية.
  • التوجه العلاجي.
  • تقنيات العلاج النفسي
    • تقنيات تأهيلية.
    • تقنيات إجرائية.
  • العلاج النفسي الطبيعي
    • الأغذية.
    • الحجامة.

ملحق

  • كتب السلف والخلف والمعاصرين.
  • قاموس علم النفس الفطري.
  • قاموس الألفاظ النفسية.

نظرية الفطرة

مقدمة

من العدم إلى الوجود، هذا الانتقال هو حالة الفطرة، وهذه الفطرة تشكل الهيكل والعناصر والآليات والبرامج التي سيكون عليها كل الخلق:

فالفطرة هي النموذج الذي سيكون عليه كل حركة وكل سكون، فلا يستطيع الإنسان أن يكون غير البرامج التي غرزت فيه في لحظة الفطرة.

فالفطرة هي الخلق من العدم، ولا يمكن للإنسان حتى أن يتمثل العدم، ناهيك على أن يفطر نفسه على برامج جديدة. إنها المرحلة التي جفت فيها الأقلام، وطويت فيها صحف مؤهلاته الأبدية.

إذن فهي مجموعة من المؤهلات التي تُخلق مع المولود، ويتّصف بها الإنسان في أصل خلقته سواء الروحية والنفسية والعقليّة والعاطفية أو البدنية. والفطرة تهدي الإنسان إلى تتميم نواقصه ورفع حوائجه، إذا تحققت شروطها وارتفعت الموانع من تأثيرها.

فكل مكونات الإنسان العقلية العاطفية الجسدية البيئية، وغيرها من الآليات هي نابعة من الفطرة.

والنتيجة الحتمية هي أن السير وفق الفطرة هو السير وفق طبيعة الوجود الإنساني. ومهما حاول الإنسان. أن يخلق عناصر أخرى غير الموجودة فيه، فهو بداية لن يستطيع وثانية سينحرف بالفطرة إلى الضياع والهلاك، وحتى هذا الضياع والهلاك، فهو مبرمج في الفطرة لأنه لولا وجود هذا البرنامج، لما استطاع الإنسان أن يهلك نفسه. وهذا من إنسانيته أي من قدرته على الاختيار واتخاذ القرارات، وهذان العنصران المهمان مبرمجان أيضا في الفطرة.

هذه الاستطاعة، استطاعة الاختيار المغروزة في الفطرة يمكن أن تذهب بالإنسان إلى السلبية وإلى

الضياع أو إلى الإيجابية، وهذا ما لا يمكن أن تقوم به الملائكة، فالملائكة مفطورة على الطاعة المطلقة، ومقصورة على السلوكيات الإيجابية الخيرية، فهي لا تستطيع أن تختار أن تكون شريرة ولا تستطيع أن تختار أن تكون سلبية. فالبرنامج المفطورة عليه هو برنامج الخير، الخير غير الاختياري.

وهناك أنواع أخرى من الخلق برنامجها الفطري أن تكون في خدمة الإنسان، وحسب ما نعلم فالإنسان والجن هما وحدهما المفطوران والمبرمجان على الاختيار.

وعلى هذا الاختيار فطر الإنسان، ببرامج وآليات عقلية ونفسية وعاطفية متعددة تمكنه من تحقيق سعادته، التي يعتبرها غاية وجوده، يبحث عنها في جميع الاتجاهات وبكل ما أوتي من قوة.

مفهوم الفطرة

فالفطرة لغة بمعنى: الخلقة والإيجاد من عدم.

هي الهيئة التي خلق الله عليها الإنسان، قبل أن تتجانس مع الطين.

وفَطَّره: شقه، وتَفَطَّر الشيء: تشقق، والفَطْر: الشق، وجمعه فُطُور. وفي التنزيل العزيز ﴿هل ترى من فطور﴾[16]

وأصل الفطر: الشق، ومنه قوله تعالى “إذا السماء انفطرت” [17] أي انشقت وفي الحديث ” قام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى تفطرت قدماه، أي انشقتا، يقال: تفطرَت وانفطرت بمعنىً واحد، وفي التنزيل العزيز “السماء منفطر به”، كما قالوا: سيف فطار، فيه صدوع وشقوق.

  • وجاء في كتاب العين: الفُطْر: ضرب من الكَمْأة.
  • والفُطْرُ: شيء قليل من اللبن يحلب ساعتئذٍ تقول: ما احتلبناها إلا فُطْرًا.
  • وفَطَرْت الناقة: أفْطِرُها فَطْرًا؛ أي: حلبتها بأطراف الأصابع. 
  • وفطر ناب البعير: طلع.
  • وفَطَر الله الخلق؛ أي: خلقهم وابتدأ صنعة الأشياء، وهو فاطر السماوات والأرض.

الفطرة تعني: الابتداء والاختراع، ولا خلاف بين هذه المعاني الثلاثة: الخلقة، والابتداء، والاختراع.

 قال ابن عباس، رضي الله عنهما: ما كنت أدري ما فاطر السماوات والأرض حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر فقال أحدهما: أنا فطرتها، أي أنا ابتدأت حفرها. وذكر أبو العباس أنه سمع ابن الأعرابي يقول: أنا أول من فطر هذا أي ابتدأه. والفطرة، بالكسر: الخلقة.[18]

قال الفراء في قوله تعالى: “فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا”[19] لا تبديل لخلق الله؛ قال: نصبه على الفعل، وقال أبو الهيثم: الفطرة الخِلقة التي يخلق عليها المولود في بطن أمه؛ قال وقوله تعالى: “الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ”[20] ؛ وكذلك قوله تعالى: “وَمَا لِيَ لَا أَعْبُدُ الَّذِي فَطَرَنِي وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ”[21].

والفطرة: التي طبعت عليها الخليقة من الدين، فطرهم الله على معرفته بربوبيته،

فمدار اللفظ في اللغة حول ابتداء الشيء وانشقاقه لأول مرة.

العلاج الفطري

ما هو العلاج

يقول مسكويه إن طب النفوس مثل طب الأبدان، ويقسمها إلى قسمين:

  1. أحدهما حفظ صحة النفس إذا كانت حاضرة، أي الوقاية من المرض النفسي.
  2. والآخر هو رد الصحة على النفس إن كانت غائبة، أي العلاج النفساني.[22]

فأبو بكر الرازي الطبيب الفيلسوف كان يؤمن “بمعالجة النفوس كما تعالج الأجسام لما لها من تأثير في صحة ومرض الأجسام. ويرى أن يكون طبيب الجسم في الوقت نفسه عالماً بطب النفوس “وهذا ماسار عليه الأطباء من بعد، فعلم النفس درس كعلم جزئي من الطب كما هو في الفلسفة إلا أنه اكتسب صفة إكلينيكية (سريرية) في الطب، وبينوا فيه مفاسد النفوس وإصلاحها وعلاجها مبينين العوامل المؤثرة في تدهور الصحة النفسية كالتربية، البيئة، المجتمع، الشخصية (الطباع) …الخ، وكان العامل الأخير مزيجاً من الجالينوسية والأبقراطية التي أبدع العرب في تأطيرها ضمن علم الفراسة، وكان للعرب تصنيف علمي للأمراض التربوية والاجتماعية، بمعنى آخر فرقوا بين الأمراض الفردية والاجتماعية منتبهين إلى قنوات الاتصال بين صحة الفرد وصحة المجتمع ” فالعلم الطبيعي يؤسس علم النفس، وعلم النفس يؤسس علم الأخلاق، وعلم الأخلاق يؤسس علم السياسة وعلم الأخلاق هو تدبير نفس الفرد وعلم السياسة فهي تدبير نفوس الجماعة”[23].

إن فعالية علم النفس العربي الإسلامي لم يتولد من منطلقات جمودية نسبية بل من دستور ثابت ومرن هو القرآن والسنة النبوية فلم يكن علم النفس العربي سوى ترجمانا وشرحا للآيات والأحاديث الخاصة بالنفس البشرية وأمراضها وعلاجها وقد أثبت علمياً وإنسانياً مطلقية الحجة القرآنية والنبوية الملائمة لكل العصور والأمم لأن الإسلام دين متجدد داخلياً. وعلم النفس العربي لا يحتاج سوى لتجديد ظاهري لمصطلحاته القديمة، أما فيما يخص الأمراض النفسية فإنها لم تكن بمثل ما هو عليه الآن حيث وصلت النفس في الغرب المتقدم إلى التدهور والانحطاط في حين أن طابع الحضارة العربية الإسلامية سعى إلى الحد من استفحال الأمراض والعقد النفسية من الفرد إلى الأمة، حيث كانت تعالج جميع الحالات بالشكل الصحيح مما يدل على صحة المنظومة العلمية التي قامت بالعلاج وهي الوسيلة التي من خلالها نصل إلى الغايات وإذا كان العلماء الغربيون قد صنفوا الأمراض النفسية إلى عصابية “نفسية” وذهانية” عقلية _ذات السبب العضوي”17، فإن طريقة علاجهم كانت غير صحيحة إن المجتمع الإسلامي يدفع المريض العصابي للعلاج بالطرق المباشرة وغير المباشرة لأن هذا المريض يعي حالته ويعرف أنه غير سليم فالمتهور يعرف تهوره والبخيل يعرف بخله والمرائي يعرف ريائه، الخ. هزاع شريف

إن المنظور الإسلامي للإنسان يساعده على كشف عالمه الباطني بنفسه، وهو بالتالي الذي يتذوق طعم اليقين والطمأنينة بنفسه، وهذا الذي يبرز أهمية الإرادة الإنسانية ودورها في العلاج النفسي، وقد شكلت نقاشا حادا بين مختلف الاتجاهات وطرحت أسئلة من قبيل:

  • هل الدور الأساسي في المسيرة العلاجية للمعالج أم للمريض؟
  • هل ينصب العلاج على التغيير في كيان المريض أم على التغيير في بيئته ومحيطه؟
  • هل جذور المرض النفسي تعود إلى الماضي وليس للحاضر؟
  • هل للمريض مسؤولية في نشأة الاضطراب وبالتالي يفترض وجود مسؤولية أيضا في المسيرة العلاجية؟
  • هل الإنسان مسؤول عن إيمانه أو كفره؟
  • هل للإرادة نصيب في نشأة الاضطراب؟
  • وهل لها دور في المسيرة العلاجية؟
  • هل الإرادة تمس سائر أحوال الصحة والمرض؟
  • هل سلوك الإنسان ظاهر وباطن؟
  • هل هناك عوامل ذاتية وعوامل اجتماعية في نشأة المرض وتطوره؟

وأهم ميزة للإسلام هو أنه يعترف للإنسان بضعفه: “وَخُلِقَ الْإِنسَانُ ضَعِيفًا”. ” النساء، 28

وهذا في حد ذاته علاج لكثير من الأمراض كعقدة الذنب واليأس من الشفاء وغيرهما، لكنه يربأ بالإنسان أن يستسلم لضعفه، ويخبره بأنه يملك الإرادة اللازمة للنهوض من مستوى ترابي إلى أفق روحاني.

منهج العلاج الفطري

مستويات العمل الفطري

يمكن تلخيص مستويات الاشتغال الفطري، الذي يمكننا من العمل على العلاج والتغيير والتطوير في خمس مراتب:

1.                    ممكن.
2.                    من؟
3.                    ماذا؟
4.                    لماذا؟
5.                    متى؟
6.                    كيف؟

ونناقش هنا فقط المراتب التالية:

ممكن، متى، كيف

1.        ممكن.

ممكن وهذا من مستوى الاعتقاد بحيث لا بد من حضور قوة الاعتقاد الذاتية، في إمكانية التغير، فلولاه لا يمكن الاشتغال على التغيير… وهذا من مسؤولية الفرد في البداية.

” إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ “.

وتتجلى مسؤولية الطبيب في رفع مستوى الاعتقاد في التغيير إلى أعلى مستويات الإمكان، وفي هذا المجال يمكن أن نتعرض بالدراسة إلى نظريات الحافزية والدافعية.

2.        متى الشفاء؟

نقسم هذا المستوى إلى مستويين:

1.                    الأول يتعلق بمشيئة الله.
2.        الثاني يتعلق بقدرة الإنسان.

مستوى مشيئة الله، نحن هنا نتعامل مع الله عز وجل بالدعاء الذي يعني:

  • الأمل.
  • الانتظار.
  • الرجاء.
  • العدل.
  • الرحمة.
  • الدعاء المستمر والثابت على أن يحقق لنا الله ما نود ونرجو في الوقت القريب دون تعجل.
  • الانتظار: ننتظر وما نبدل تبديلا، لا عجلة ولا قنوط.
  • الأمل: مهما طال الزمان فإننا مطمئنون للجواب الشافي الذي سيقدمه الله عز جل.
  • العدل: نؤمن إيمانا مطلقا أن عدم جواب الله لنا هو بعدل الله وأننا مسؤولون بطريقة أو بأخرى عن تأخير الجواب من الله نؤمن بعدله ونرجو رحمته.
  • الرحمة: نعلم علم اليقين أن “متى” المرتبطة بالدعاء وتنقسم إلى ثلاث مستويات:
3.        مستوى الرد الجميل داخل الزمان الدنيوي.
4.        مستوى الرد برفع الضرر وهذا من رحمة الله بنا.
5.        مستوى التأجيل إلى الزمن الأخروي، وهذا من رحمة الله وحكمته.
3.                    كيف؟

في هذا المستوى يدعونا الله لتحمل المسؤولية كلها بالعمل الدؤوب والمستمر على وضع خطط عمل ومنهجيات إجرائية لتحقيق الأهداف العلاجية.

فهي مسؤولية تصل إلى مستوى المائة في المائة في اعتقادنا. {الطبيب– المريض}

واستعمال المنهج “الكيفي” هو الذي يساعدنا في البحث على عناصر العلاج الحقيقي. ولهذا لا بد من التفريق بين الاشتغال ب لماذا؟ أي بالأسباب واستعمال الكيفية. فالأسباب قد تساعدنا على فهم الإنسان وفهم سلوكه ولكنها لا تغير هذا الإنسان إلا نسبيا.

وهذا ما يمكن ملاحظته في العلاج النفسي، إذ أن العديد من المعالجين المرتبطين بالبحث عن الأسباب، يعتقدون أن فهم السبب يساعد على إحداث التغيير. ولكن هذا للأسف يُدخل فقط المعالج في استهلاك الوقت بحيث يبقى في السيرورة العلاجية لسنوات عديدة ويؤدي إلى هدر الوقت والمال ويصيب المريض “بالإحباط العلاجي”.

وكما ذكرنا في الفصول السابقة خاصة حين تكلمنا عن “الاطمئنان الكيفي” الذي كان يبحث عنه إبراهيم عليه السلام، وذكرنا بأن المنهج القرآني، إلى جانب المنهج السببي والوصفي، فإن القرآن يؤكد بشكل قوي على المنهج الكيفي، لأن هدف القرآن هو إحداث التغيير وإصلاح ما انخرم من الفطرة.

ولهذا لا بد من الاشتغال بالمنهج الكيفي باستعمال تقنيات عملية إجرائية، وهذا الذي سيمكننا من الحصول على العلاج الفعال[24].

ويلخص هذا المنهج أهداف وسلوك المعالج والطبيب، وسلوك وأهداف المستشير. فهي بالنسبة لنا بمثابة أرضية أولى نضع عليها أول خطوات المنهج العلاجي:

  • النية.
  • الغائية.
  • التغيير.
  • مستويات التغيير.
  • ضبط الشعور.
  • توسيع مجال الإدراك.
  • المسلك العشري.

المسلك العلاجي العشري

المسلك العشري يساعدنا على وضع منهج علاجي يتناغم مع الاضطرابات. حيث نضع أسئلة حول المرض، لنعرف هل يمس الجانب العاطفي مثلا. ففي هذه الحالة نتوجه إلى الاشتغال على الجانب العاطفي إما مباشرة، أو باستعمال مسالك أخرى، حتى نصل إلى المسلك العاطفي.

إننا نلاحظ بأن بعض المرضى لا يمكن التعامل مع اضطرابهم مباشرة، ولهذا فنحن نتخذ مسلكا آخر للوصول إلى المسلك المستهدف.

كما لاحظنا في تجربتنا الميدانية أن التغيير في المسالك الأخرى، يساعد في تغيير المسلك أو المسالك المضطربة.

أنواع المسالك:

1)                 المسلك الروحي.

  • المسلك النوري.
  • المسلك النفسي[25].
  • المسلك الغريزي.

5)                 المسلك العقلي.

6)                 المسلك العاطفي.

7)                 المسلك “الطاقي”.

8)                 المسلك السلوكي.

9)                 المسلك الجسمي.

10)            المسلك البيئي.

التقنيات العلاجية الإجرائية

القوانين الفطرية

كل القوانين التي ذكرناها في الفصل النظري تشكل لنا رافعة قوية في العلاج النفسي، ولهذا فإننا في فصل العلاج الفطري سنعرض للنقاش فقط قانون الوسع وقانون السبب والنتيجة.

1.     قانون الوسع

  • لا يكلف الله نفسا إلا وسعها.
    • هناك حد للقدرة الذاتية.
    • كل نفس لها قدرة خاصة.
    • تجاوز حد القدرات يؤدي إلى:
  • الإحباط.
  • العجز.
  • الاكتئاب.
  • التوتر.

العلاج

  • الاقتناع بمحدودية القدرات
  • الاقتناع في نفس الوقت بالقدرات الهائلة للنفس، هذه القدرات تتطلب: إرادة، تدريب، تحديد الوجهة، تحديد المصلحة، الغائية.
  • الاعتقاد بإمكانية تطوير الذات على المستوى:
  • الروحي.
  • النفسي.
  • المالي.
  • الجسمي.
  • الذكائي.
  • التعبدي.
  • البيئي.
  • إلخ
  •  

تحديد القدرات:

  • العقلية.
  • العاطفية.
  • الجسمية.
  • الأسرية.
  • البيئية (المجتمعية، العالمية).

وضع مخطط لتطوير القدرات (السقف/ والحدود).

إن نظرة الآخر لها أهميتها عند الفرد، حيث نجدها حاضرة في التقييم الذاتي، وذلك لأن الإنسان مرتبط ارتباطا وثيقا بالآخر.

ولكن الخطر هو الانغماس الكلي في تقييم الآخر. وهذا الانغماس يؤدي إلى فقدان القدرة على تحديد مساحة تواجد الذات، والإحساس الإيجابي بالذات.

ولهذا فإن هذه التقنية تحاول أن تعيد التوازن الحقيقي في تقييم الذات، ونحاول من خلالها أن نعيد السلطة للذات.

إن إدراك خطورة سلطة التقييم، يساعد على إعادة الإدراك الذاتي من جهة، ومن جهة أخرى يساعد على تجاوز السلطة التي يعطيها المريض للآخر. وهذه التقنية متناغمة مع تقنية “عزة المرجعية”.

2.     قانون الجهد والنتيجة

1.                 قانون الجهد

يقول محمد قطب قيام الناس، له سنن ربانية تحكمه، ليس منها التمني مع القعود، وليس منها أن يقول الإنسان للشيء كن فيكون، إنما الشأن بالنسبة للبشر هو الكدح الذي يؤدي إلى بناء نتيجة حسب العقيدة المصاحبة لها، وحسب السنن التي تجري من خلالها الحياة البشرية، وهذه السنن دقيقة كل الدقة، منتظمة أشد الانتظام، لا تحيد ولا تميل، ولا تجامل ولا تحابي، ولا تتأثر بالأماني الطيبة، إنما تتأثر بالأعمال، وهي في دقتها وانتظامها وجديتها كالسنن الكونية. محمد قطب

 ومن ثم فإنه لا بد من العمل بمقتضى السنن الربانية للوصول إلى النتائج المحددة المطلوبة. ومخالفة السنن لا يتأتى عنها إلا نتائج كارثية.

وقد نبه أبو حامد الغزالي إلى هذا المعنى في كتابه ميزان العمل حيث قال: وأما من ظن أن مجرد الإيمان يكفيه فهو جاهل بحقيقة الإيمان، ومن ظن أن سعادة الآخرة تنال بمجرد قوله: لا اله إلا الله وجنب تحقيقه بالمعاملة، كان كمن ظن أن الطبخ يحلو بقوله طرحت السكر فيه دون أن يطرحه، وأن الولد يخلق بقوله: وطأت الجارية دون أن يطأها، والزرع ينبت بقوله بذرت البذرة دون أن يبذرها. وكما أن هذه المقاصد لا تنال إلا بأسبابها، فكذلك أمر الآخرة، فإن أمر الآخرة والدنيا واحد، وإنما خص باسم الآخرة لتأخره.42

وقد عبر التنزيل عن هذا المعنى بقوله: “ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا”. الإسراء، 19

فذلك قوله تعالى في سورة طه: “وإني غفار لمن تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى”.

وقوله عز من قائل: “إِنَّ رَحْمَةَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنْ الْمُحْسِنِينَ[26]“.سورة الأعراف

وقال سبحانه وتعالى: “وَالْعَصْرِ (1) إِنَّ الْإِنسَانَ لَفِي خُسْرٍ (2) إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْر (3).

1-    قانون النتيجة

يقول الرسول عليه الصلاة والسلام: “عجبت لأمر المؤمن، أمره كله خير”  … إنها النتيجة.

إن الأحداث اليومية متتالية لا تكاد تنقطع، إنها “النتيجة”. فكل حركة بل حتى في السكون هناك نتيجة معينة.

إذن الاهتمام بعنصر النتيجة يجب أن يكون محوريا في علم النفس، والعلاج النفسي على الخصوص. إن البناء الفطري مرتبط ارتباطا وثيقا بتحقيق نتيجة معينة. إنها الأمانة:

  • فالعبادة يجب تحقيقها، يجب تحقيق النتيجة.
  • والنفس المطمئنة: يجب تزكيتها، تحقيق النتيجة.
  • والاستخلاف في الأرض يجب إعمارها، تحقيق نتيجة البناء والإنتاج.

هنا يلتقي “كل الناس” في هذه الأمانة في البحث عن تحقيق النتيجة.

  1. أدناها: أمانة الاستخلاف في الأرض.
  2. ثانيها أمانة النفس المطمئنة.
  3. وأعلاها أمانة العبادة.

إن هذه “الأمانات” هي في الحقيقة أمانة واحدة، إذ تتجلى في إرجاع الأنفس الثلاث إلى نفس واحدة، هي النفس المطمئنة التي يجب أن تحوز وتسيطر على المساحة الذاتية كلها. وتكون هي المَلكِة المتربعة على الذات، لأنها هي التي يتقبلها الله عز وجل بالرجوع إليه. لأنها هي التي تحدد:

  • التوحيد.
  • والعبادة.
  • والإعمار.

وهذه العناصر الثلاث هي التي تشكل محور الميثاق الفطري.

فإن تحركت على هذا السبيل، وكبدت على هذا الطريق وتحكمت في المستويات الأخرى، فسينادى عليها بالقول: ” يَاأَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ (27) ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً (28)[27]… إنه “مبدأ الرجوع والعودة”.

ولكن يبقى السؤال العملي العلاجي: إلى أي مدى يجب أن نتعلق بمبدأ النتيجة الدنيوية، إننا نلاحظ أنه كلما تعلق الإنسان بالنتيجة فقط، كلما ازداد مستوى الاضطراب النفسي، وازداد الخوف من عدم القدرة على التغيير.

  1. إن النتيجة لا أهمية لها مادام الإنسان في الحياة.
  2. النتيجة قد تصبح معك أو ضدك فقط عند الغرغرة.

ولهذا فإننا نشتغل مع مستشيرنا على التركيز على “مبدأ الجهد”، لأننا في مبدأ الجهد، نستطيع أن نغير النتيجة، أن نعيد إنتاج النتيجة. ولكننا في حالة التركيز على النتيجة، فإن المريض يفقد الثقة في نفسه ويفقد الثقة في التغيير ويفقد الثقة في إنتاج النتيجة.

وفقدان الثقة يتسبب في القلق، والاكتئاب والاستحواذ، وهذا يخلق موانع الإنتاج والإعمار والتعبد.

إننا ندمج في منهجنا العلاجي، قانون النتيجة فنعطيه مركزه الحقيقي، لنتمكن من إدراكه بالطريقة الصحيحة والتعامل معه من منطلق مبدأ الجهد، فيتم إدماج الجهد والنتيجة في نفس المسار، لأنه لا يجب أن يفترقا في الدنيا، الموت وحده هو الذي يستطيع أن يفرق بينهما.

 ويوم الحساب يجمعهما الله عز وجل فيرفع مبدأ الجهد ويمحو مبدأ النتيجة، وهذا من رحمته الكبرى التي: “وسعت كل شيء”… مبدأ الكلية”[28].

وإننا نتوجه إلى العدالة الإلهية والعظمة الربانية في وضع قانون الجهد أعلى من قانون النتيجة. وذلك لأن الإنسان خطاء بفطرته، ومصحح بفطرته، فهذا التجاذب بين الخطأ والتصحيح يعطي لقانون الجهد الرتبة الأولى.

وتعلقنا العلاجي بهذا المبدئ يأتي من هذه المرجعية ويأتي من ملاحظتنا العيادية، إذ نلاحظ كيف يتغير المريض حين يغير إدراكه لقانون النتيجة وقانون الجهد.

إذن فمنهج التغيير هنا يتبع المراحل التالية:

  • إدراك قانون النتيجة وقانون الجهد.
  • دمج قانون الجهد وقانون النتيجة.
  • الإعلاء من قانون الجهد وجعل قانون النتيجة تابع.
  • استشعار مبدئ الكلية المرتبط بالرحمة: ” ورحمتي وسعت كل شيء”.

ولتوضيح هذا المسلك نسوق حديث من قتل 99 نفسا: عنْ أبي سعِيدٍ سَعْد بْنِ مالك بْنِ سِنانٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه أَن نَبِيَّ الله صَلّى اللهُ عَلَيْهِ وسَلَّم قَال: «كان فِيمنْ كَانَ قَبْلكُمْ رَجُلٌ قتل تِسْعةً وتِسْعين نفْساً، فسأَل عن أَعلَم أَهْلِ الأَرْضِ فدُلَّ على راهِبٍ، فَأَتَاهُ فقال: إِنَّهُ قَتَل تِسعةً وتسعِينَ نَفْساً، فَهلْ لَهُ مِنْ توْبَةٍ؟ فقال: لا فقتلَهُ فكمَّلَ بِهِ مِائةً ثمَّ سألَ عن أعلم أهلِ الأرضِ، فدُلَّ على رجلٍ عالمٍ فقال: إنهَ قَتل مائةَ نفسٍ فهلْ لَهُ مِنْ تَوْبةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ ومنْ يحُولُ بيْنَهُ وبيْنَ التوْبة؟ انْطَلِقْ إِلَى أَرْضِ كذا وكذا، فإِنَّ بها أُنَاساً يعْبُدُونَ الله تعالى فاعْبُدِ الله مَعْهُمْ، ولا تَرْجعْ إِلى أَرْضِكَ فإِنَّهَا أَرْضُ سُوءٍ، فانطَلَق حتَّى إِذا نَصَف الطَّريقُ أَتَاهُ الْموْتُ فاختَصمتْ فيهِ مَلائكَةُ الرَّحْمَةِ وملائكةُ الْعَذابِ. فقالتْ ملائكةُ الرَّحْمَةَ: جاءَ تائِباً مُقْبلا بِقلْبِهِ إِلى اللَّهِ تعالى، وقالَتْ ملائكَةُ الْعذابِ: إِنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خيْراً قطُّ، فأَتَاهُمْ مَلكٌ في صُورَةِ آدمي فجعلوهُ بيْنهُمْ أَي حكماً فقال قيسوا ما بَيْن الأَرْضَين فإِلَى أَيَّتهما كَان أَدْنى فهْو لَهُ، فقاسُوا فوَجَدُوه أَدْنى إِلَى الأَرْضِ التي أَرَادَ فَقبَضْتهُ مَلائكَةُ الرَّحمةِ» متفقٌ عليه. وفي روايةٍ في الصحيح: «فكَان إِلَى الْقرْيَةِ الصَّالحَةِ أَقْربَ بِشِبْرٍ، فجُعِل مِنْ أَهْلِها» وفي رِواية في الصحيح: «فأَوْحَى اللَّهُ تعالَى إِلَى هَذِهِ أَن تَبَاعَدِى، وإِلى هَذِهِ أَن تَقرَّبِي وقَال: قِيسُوا مَا بيْنهمَا، فَوَجدُوه إِلَى هَذِهِ أَقَرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفرَ لَهُ». وفي روايةٍ: “فنأَى بِصَدْرِهِ نَحْوهَا”.

هذا الرجل توفي: “هنا دخلنا إلى قانون النتيجة. النتيجة أنه مات وهو قاتل، قاتل ل 100 نفس” وليس ل 99 نفسا.

تخاصمت فيه الملائكة: “هنا دخلنا إلى دمج قانون النتيجة وقانون الجهد”.

التدخل الرباني: “أمر ملائكته بقياس المسافة بين القرية التي تعمل الخبائث والقرية المتوجه إليها بالتوبة …”

التدخل الرباني برحمته: “أن قرب المسافة بين الرجل القاتل الميت والقرية الصالحة، والنتيجة أن أخذته ملائكة الرحمة.

المقياس الرباني “أن رحمته وسعت كل شيء”: هنا ندخل بالكلية في قانون الجهد، وذلك أن الرجل لم يتب.. فقط كان متجها إلى التوبة، فنعود ونقول، سبحان الله الذي وسعت رحمته كل شيء.

  • ما أعظم ربنا.
  • ما أعظم رحمته.
  • وما أعظم رفقه.

فمن هذا الذي يريد أن يخرج من هذه الرحمة؟

من روائع هذا الحديث الذي يمثل مبادئ كبرى في العقيدة الإسلامية وفلسفتها: هو أن الحديث يشير إلى اختصام ملائكة الرحمة وملائكة العذاب:

  • فملائكة الرحمة كانت تتشبث وتدافع عن “سلوك السبب والجهد”.
  • وملائكة العذاب كانت تتشبث وتدافع عن “سلوك ومبدأ النتيجة”.

فمن مبدأ الأسباب والجهد تتفاعل مع ملائكة الرحمة

ومن مبدأ النتيجة تتفاعل مع ملائكة العذاب.

  • فالارتباط بالأسباب هو ارتباط بالرحمة.
  • والارتباط بالنتيجة هو ارتباط بالعذاب.

فكم من حالة العذاب والضياع النفسي وحالة الانتحار ارتبط أصحابها بالنتيجة، وغفلوا عن الجهد والسبب.

2-     المسلمات العلاجية

1. مسلمة الخيرية

أعتقد أن قوة علم النفس الفطري تتجلى في كونه يضع “الخيرية” من المكونات الأساسية لفطرة الإنسان، والموجودة في كل الناس، وأن الأخطاء المرتبطة بالفطرة هي عرضية في هذا المحيط العميق والكبير من الخيرية. ويبقى للإنسان أن يقرر في أي محيط يريد أن يسبح، وهذا التوازن أيضا يمكن أن يٌخلق في أي وقت، وفي أي مرحلة من الحياة.

وعملنا العلاجي هو توجيه المستشير إلى شيئين:

  • التركيز على السلوكيات الخيرية التي قام بها ويقوم بها الآن.
  • تقوية السلوكيات الخيرية رغم هذا البحر الٌجي من الاضطرابات.
  • أن نوجه المستشير إلى فعل الخير وسلوك الخير والتفكير في الخير.
  • والعفو والسماح.

وهذا المبدأ كما تلاحظون يدخل في تناغم كبير مع المبادئ الأخرى ومنها على سبيل المثال:

  • قانون العدالة.
  • قانون النتيجة.
  • قانون السبب.

3.     مسلمة “لكل داء دواء”

رفض الغزالي رأي من يقول إن الأخلاق لا تتغير، وقال في الرد عليهم: “لو كانت الأخلاق لا تقبل التغيير لبطلت الوصايا والمواعظ والتأديبات، ولما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : حسنوا أخلاقكم. وكيف ننكر هذا في خلق الآدمي، وتغير خُلق البهيمة ممكن، إذ يُنقل الباز من الاستيجاش إلى الأنس… والفرس من الجماح إلى السلاسة والانقياد، وكل ذلك تغيير في الأخلاق.” النجاتي

وهذه المسلمة تشكل عقيدة الطبيب المسلم، لاعتقاده في كلام النبي الذي لا ينطق إلا عن علم مطلق حين يتكلم عن الله، إذ يؤكد الرسول صلى الله عليه وسلم في عدد من الأحاديث: أن الله أنزل الداء وأنزل الدواء. أي أن الله عز وجل حين أنزل الداء حَينَ معه نزول الدواء. فنزول الداء ونزول الدواء يقع في نفس الوقت. ولهذا فلا يمكن أن نعتقد في المرض المزمن أو المرض الذي لا يعالج. بل نعتقد في نقص الإنسان ونقص علم الطبيب والباحث فقط.

هذه المسلمة يتم مناقشتها مع المريض، ونحاول أن ندفعه إلى استشعار إمكانية العلاج، والصبر في البحث عن الدواء.

4.     مسلمة الشمولية

ويذهب ابن سينا إلى وجود علاقة وثيقة بين النفس والبدن، فالتغيرات في الحالات النفسانية، تحدث تغيرات في الحالة البدنية. إذ يقول: “جميع العوارض النفسانية يتبعها، أو يصحبها حركات الروح إما إلى الخارج وإما إلى الداخل… والحركة إلى الخارج إما دفعة كما عند الفزع، وإما أولا فأول كما عند اللذة وعند الفرح المعتدل. والحركة إلى الداخل إما دفعة وواحدة كما عند الفزع، وإما أولا كما عند الحزن…”، ويعني ابن سينا بحركات الروح حركات الدم. وقال في الإجابة عليها باحتمالين. أحدهما هو أن الانفعال يحدث مصاحبا للتغيرات الفسيولوجية، وهو ما قال به كل من “كانون وبارد”، أما الاحتمال الثاني الذي قال به ابن سينا، وهو أن الانفعال يحدث أولا، ثم تتبعه التغيرات الفسيولوجية، فلا يقول به أحد من علماء الفسيولوجيا وعلماء النفس المحدثين. عثمان النجاتي

لذا فالعلاج النفسي يضم العلاج الطبي ويتكامل معه وليس هناك تناقض أو تضاد بين العلاج الكيميائي والعلاج النفسي، بل هناك تكامل وتناسق، ولربما يفشل العلاج النفسي إذا أغفل الجانب العضوي أو همش أو قلل من شأنه…”35

نظرة الباحث النفسي للمرض يجب أن تكون شمولية، من أول وهلة يجب أن ينظر لهذا المريض على أنه جسد ونفس، يتطوران معا جنبا إلى جنب، بينهما تفاعلات مستمرة وتأثير عكسي لا ينقطع إلا بموت صاحبه...35. شاهدي الوزاني

يرجع ابن سينا أسباب الأمراض النفسية كالكرب والقلق إلى أسباب عضوية وهو ما يعرف في عصرنا الحالي باسم الاضطرابات التي نلاحظها ولكن لا يوجد وراءها اضطراب وظيفي أي تلك التي تصيب وظيفة العضو دون العضو نفسه. عبد الفتاح محمد العيسوي  1993.

الشمولية: العقل –العاطفة –النفس –الروح –الجسد- السلوك- الزمان- المكان- البيئة- الأسرة- المجتمع- الدولة – الأمة – العالم – الكون …

ويذهب العلم الجيني وخاصة “Epigénétique” إلى تكريس تصور علم النفس الفطري في العديد من مسلماته ومنطلقاته، وخاصة منها: الشموليةـ، المسؤولية، الخيرية…، بحيث يعتقد علماء “Epigénétique”، أنه بإمكان تغيير في التركيبة الجينية بتغيير التفاعل الإنسان مع بيئته وتغيير طريقة تصرفه مع نفسه ومع مجتمعه.

وفق هذا التصور يجب علاج المريض على هذا المنوال، بحيث يقوم الطبيب والمعالج بإدخال هذه العناصر وفق قانون التدرج واليسر.

  • فهم المرض والمريض.
  • موقف متناغم مع مصادر المرض.

يعني أن على الطبيب أن يطرح منهجية علاجية حسب قدرة المريض، في الأخذ بالدواء النفسي أو الطبيعي، وتطبيقه على مستوى الواقع.

فما هي العناصر التي يمكن دمجها لتحقيق أفضل نتيجة علاجية؟

  • العقل والجسد: في كل وقت كل مكان.
  • العاطفة والسلوك: في كل وقت كل مكان.
  • البيئة والروح: في كل وقت كل مكان.
  • الروح والجسد: في كل وقت كل مكان.
  • السلوك والعقل: في كل وقت كل مكان.
  • السلوك والعاطفة: في كل وقت كل مكان.
العقل
الجسد    فيكل زمان ومكان
الروح
السلوك
البيئة
العاطفة
الروح
الجسد    فيكل زمان ومكان
العقل
السلوك
البيئة
العاطفة
العاطفة
الجسد    فيكل زمان ومكان
الروح
السلوك
البيئة
العقل

عزة المرجعية


[1] المؤمنون 14.

[2]معالم أصول الدين.

  1. [3] العلاج النفسي وخطورة المنطق، الأبعاد النفسية لعلم السلوك الإسلامي، دار ابن حزم، 2008

[4] التفكر من المشاهدة إلى الشهود: دراسة نفسية إسلامية نشر المعهد العالمي للفكر الإسلامي، دار الوفاء، مصر، 1991

[5] سورة الصف

[6] – “إن الأفكار الجديدة تحارب لأنها لم تصبح عادة”.

[7] – “التقدم المادي التقني”.

[8]إدريس عبد السلام شاهدي الوزاني

[9] العلم بالله

[10] عثمان النجاتي

[11] في كتابه خطورة المنطلق.

 [12]شريف هزاع شريف

[13] شريف هزاع شريف

[14]– وقد عبر عالم الأحياء الأمريكي جي. دبليو. هاربر G. W. Harper عن رأيه حول هذا الموضوع قائلا:

“كثيرا ما يدعي البعض أن الداروينية محورية بالنسبة لعلم الأحياء الحديث. ولكن على العكس، إذا اختفت فجأة كل الإحالات إلى الداروينية، سيظل علم الأحياء دون أي تغيير يذكر…“

[15]كتاب: مدخل إلى علم النفس الإسلامي

[16]– الملك: الآية 3

[17]–  سورة المزمل

[18]– لسان العرب

[19] – سورة الروم: 30

[20] – سورة الشعراء: 78

[21]– سورة يس: 22

[22]– د. النجاتي

[23]هزاع شريف هزاع

[24]– الفعالية: دمج الوقت والمال والجهد والنتيجة.

[25] – النفس: المطمئنة، اللوامة، الأمارة.

[26]– سورة الأعراف، 56.

[27]– الفجر

[28]– مبدأ الكلية: من المبادئ الكبرى التي يتمحور حولها علم النفس الفطري، وسنعود لنفصل في هذا المبدأ في كتاب لاحق إن شاء الله.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *