تحدد المرجعية الفكرية جميع أنواع السلوكيات اليومية، و تضع بكل ثقلها على توجيه التواصل الاجتماعي و التواصل اللغوي و الحركي. و بهذا تكتسي المرجعية الفكرية صبغة مهمة لتأطير الفكر المجتمعي في جميع توجهاته العقائدية و الثقافية و كذلك العلمية. لهذا فإن تطور المرجعية الفكرية تمر بمراحل عديدة منها التكوين و التعميم و التطبيع ثم الترسيخ. فالأفكار الجديدة لا تدخل المجتمع بصفة كلية أي مباشرة، لأن هذا الإقحام المباشر قد يتناقض مع أسس المرجعية الفكرية فيرفضها المجتمع بصفة كلية.

لهذا يتم الرمي بعناصر مجزئة داخل المرجعية الأصلية، لكي لا يجد المجتمع تناقضا جوهريا مع الفكرة “الجديدة”، فتأتي عناصر مركبة فترتبط بالجزئيات الأولية لتشكل محاور جانبية للمرجعية الفكرية الأصلية، فإذا ثم ذلك، و انقسم المجتمع بين مؤيد و معارض، تتحول هذه الجزئيات من محاور جانبية إلى محاور رئيسية في الفكر المجتمعي لتتطور إلى مراحل التطبيع و الترسيخ.

أحاول في هذا البحث تبيان كيف أن المرجعية الفكرية تتبلور من خلال تصادم الفكر مع الواقع و تصارع الأصل مع الغريب، و كيف يمكن أن يصبح هذا الغريب محورا أساسيا في المرجعية الفكرية، حتى يقبله من كان يرفضه بالأمس، دون أن يعي كيف ثم إيصاله للقبول بالأفكار المغتربة.

و نرى في بعض “الحركات” في فرنسا مثالا واضحا على قدرة تغيير المرجعية الفكرية للمجتمع. حيث أن الحركات النسوية ساعدت في فرنسا عن قصد أو غير قصد على تطور الحركة التي تدعو إلى الاعتراف بالشذوذ الجنسي. إذ يذهب بعض الباحثين للقول بان هذه الحركة النسوية غيرت رؤية المجتمع لمفهوم الذكورة، و جعلت من الجنس المحرك الأساسي للعلاقات الاجتماعية، بل دافعت عن  التحرر الجنسي بكل مشاربه. هذه الدعوة استفاد منها الشواذ للإعلان على الحرية الجنسية المطلقة، و الأغرب من هذا، هو أن الشواذ استفادوا أيضا من “الجمعيات و الأحزاب البيئية” إذ أصبح مفهوم البيئة مرتبط بمفهوم الطبيعة، بمعنى أن يعيش الإنسان مع الطبيعة و على طبيعته. فأصبح الشواذ يصيغون هذا المفهوم للطبيعة حسب فلسفتهم إذ هم الذين يعيشون طبيعتهم برغبتهم المنحرفة، أي أن سلوكياتهم طبيعية عادية و سوية.

العلاج النفسي حول مفهوم السر.

يعتبر مفهوم السر عند العائلة الشاذة مطية مهمة للعلاج النفسي، و يعطيه المعالجون النفسانيون أهمية قصوى. تعرف هذه العائلات بإخفاء الحقائق كثيرا حول زنا المحارم، عبر استعمال مفهوم (الدفاع ضد التشتت العائلي). هذا المفهوم يدفع جميع الأفراد إلى السكوت، بمعنى أن كل من فاه بشيء قد يعرض هذه العائلة للتشتت، بل إن الكلام هو تعريض أحد أفرادها للسجن، لهذا يعتبر خائنا للعائلة.

فالعلاج النفسي يدور حول مفهوم السر، و هو في الحقيقة يدور حول معنى الدفاع عن العائلة، إذ يقوم المعالج النفسي بمحاولة تحديد قوانين الدفاع و الحماية و السرية من الناحية النفسية. و من بين “المعاني” التي يستعملها المحلل في العلاج النفسي العائلي:

                           -ما معنى السر؟

                           -ماذا لو بقي هذا السر مختفيا؟

                           -من يستفيد من إبقاء السر مختفيا؟

                           -ما أهمية السر في العائلة؟

                           -من كان يحاول جاهدا الاحتفاظ بالسر؟

                             -ما هي الآليات التي كانت تستعمل لإبقاء السر مختفيا؟

                           -هل كان أحد أفراد العائلة غير مطلع على السر؟

العلاج النفسي حول مفهوم الخيانة العائلية.

الخيانة مرتبطة كثيرا بمفهوم السر، بل إنهما متداخلان و يشكلان وحدة متراصة، إذ أن إظهار السر هو في الحقيقة (خيانة للعائلة) هذه العائلة الشاذة تعتمد في تثبيت قواعد الترابط العائلي على هذا المفهوم، فتربيه و تنشؤه في نفسية الطفل، فيكبر هذا الأخير و هو في حالة إدمان على هذا المفهوم. إذ يعتبر “الولاية العائلية” فوق كل شيء، هذه الولاية تقتضي السكوت عن أي تصرف حتى و لو كان على حساب التطور النفسي و البدني، حتى ولو كان على حساب الاغتصاب، اغتصابه هو نفسه، أو اغتصاب شخص  آخر من العائلة.

 هذا التماسك المرضي معروفا عند العائلة الشاذة (la famille rigide) و هذه العائلة تنشئ قواعد صلبة يتربى فيها و من خلالها الطفل، بمعنى أن هذا الأخير يرتبط بالقواعد  أكثر من ارتباطه بمصلحته هو، بل إن الإطار العام للتربية لا يسمح له بالتفكير في فائدة القواعد لمعرفة أهميتها من عدمها، حيث يرتبط بها ارتباطا معنويا و نفسيا.

هذا المحيط العائلي يجعل من حب العائلة و حب القواعد نفس الشيء، فيتولد عند الطفل فهم يصاغ على أساسه أن تجاوز القواعد هو تجاوز لمحبة العائلة. و بالتالي فإن هذا التشدد في تقريب مفهوم القواعد و مفهوم المحبة يجعل من المستحيل أو من الصعب تكسير هذه القواعد.

فالتكسير يسهل إذا كان الشيء مرن، و يصعب إذا كان هذا الشيء صلب، لهذا تسمى هذه العائلة بالعائلة الصلبة و إن كانت هذه التسمية من الناحية النفسية تسمية مرضية.

خروج الطفل عن القواعد العائلية يحتاج إلى مصدر ثالث، لهذا و انطلاقا من تجاربي الميدانية، لم أشاهد أي طفل يقدم شكاية بطريقة مباشرة، فالذي يقع غالبا هو أن هذا الآخير يظهر عليه بعض العوارض المرضية “نفسجسدية”، يدخل في علاقة مع الطبيب أو الأستاذ أو المساعدة الاجتماعية، و هذه العلاقة حينما تتخذ شكلا معينا من الثقة و التواصل العاطفي، يستطيع الطفل تصفية حسابه مع القواعد الصلبة، و مع مفهوم الخيانة العائلية، إذ ذاك يفصح عن مكنون ذاته.

نجد في إطار هذا التحليل تداخل لثلاث مستويات من المفاهيم:

                           -الولاء العائلي. la loyauté familiale

                           -الخيانة العائلية. familiale la trahison

                           – العائلة الصلبة أو القواعد الصلبة.  

كتاب مشترك:  التوزع بين الأدوار للمرأة الموظفة

تعيش المرأة الموظفة ظروفا تجعلها عرضة للعديد من الأعراض النفسية والسلوكية، ذلك أن هذه الظروف لا تمكنها من التوفيق بين دورين كبيرين دور الأم و دور الموظفة.

سأتطرق في هذا البحث لتوضيح التأثيرات النفسية والسلوكية للعناصر التالية:

مفهوم الغياب و الحضور

الإنهاك المهني

الاحتراق العاطفي

يضع علم النفس إشكالية آشتغال المرأة على مستوى تأثير غيابها على البناء النفسي للطفل، وعلى مستوى اطمئنانها النفسي.

مفهوم الغياب و الحضور

غياب الأم يناقش على المستوى النوعي لا الكمي ويرتبط ارتباطا وثيقا بمراحل نمو الطفل.

يلاحظ أن الطفل وهو في الثلاثة الأشهر الأولى من حياته يكون متعلقا بأمه، و لا يستطيع استيعاب غيابها، و قد قام  بياجي  بتجربة يؤكد هذا المنحى. فأنت حين تظهر للطفل في هذه المرحلة شيئا ما، ثم تخفيه عنه فهو لا يبحث عنه بل ولا يتبعه حتى بعينه. فبالنسبة له، الشيء الذي يختفي فهو يختفي من الوجود. وحين يتجاوز الطفل هذه المرحلة فإنك حين تخفي ذاك الشيء فإنه يتبعه بعينيه. بل و يبحث عنه في المراحل المتقدمة، إدراكا منه بأن الشيء الذي يختفي من مشهده يبقى موجودا.

وقياسا على حضور وغياب الأم فإن هذه المرحلة تعتبر ضرورية للنمو النفسي للطفل. بحيث أن غياب الأم عن مشهده، يدرك من طرفه الطفل على أنه غياب شامل و تام.  يخلق هذا عند الطفل ما يسمى “بقلق الانفصال”. ولكن بعد ستة أشهر فإنه يصبح في استطاعته إدراك غياب الأم من مشهده ولكن وجودها في مكان أخر، و هذا الوجود يعطيه إحساسا بالراحة.

نعتبر حضور الأم في هذه المرحلة جد مهم و بالغ الأهمية في النمو النفسي والاجتماعي الطبيعي للطفل.

وأشير في هذا الموضع إلى أهمية لعب الأم مع ابنها لعبة “الاختفاء والظهور” فهذا يعتبر تكريسا لإستيعاب الطفل مفهوم الغياب. فالأم حينما تخفي وجهها ثم تظهره فإن هذا يسمح للطفل إدراك “العلاقة العاطفية” بأنه حين تختفي الأم فإنها ستظهر حتما للوجود.

كتاب:  العنف ضد المرأة أي مقاربة

العنف ضد المرأة لا يجب أن يحارب فقط على مستوى علاقة الرجل بها، من حيث الاعتداء الجسدي. بل هناك ما هو أكثر من هذا و هو ما نسميه بالعنف النفسي الذي لا يتم الكلام عنه بالمغرب و الذي يجب أن تعطيه الجمعيات الحقوقية أهمية كبرى لما له من تأثير على تحطيم نفسية المرأة و تجريدها من إنسانيتها و كرامتها.

و من هذا العنف النفسي، العنف الذي تمرره الإعلانات التجارية عبر الصور التي تظهر مفاتنها، و النتيجة الحتمية حسب الدراسات الأوروبية و الأمريكية أن المرأة تصبح في ذهن الرجل بائعة الهوى، و”دمية جنسية متحركة” في يده.  يباع كل صالح وطالح من خلال وعلى حساب جسدها بل أقول وعلى حساب كرامتها. ولا تجني المرأة المغربية إلا العنف الذي تولده هذه المشاهد في مخ الرجل من حيث “المرأة دمية جنسية”.

ويمكن أن أشير إلى أن العنف الجسدي ما هو إلا تجسيد يقوم به الرجل بعد أن كون صورة سلبية كارثية عن المرأة، تصبح هذه الصورة المرجعية الوحيدة للتواصل الأسري والتواصل الاجتماعي و المؤسساتي مع المرأة. يقول ويلسون كي” بعد تدريب الرجل على رؤية المرأة كأداة جنسية فحسب، فإن الشاب الأمريكي الموجه من قبل وسائل الإعلام يجد أنه من أصعب الأمور أن يتعامل مع ،و يتواصل مع، المرأة على أنها كائن بشري”.

يتم تدريب النساء بحرص من قبل وسائل الإعلام، لرؤية أنفسهن على أنهن لسن ملائمات. يتم تعليمهن أن النساء الأخريات و من خلال شراء الملابس، و المستحضرات التجملية، و الطعام و الكفاءات والهوايات، و المهن. فحاجة أولئك النساء لإثبات مقدرتهن و كفاءتهن الجنسية (عبر العروض المغرية و الجذابة التي يقمن بها) أصبحت بشكل ساحق الشغل الشاغل. وبالطبع و في ذلك الربح الوفير للتاجر ولكن بالنسبة للأفراد فهي حتما كارثة كامنة.

إحصائيات الأمريكيين الشماليين أظهرت أن الطلاق حوالي سن الأربعين هو حدث متوقع بشكل كبير. عادة الذكور يتزوجون ثانية بامرأة شابة، بينما المرأة المتقدمة في السن، فإنها على الأغلب تنفرد في عزلتها و تعاني من النفور الجنسي لبقية النصف الآخر من حياتها.

كل الدراسات تؤكد بأن الصورة التي يكونها الفرد على أي شيء هي التي تحدد طريق التعامله، وهكذا يكون السلوك نتيجة مباشرة لهذه الصورة المركبة.

وهكذا فإن الأفكار السلبية التي قذفت داخل المجتمع على أساس أنها من الدين وهي ليست كذلك. يجب محاربتها لكي لا تصبح راس الحربة التي يضرب بها الرجل زوجته وأخته و في بعض الأحيان حتى أمه. كما تأتي الصور والمشاهد الخليعة لتلعب نفس الدور في العنف ضد المرأة. و يقدم Weaver (1994) أدلة كافية على أن الرجال الدين يشاهدون الصور الخليعة الجنسية، ينمو لديهم نوع من القسوة أو عدم الرغبة في النساء.

نفس النتيجة توصل إليها  Zillaman et Bryant (1988) ، حيث شكل هذان الباحثان مجموعتين من الراشدين، إحداهما تجريبية: كانت تعرض عليها يوميا أشرطة فيديو خليعة. أما المجموعة الثانية فهي ضابطة، كانت تعرض عليها برامج عادية. وقد توصل فريق البحث إلى نتيجة مفادها: كون التعرض للمشاهد الداعرة، جعل شباب المجموعة الأولى أقل رغبة في الزواج و تكوين أسرة، بل تكونت عند هؤلاء الشباب قناعة أن لا ضرورة في إنجاب الأطفال، لأن ذلك حسب رأيهم يجرهم للتضحية وبذل الوقت والجهد. بينما لم تظهر هذه الأفكار بين أفراد المجموعة الضابطة”. ويقول الدكتور جميل عطية بعد أن استعرض العلماء آنفي الذكر “إن سهولة انتشار هذه المشاهد في أيامنا هاته، جعلها في متناول الكبير والصغير. وهنا يكمن الخطر والجوانب السلبية، فالطفل دو12  ربيعا إذا ما تعرض لهذه “الخلاعة”، تترسخ في ذهنه أكثر من غيره، و نتيجة لذلك فالمرأة في نظره سوف تصبح مجرد موضوع جنسي لا غير، هدفها هو تلبية رغبات الرجل”.

كما تذهب دراسات أخرى إلى أن مجرد مشاهدة الصور الخليعة ذات طابع جنسي، يزيد من حدة العنف عند الرجل. بل إن العديد من حالات الاغتصاب ضد المرأة يكون سلوكا سلبيا لكثرة الصور الجنسية المعلقة في الدكاكين و الساحات العمومية. و يكفي التجوال في مركز “”Mega Moll لتعرفوا كيف أصبحت المرأة  تهان على مر السنة. و كيف يمارس ضدها عنف قاتل بدون انقطاع.

“ومن أراد التوسع فليرجع إلى الكتاب.”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *