د. الحضري لطفي

من خلال دراستي وعملي في ميدان العلاج النفسي استشفيت بقوة الفراغ العلاجي على مستويين:

  1. المستوى الروحي
  2. المستوى الحضاري

يتجلى المستوى الأول في الغياب شبه التام للجانب الروحي في علم النفسي الغربي عموما. وهذا على خلاف الرؤية الإسلامية للإنسان التي ترى أن هذا الأخير لا يمكن تسميته بالإنسان عند غياب الجانب الروحي.

أما على المستوى الحضاري فإننا نلاحظ أن علم النفس الغربي بِحُكم نشأته فهو يدرس الإنسان الغربي بمرجعيته المادية، الداروينية، المسيحية، وكل هذا يؤثر على تصور الباحث للإنسان، وبالتالي يجعل “الفعل العلاجي” خال من الجانب الروحي.

ويكفي لمن يهتم بالأمر أن يدرس ابستمولوجيا العلوم الإنسانية ليدرك مدى تغلغل الإيديولوجيات في تصورات مؤسسي النظريات في العلوم الإنسانية، وخاصة مدرسة التحليل النفسي وعلى رأسهم فرويد.

ولهذا أصبح من اللازم علينا أن نعتبر هذا المعيار الحضاري وأن نغوص في هذه الخصوصية.

ولا يمكن لأي فرد أن يحقق أدنى مستوى من السعادة إلا بتحقيق الفطرة.

وبحثنا يدور في فلك المستويات التالية:

  1. الفهم
  2. التثبيت
  3. الوقاية
  4. التصحيح
  5. التطوير
  6. العلاج
  7. “التخليد”

إن الاستمداد من القرآن والسنة يحدد تصورنا للإنسان والنفس والمجتمع كما يوجه منهجنا العلاجي، فحين نغترف منهما فإننا نكون متواجدين وقريبين من “دليل الخلق” لفهم الإنسان، لأن الله عز وجل هو الخالق، حيث يقول في كتابه الحكيم: “أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ”، ولا يمكن لأي أنسان أن يفهم الإنسان ويفهم حقيقته أكثر من خالقه. ففهم الإنسان يتطلب منا الرجوع إلى “دليل الخلق”، الذي وضعه الله للإنسان. فكل صانع – ولله المثل الأعلى-يضع “دليل التشغيل” لأي آلة يصنعها، ومن يحاول أن يشغلها بدون دليل، فهو حتما سيكسرها أو على الأقل سيعطلها، وبنفس المنطق، هذا ما سيقع لكل من يتعامل مع الإنسان خارج “دليل الخلق”.

وبالطبع فإننا نخطئ كبشر في فهم واستنباط القواعد والمناهج العلاجية من هذا الدليل، وتطبيقها على مستوى الواقع. وهذا بالطبع مرتبط بالنقص الإنساني.

فالمساحة التي تفصل بين النقص الإنساني في البحث والكمال الإلهي المطلق في العلم، هي المساحة التي تفصل بين النص –”دليل الخلق”- وفهم النص، تفسيرا وتأويلا.

فاعتبارا لخصوصية الإنسان، كان لزاما على مدارس علم النفس أن تتفرد عن بعضها لتخدم الإنسان من حيث مقاربتها النظرية ومنهجيتها العلاجية. وإن كان هذا الاختلاف مرتبط بمرجعية الطبيب فهو أيضا مرتبط باحترام خصوصية  المريض.

فمن إيجابيات هذا التنوع المعتبَر أنه يعطي للمختص طرقا ومناهج يستطيع من خلالها التعامل مع سلوكيات المرضى وتعديلها، مهما اختلفت مرجعياتهم.

فعندما نقرأ كتب تاريخ علم النفس، فإننا نجد فيها مصطلحات مثل: “علم النفس الأمريكي”، و”علم النفس الإنجليزي”، وعلم النفس السوفياتي”، وعلى هذا النحو أيضا نقول كذلك “الفلسفة اليونانية والفلسفة الإسلامية”. وهذا رد جامع لمن يرفض مفهوم علم النفس الإسلامي، ويعتبر أن العلم هو خارج المرجعيات الدينية والعقائدية، ولكن الواقع يقول عكس هذا، لأنه كما ذكرَ الدكتور النجاتي أن هناك مرجعيات ظاهرة يقول بها المختصون، ويحق لهم ذلك ولكن يرفض هذا الحق عندما نتكلم عن علم النفس الإسلامي.

وأقول في نفس السياق بأننا نتكلم وبدون أي تكلف ولا حرج علمي عن الهندسة الهندية والصينية بل وعن الهندسة الإسلامية، ونحن هنا نتكلم عن ميادين تتعلق بالعلوم الدقيقة فكيف إذا تكلمنا عن العلوم الإنسانية.

إذا قالت أوروبا عن دينها بأنه غير موضوعي وغير علمي.. فلتقل، أما المسلم فقد تعلم الموضوعية وتعلم العلمية من هذا الدين، ويشهد التاريخ أن الحركة العلمية الكبرى –التي تعلمت منها أوروبا المنهج التجريبي العلمي- كانت من منجزات هذا الدين، ولم تكن الأمة الإسلامية – قبل إسلامها- أمة عِلمٍ، وإنما صارت كذلك حين اعتنقت الإسلام ومارسته بشموليته وموضوعيته وعلميته في كل جوانب الحياة. محمد قطب

ولا يخفى على متتبع تاريخ العلوم التجريبية أن هذا العلم تطوَّر وتأسَّس في أحضان الحضارة الإسلامية.. وقد كان ابن الهيثم من رواد هذا العلم.. حيث انتقد الصياغة الإغريقية التي كانت غارقة في التجريد النظري وتجاوزها، مع أنه كان هناك من العلماء في الحضارة الإغريقية مَنْ ينظر إلى التجريب بأنه شيء دنيوي وحقير. ومع أن الحضارة الغربية ترجع تأسيس هذا المنهج العلمي الأصيل إلى “بيكون” إلا أن هذا العالِم نفسه يعترف في كتبه، بأنه أخذ هذا المنهج من ابن الهيثم وابن سينا.

ونقول مع الدكتور الشاهدي الوزاني[1]، هذا البحث ليس ردا متعصبا وليس موقفا دفاعيا، بل هو نتاج تجربة وممارسة ميدانيتين في مجال الطب النفسي والعلاج النفسي، ممارسة مليئة بالتفكر في حقيقة هذا الإنسان على اختلاف دينه ومعتقده وثقافته وجنسه، ممارسة لمهنة الطب النفسي كتخصص طبي اتفق العالم على توحيد مصطلحاته التشخيصية على وجه الخصوص واختلف حول أساليب وفنيات العلاج النفسي. ولم يكن هذا الاختلاف حاصلا لولا اختلاف منطلقاته.


[1] في كتابه خطورة المنطلق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *