الصحة والمرض من منظور علم النفس الفطري


د. الحضري لطفي


نتناول في هذا الكتاب موضوع الصحة والمرض من منظور علم النفس الفطري، حيث يقدم رؤية شمولية تتجاوز التصورات التقليدية للاضطرابات النفسية والعقلية، ويربط بين البعدين المادي واللامادي في فهم الإنسان ومعاناته. فالمرض ليس مجرد حالة عضوية أو نفسية معزولة، بل هو جزء من منظومة أشمل تتداخل فيها الأبعاد القلبية، العقلية، والروحية، مما يستدعي إعادة النظر في التصنيفات التقليدية للمرض والصحة.

من هذا المنطلق، يسعى الكتاب إلى تقديم تصنيف واضح لأنواع الأمراض، والتفريق بين الأمراض النفسية التي ترتبط بالمشاعر والانفعالات، والأمراض القلبية التي تتصل بالسلوكيات والاعتقادات العميقة، والأمراض العقلية التي تؤثر على القدرة الإدراكية والتفكير، وكذلك الأمراض ذات البعد “مسي-غيبي”، مثل تلك الناتجة عن المسّ والسحر، والتي غالبًا ما تُهمل في الطب النفسي الحديث رغم وجودها وتأثيرها في كثير من الحالات.

ينطلق الطرح من فكرة أن الإنسان كائن متكامل، لا يمكن تجزئته إلى مكونات مستقلة، وأن أي اضطراب نفسي يجب أن يُفهم ضمن إطار شامل يأخذ بعين الاعتبار العوامل البيئية، والتربية، والمعتقدات، والتجارب الحياتية التي يمر بها الفرد.

من هذا المنظور، لا يمكن الاكتفاء بعلاج الأعراض الظاهرة فحسب، بل يجب البحث عن الأسباب الجذرية التي تؤدي إلى نشوء المرض، والتي قد تتراوح بين العوامل الوراثية، والصدمات النفسية، وأنماط التفكير الخاطئة، ونقص الجانب الروحي في حياة الإنسان. ولذلك، يقدم الكتاب رؤية جديدة لمفهوم التشخيص، تقوم على التمييز بين التشخيص التقليدي القائم على ملاحظة الأعراض، والتشخيص العميق الذي يهدف إلى فهم الأسباب الأصلية للمشكلة النفسية، حتى يتم تقديم علاج أكثر فاعلية ويحقق نتائج طويلة الأمد.

يتناول الكتاب أيضًا العلاقة بين الصحة النفسية والإيمان، حيث يؤكد أن الإنسان المؤمن يمتلك أدوات تساعده على تجاوز المحن والضغوط بشكل أكثر فعالية، من خلال الصبر، والتوكل، والرضا بالقضاء والقدر. وهو ما يجعل التعامل مع المرض مختلفًا بين من يؤمن بأن هناك حكمة وراء الابتلاء، ومن ينظر إليه على أنه مجرد معاناة بلا معنى.

وهذا المفهوم يُبرز أهمية تصور الإنسان لمرضه، وكيف أن طريقة نظرته له تؤثر على استجابته النفسية والجسمية للعلاج. فالشخص الذي يرى المرض على أنه امتحان وفرصة للنمو الروحي والتقرب إلى الله عز وجل، يكون أكثر قدرة على تحمله والتعامل معه بإيجابية، على عكس من يشعر بأن المرض هو عقوبة أو انتقام، فيغرق في مشاعر الإحباط واليأس التي تزيد من معاناته.

كما يسلط الكتاب الضوء على دور الابتلاء في تكوين الشخصية، ويقدم قراءة تحليلية لبعض القصص القرآنية التي تعكس معاناة الأنبياء والصالحين، مثل قصة النبي أيوب عليه السلام وصبره على المرض، وقصة النبي يونس عليه السلام واختباره في بطن الحوت، وكيف أن هذه الابتلاءات لم تكن مجرد عقوبات، بل كانت وسائل للارتقاء الروحي والتطهير النفسي. ويتناول أيضًا قصة الصحابة الذين تخلفوا عن الجهاد وما تعرضوا له من ضيق نفسي، وكيف أن القرآن الكريم وصف حالتهم بعبارات دقيقة تعكس الاضطراب النفسي الذي عانوا منه، مما يؤكد أن القرآن تناول الأمراض النفسية بمنهج عميق لا يزال يحتاج إلى المزيد من البحث والدراسة.

من خلال هذه الرؤية، نعالج أيضًا بعض الأسئلة الشائكة المتعلقة بالعلاقة بين الإيمان والصحة النفسية، مثل: هل المرض النفسي مؤشر على ضعف الإيمان؟ وهل يمكن أن يكون الشخص المؤمن مصابًا بالاكتئاب أو القلق؟ وما الفرق بين الأمراض النفسية والأمراض القلبية؟ كما يتناول الأمراض التي قد تبدو نفسية ولكنها في الواقع ذات جذور “غيبية”، مثل المسّ والسحر، ويقدم منهجًا علميًا وشرعيًا لفهمها والتعامل معها.

ولم نقتصر على الجانب النظري فحسب، بل قدمنا مجموعة من التقنيات العلاجية المستوحاة من علم النفس الفطري، والتي تهدف إلى مساعدة الأفراد على تجاوز الاضطرابات النفسية والسلوكية بطرق عملية، مثل تقنية “تحويل المقارنة”، التي تساعد الأشخاص على التخلص من مرض المقارنة بالآخرين، وتقنية “التأجيل”، التي تهدف إلى إدارة الأفكار السلبية والمخاوف المستقبلية، إضافة إلى تقنيات أخرى تعتمد على إعادة برمجة الأفكار والمعتقدات من أجل تحسين الحالة النفسية.

كما نناقش مسألة العلاقة بين الصحة النفسية والجسمية، ونوضح كيف أن كثيرًا من الأمراض العضوية لها جذور نفسية، مما يستدعي نهجًا أكثر شمولية في العلاج يجمع بين الطب النفسي، والعلاج القلبي السلوكي، والاستشفاء الروحي.

في هذا السياق، نقدم تصنيفًا شاملًا للأمراض النفسية والقلبية، ونضع إطارًا جديدًا لفهم الفرق بينهما، حيث نوضح أن الأمراض النفسية تتعلق بالجانب الشعوري والانفعالي، بينما الأمراض القلبية تتصل بالمعتقدات والسلوكيات العميقة التي قد تؤدي إلى اضطرابات خطيرة إذا لم يتم التعامل معها بشكل صحيح. فعلى سبيل المثال، قد يكون الحسد، أو الكبر، أو حب السيطرة من الأمراض القلبية التي تؤثر على الصحة النفسية للشخص، وتجعله عرضة لمشاعر التوتر والقلق، مما يؤكد أن علاج هذه الأمراض لا يكون فقط من خلال الأدوية والعلاج المعرفي-السلوكي، بل يحتاج أيضًا إلى تهذيب النفس، وإصلاح القلب، والتقرب إلى الله عز وجل.

ونختم الكتاب ببحث موسع حول الأمراض النفسجسمية، حيث نستعرض العلاقة بين الجسم والعقل، ونوضح كيف أن الضغوط النفسية قد تؤدي إلى أمراض عضوية مثل ارتفاع ضغط الدم، واضطرابات الجهاز الهضمي، وأمراض المناعة الذاتية، مما يجعل العناية بالصحة النفسية ضرورة للحفاظ على الصحة الجسمية. كما نتطرق إلى كيفية تعامل الأنبياء والصالحين مع الأمراض، مستعرضًا بعض المواقف من حياتهم التي تعكس قدرتهم على مواجهة الابتلاءات بثبات نفسي وروحي، مما يجعلها دروسًا يمكن الاستفادة منها في العصر الحديث.

في النهاية، يسعى هذا الكتاب إلى تقديم رؤية متكاملة لفهم الصحة والمرض، بحيث لا يتم التعامل مع الاضطرابات النفسية كحالات منفصلة، بل كجزء من نظام متكامل يشمل الأبعاد النفسية، القلبية، والعقلية، والروحية. وهو بذلك يدعو إلى تجاوز النظرة الضيقة للمرض النفسي، والعمل على إعادة صياغة العلاقة بين الإنسان وصحته النفسية من منظور يتماشى مع الفطرة الإنسانية، ويربط بين المعرفة العلمية الحديثة والحكمة الإيمانية العميقة. كما يقدم حلولًا عملية تساعد القارئ على تحقيق التوازن النفسي والروحي، سواء كان مريضًا يبحث عن العلاج، أو شخصًا يسعى إلى الوقاية من الأمراض، أو معالجًا يريد تطوير فهمه لمجال الصحة النفسية من منظور أكثر شمولًا وعمقًا.

مدخل

قد تثير معالجتي لمفهوم المرض وفق التصور الفطري جدلاً واسعًا لدى البعض، لكنها في الوقت ذاته ستلقى قبولًا وارتياحًا كبيرين لدى شريحة واسعة من الباحثين والمتخصصين، خصوصًا في مجال العلاج النفسي، فضلاً عن الكثير من الناس.

يقول محمد قطب في سياق نفسه: “ولقد خطر لي يوما وأنا في مبتدئ دراستي للقرآن وللإسلام أن للإسلام نظرية معينة في النفس الإنسانية، تنبني عليها كل توجيهاته وتشريعاته، وطريقة معالجته لهذه النفس، وطريقة تربيتها وتقويمها، وأن هذه النظرية لا بد أن تكون موجودة في القرآن. أو في القرآن، وفي أحاديث الرسول، إذ كان الرسول هو التفسير الواقعي للقرآن”…” فالإسلام ليس مقيدا بما أقول… وما أزعم أن هذه هي النظرية الإسلامية… وإنما أقول فقط إنها نظرية إسلامية… اجتهدت فيها بمقدار ما فتح الله علي من طاقة المعرفة… وهو وحده الموفق إلى الصواب. والقرآن ليس كتاباً في نظريات… نفسية أو علمية أو فكرية… ولكنه يحوي التوجيهات الكاملة الكافية لإنشاء هذه النظريات”[1].

القرآن الكريم لا يطرح نظرية نفسية مخططة ومبوبة بتفصيلات وفصول محددة، لأن وظيفته الأساسية هي بناء النفوس وتربيتها، وليس تقديم نظريات علمية أو نفسية بهذا الشكل. ومع ذلك، فإن الإسلام، بصفته رسالة شاملة، يجعل الإنسان محور اهتمامه، حيث يتوجه إليه بالكلام عنه أو مخاطبته مباشرة. لذلك، يصبح من الضروري إعادة صياغة تصور نفسي يأخذ في الاعتبار الخصوصيات الحضارية والثقافية، ويستمد أصوله من الوحي الذي لا يخطئ، مع إدراكنا أننا كبشر قد نصيب أحيانًا ونخطئ أحيانًا أخرى.

عندما نصوغ نظرية في المرض والصحة النفسية تتناغم مع الوحي، فإننا نقترب من فهم أعمق لحقيقة الإنسان ومعاناته الجوهرية. هذا الفهم يتيح لنا تطوير تقنيات ومفاهيم تتجاوز مجرد معالجة الأعراض الظاهرة، لتصل إلى علاج الأسباب الجذرية من جهة، وتحديد مسار السعادة الحقيقية من جهة أخرى. وفي نهاية المطاف، تُسهم هذه النظرية في توجيه الإنسان نحو تحقيق الغاية من وجوده. فكلما انسجمت التقنيات والمفاهيم مع حقيقة هذه الغاية، ازدادت قربًا من الفهم الحقيقي للإنسان، وازدادت قدرتها على إحداث تأثير إيجابي وعميق في حياته.

مسلمة: “لا يمكن أن يتناقض ما جاء في الوحي مع ما يمشي على الأرض”.

وانطلاقًا من هذه المسلمة، فإن الوحي هو المصدر الذي يملك مفاتيح تنمية الإنسان، تطوير قدراته، وعلاج اختلالاته. فلا يمكن لأي علم من العلوم الإنسانية أن يُبنى على مفاهيم تخالف الفطرة. وإذا كانت الفطرة تشكل أساس التركيبة الإنسانية بما تشمل من جسم، تفكير، عاطفة، عقل، وروح، فلا يمكن اختزال هذه التركيبة في الجسم أو الغريزة أو التفكير فقط. فمثل هذا الاختزال يعني أن تلك النظريات تنطلق من تصور خاطئ عن طبيعة الإنسان وحقيقته.

قاعدة: ” ما يتصور من باطل فهو مسلك باطل، ونتيجته باطلة”.

ويقول صديقنا د. الشاهدي الوزاني[2]: “والغاية القصوى التي يطمح لها هذا البحث المتواضع هو التوصل للغرف من القرآن الكريم والسنة المطهرة كمصدر أساسي لفهم كل ما يتعلق بالإنسان من الناحية النفسية، لأنه يحتوي فعلا على كل هذه المبادئ والأسس مجملة، وعلينا أن نكتشفها من خلال معايشتها ومقاساتنا لخلق الله المتعددة مشاربهم وطموحاتهم وانحرافاتهم وإشراقاتهم، لا يمكن أن يكتشف الإنسان السر الكامن في خَلق الخَلق إلا إذا استوعب واستلهم هذا السر في كل ما يتعرض له، يكون همه حقيقة هو اكتشاف هذه الوحدة المتناسقة الموجودة فعلا، والتي تغيب عن أنظارنا وبصائرنا لانشغالنا ببحثنا عنها في غير مظانها”1.

“فأما نحن فما عذرنا في إقامة العداء بين العلم والدين؟ وما عذرنا في تصديق تلك الخرافة التي تقول: إنه ينبغي لنا أن نطرد الدين من مجال البحث العلمي الصحيح؟ للإسلام نظرة مستقلة في النفس الإنسانية. تختلف عن غيرها اختلافا أساسيا. وإن كانت -في الفروع والتفصيلات- قد تلتقي في بعض الأحيان بغيرها من النظريات[3]“..

ويضيف محمد قطب: “يرى دعاة المادية الحديثة أن الدين يمثل قيدًا يعيق التطور الإنساني، ويجب تحطيمه باعتباره ميراثًا ورثناه من أسلافنا في عصور الجهل والتأخر. ففي نظر ماركس، كان الدين يناسب المجتمع الزراعي المتخلف، لكنه أصبح بلا قيمة في المجتمع الصناعي المتطور. أما فرويد، فيراه مجرد كبت جنسي ضار ومُؤْذٍ للإنسان، بينما يعتبره دوركايم مجرد نتاج اجتماعي وظاهرة تنتمي إلى فطرة إنسانية خاطئة وغير ضرورية في عالم الحداثة.”

ويقول د. شريف هزاع شريف: “كان للنهضة الفكرية الإسلامية أثر ملحوظ في تطور العلوم الإنسانية والتطبيقية للأمم المجاورة التي نُقل إليها هذا التراث، والذي ما زال صداه في العلوم المعاصرة التي بدأ الغرب باجترارها وتطويرها وفق منطلقاتهم الفكرية والثقافية والاجتماعية، في حين انحصر التراث العربي الإسلامي في موطنه بين القراءات النقدية التحليلية لإشراقية الماضي وانضواء معظم دارسيه تحت جاهزية المعطيات العلمية والفكرية، بالرغم ما في التراث من زوايا علمية تفرد بها دون تراث الأمم الأخرى لاسيما ما يملكه من تنوع وخصوبة منهجية ونقدية ما زال نبضه سارياً في العلوم المعاصرة، وكان من بين هذه العلوم التي كان للمفكرين العرب دور في إبداعها وتدوينها بشكل مدهش لا يخلو من الجدلية والمعاصرة الملائمة لروحية العصور المختلفة وهو علم النفس”.

تناول العلماء المسلمون النفس ضمن مصنفاتهم الفلسفية الشاملة، حيث أضافوا إليها شروحاً وانتقادات مستندة إلى ما ورد في الفلسفة اليونانية. ثم خصص بعضهم فصولاً للنفس في المؤلفات الطبية، مثل أبي بكر الرازي (251 هـ – 313 هـ) وابن سينا (370 هـ – 428 هـ). وبهذا اكتسبت دراسة النفس بُعدين: منحى نظري في المؤلفات الفلسفية، وطابعاً عملياً في المؤلفات الطبية التي استندت جزئياً إلى الأسس النظرية التي وضعها الفلاسفة.

مع تطور هذا العلم، أصبحت النفس محوراً أساسياً في علم الأخلاق. فقد رأى أبو بكر الرازي، الطبيب والفيلسوف، أن معالجة النفوس لا تقل أهمية عن معالجة الأجسام، لما للنفس من تأثير مباشر على صحة ومرض البدن. وكان يؤكد ضرورة أن يجمع طبيب الأجسام بين مهارته الطبية وفهمه العميق لطب النفوس.

وقد تبِع الأطباء هذا النهج، حيث دُرست النفس كجزء من علم الطب كما في الفلسفة، إلا أنها اكتسبت في المجال الطبي صبغة إكلينيكية (سريرية). وتناول العلماء عوامل تدهور الصحة النفسية مثل التربية، البيئة، المجتمع، والشخصية (الطِّباع)، مع التركيز على مفاسد النفوس وسبل إصلاحها وعلاجها.

ونسعى في هذا الكتاب، إلى تصنيف الأمراض إلى خمسة أنواع، بهدف تفكيك اللبس العميق الذي يقع فيه بعض الأطباء وعلماء الشريعة بين ما هو نفسي، وما هو قلبي، وما هو “مَسِّي”. ونعتقد أن هذا التفريق سيُسهم في تحقيق فهم أكثر شمولاً لحقيقة الإنسان، مما يمهد الطريق لتطوير نهج علاجي متكامل يجمع بين المجال الطبي والمجال الشرعي. ومن خلال هذا الإطار، نطمح إلى التخفيف من المعاناة الحقيقية التي تواجه الناس في حياتهم اليومية.

إن النقص الذي نسعى إلى تصويبه يكمن في التفريق بين الأمراض النفسية، والأمراض القلبية، والأمراض المسّية. فالخلط بينهم يؤدي إلى أساليب علاجية غير صحيحة، كما ينتج عنه فتاوى شرعية خاطئة.

إن غاية العالم والمتخصص تكمن في التصحيح وتقديم البدائل، وهذا هو هدفنا في هذا الكتاب وغيره، حيث نسعى لتقديم تصور إضافي من جهة، وجديد من جهة أخرى. يتناول هذا الطرح بعض الحلول التي تم تجربتها عمليًا، ويفتح أمامنا آفاقًا جديدة للنقاش حول مفاهيم لم يتمكن العلم أو الاجتهاد بعد من الإجابة عليها بشكل كامل.

نسأل الله تعالى أن يرحم علمائنا وباحثينا الذين سبقونا بالاجتهاد والعطاء، الذين أفنوا حياتهم في خدمة العلم والدين، وقدموا الكثير من وقتهم وجهدهم، بل وأحيانًا دمائهم، من أجل رفعة الأمة وتقدمها. نرجو من الله أن يتقبل منهم أعمالهم الجليلة، وأن يوفقنا لنكون على خطاهم في خدمة الإنسانية والعلم. ونسأله سبحانه أن يتقبل منا ومنهم، إنه سميع مجيب.

قاعدة نبوية: “إذا اجْتَهَدَ الباحث ثُمَّ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا اجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأَ فَلَهُ أجْرٌ”[4].

مفهوم المرض النفسي

المرض النفسي هو اضطراب يؤثر على التفكير أو الشعور أو السلوك، مما يؤدي إلى معاناة الفرد وصعوبة في أداء وظائفه اليومية أو التكيف مع متطلبات الحياة. وهو ليس مجرد حالة مزاجية عابرة أو رد فعل طبيعي للضغوط، بل هو حالة مستمرة تتطلب التدخل والعلاج.

يختلف تعريف المرض النفسي بين العلماء والمنظمات الصحية العالمية، لكن هناك قواسم مشتركة في تحديده كاضطراب يؤثر على الأداء النفسي والاجتماعي للفرد. في علم النفس والطب النفسي، يُعرَّف المرض النفسي بأنه اضطراب وظيفي في العمليات العقلية يؤثر على الإدراك، أو العاطفة، أو السلوك، مما يعيق التكيف مع البيئة المحيطة.

وتعرفه منظمة الصحة العالمية بأنه: “متلازمة سلوكية أو نفسية تتسم باضطراب في التفكير أو العاطفة أو الإدراك أو السلوك، ويُصاحبها ضعف في الأداء الشخصي أو الاجتماعي، مما يؤدي إلى معاناة أو خلل في الوظائف الأساسية للفرد”. أما الجمعية الأمريكية للطب النفسي: وفقًا لدليل DSM-5، فترى أن المرض النفسي هو “متلازمة سلوكية أو نفسية ذات دلالة سريرية، تنشأ عن اضطراب في العمليات العقلية أو العاطفية أو السلوكية للفرد، وتسبب ضيقًا ملحوظًا أو تدهورًا في الأداء الوظيفي”.

مفهوم المرض في معجم المعاني:

المرض هو كل ما يطرأ على الكائن الحي فيُخلّ بتوازنه الصحي، سواء كان جسميًا أو نفسيًا. يُعرَّف بأنه خروج عن حدّ الصحة والاعتدال بسبب علّة أو ضعف أو اضطراب في وظائف الجسم أو العقل. كما يُستخدم في اللغة للإشارة إلى الشكّ أو الفتور في تقبّل الحقّ.

مفهوم الصحة في معجم المعاني:

الصحة هي حالة من السلامة والعافية، وتشير إلى خلو الجسم من المرض والخلل، بحيث تعمل أعضاؤه بوظيفتها الطبيعية. كما يُستخدم المصطلح في مجالات متعددة، منها الطب، حيث تعني التمتع بجسم سليم. وفي الفقه، حيث تدل على كون الفعل مؤديًا لآثاره الشرعية دون بطلان.

في اللغة، تعني الصحة السلامة من الخطأ أو العيب، كما يُقال عن الأخبار أو الحسابات عند التأكد من دقتها. كذلك، تُستخدم في سياقات مثل صحة التعبير أو صحة الحديث، للدلالة على خلوه من الأخطاء. أما في المعاملات، فصحة العقد تعني سلامته من الفساد.

العلم المادي واللامادي

لا يمكن لأي حضارة، بما في ذلك الحضارة الغربية، أن تزايد على مفهوم العلم في الحضارة الإسلامية، فالمسلمون أسسوا المنهج التجريبي والمنهج العلمي منذ قرون، وكان القرآن الكريم دائمًا داعيًا إلى العلم والبحث والتجريب. لذا، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تصبح الفلسفة اللائكية أو الإلحادية مصدرًا أومرجعيةً لتحديد مفهوم العلم.

لهذا، ينبغي على الأطباء المسلمين والباحثين عمومًا أن يدركوا الفروق الدقيقة بين:

  1. العلم الشرعي الأصيل المستند إلى الكتاب والسنة.
  2. الفلسفات اللائكية التي تسللت إلى عقول المثقفين والمتخصصين والعلماء المسلمين، وأثّرت على منهج تفكيرهم.
  3. الخرافات والأساطير الشعبية التي لا تستند إلى دليل علمي أو شرعي.
  4. الخرافات التوراتية التي تسللت إلى تفاسير بعض الآيات والأحاديث النبوية، فأصبحت تشكل جزءًا من الثقافة الإسلامية بشكل خاطئ.

إن العودة إلى الجذور الإسلامية في فهم العلم وتطبيقه ليست فقط خيارًا، بل ضرورة لإعادة بناء تصور صحيح عن الإنسان والعلم، بما يتماشى مع الفطرة التي خَلق الله الإنسان عليها.

من الأهمية بمكان التمييز بين نوعين رئيسيين من العلوم، يتجاوز التصنيف التقليدي إلى علوم طبيعية وإنسانية، لنصل إلى تفرقة أعمق وأكثر شمولية: العلوم المادية والعلوم اللامادية.

  1. العلوم المادية:
    1. تشمل العلوم التي تهتم بدراسة الظواهر الطبيعية والإنسانية على حد سواء، مثل الفيزياء والكيمياء والأحياء، بالإضافة إلى العلوم النفسية والاجتماعية. تعتمد هذه العلوم على الملاحظة والتجربة والتحليل، وتسعى إلى فهم العالم من حولنا بطرق منهجية وعقلانية.  وتعتبر العلوم المادية أساسًا للتقدم التكنولوجي والصناعي، وتسهم في فهمنا للعالم من حولنا، بما في ذلك أنفسنا وسلوكنا كمجتمع. وتتميز العلوم المادية بكونها عالمية ومشتركة بين جميع الحضارات والأمم.
  2. العلوم اللامادية:
    1. تشمل العلوم التي تتناول الظواهر غير المادية، والتي تتجاوز حدود عالمنا المحسوس، مثل الملائكة والجن والأرواح وغيرها من الكائنات والأبعاد الماورائية. تعتمد هذه العلوم على مصادر الوحي والنصوص الدينية، وتسعى إلى فهم العالم من منظور أعمق وأكثر شمولية، يربط بين عالم الشهادة وعالم الغيب. تساعد العلوم “الماورائية” في فهمنا للوجود بشكل أعمق، وتمنحنا رؤية شاملة ومتكاملة للإنسان والعالم، وتجيب على تساؤلاتنا الوجودية الكبرى. وتتميز العلوم الماورائية بكونها جزءًا من خصوصيات الحضارات المؤمنة، فهي تعكس عمق التصورات الروحية والفكرية لهذه الحضارات، وتساهم في تشكيل هُويتها الثقافية.

وعلى الرغم من الاختلاف بينهما، فإن العلوم المادية والعلوم اللامادية تتكاملان فيما بينهما. فالعلوم المادية توفر لنا الأدوات والمعرفة لفهم العالم المادي، بينما تساعدنا العلوم اللامادية في فهم العالم الروحي والغيبي.

يساعدنا التمييز بين العلوم المادية والعلوم اللامادية على فهم طبيعة المعرفة الإنسانية بشكل أفضل، وعلى تقدير مساهمة كل نوع من العلوم في تطوير الحضارة الإنسانية، وبناء رؤية متكاملة للكون والإنسان.

وعندما ننظر إلى إسهامات أجدادنا العرب والمسلمين، نجد دليلاً قاطعًا على دورهم البارز في تأسيس المنهج العلمي، حيث قدموا أبحاثًا قيمة في العلوم المادية واللامادية على حد سواء. ولهم فضل لا ينكره إلا جاحد. هذه الإنجازات تشهد على قدرتهم على رفدِ الحضارة الإنسانية بأعمال عظيمة، وما زال لأحفادهم القدرة على الإضافة في كِلا المجالين.

من أبرز العلماء الذين ساهموا في بناء تلك الحضارة: عباس بن فرناس، ابن خلدون، الزهراوي، جابر بن حيان، أبو بكر الرازي، ابن رشد، ابن زهر، الإدريسي، وغيرهم كثر.

أنا أستخدم مصطلح “أجدادنا” لتأكيد الرابط بين الماضي والحاضر، ولإحياء عظمة العقل المبدع الذي ميزهم، ولأشجع شبابنا على “تفعيل قابلية” التميُز لديهم. هذه القابلية ليست مجرد إمكانية، بل هي موروث جيني متصل بعقل مبدع وروحي كعقل رسول الله ﷺ. كما أؤمن بمقولة: “من لا تاريخ له، لا مستقبل له”، لذا فإن استحضار التاريخ هو درع أمام محاولات السخرية أو التقليل من قيمة الإنسان العربي والمسلم.

قاعدة: “من لا تاريخ له لا مستقبل له”.

إن السخرية الحقيقية تكمن في الاعتقاد بأن أوروبا قد أوجدت الحضارة وستظل تهيمن عليها إلى الأبد. هذا الاعتقاد يتنافى مع أبسط أسس التفكير العقلاني، بل يعكس عقلية مستلَبة تفتقد للوعي التاريخي والنقدي. كل ما ذكرته لا يُعدّ سوى أمثلة محدودة، ومن أراد الإنصاف والموضوعية في تقييمه، فليرجع إلى كتب التاريخ والحضارة الإسلامية. فمن خلال هذه الكتب، يتضح أن العلماء المسلمين كانوا الأساس الذي استند إليه الغرب في تبني المنهج العلمي وتطويره.

لقد تعلمنا من إرث أجدادنا التمييز بين الخرافات والأساطير من جهة، وبين العلم الطبيعي والإنساني من جهة أخرى، إضافة إلى العلم القرآني، الذي يمثل مسند الحقيقة في الفهم الإنسان والغيب.

في إطار “علم الفروق”، نقوم بتصنيف مستويات العلم وفقًا للمنهج للآتي:

الشك والظن، حيث يمثلان أدوات للتفكير ووسائل للوصول إلى المعرفة، وليس هدفًا في ذاتهما.

فالشك ليس غاية، كما أن الظن لا يمثل سوى فرضية انطلاق تساعدنا على الوصول إلى الحقيقة العلمية. وهذا ما أكد عليه علماء الإسلام مثل الإمام الغزالي، وابن تيمية، والنظام، على عكس ما ذهب إليه ديكارت، الذي جعل الشك غاية بحد ذاته، حين قال مقولته الشهيرة: “أنا أشك إذن أنا موجود”.

في التصور الإسلامي، يُعد الشك والظن مجرد وسائل تفكير تؤدي إلى العلم، وليس للإيمان، لأن الإيمان بالله عز وجل يقوم على الاعتقاد المطلق، فلا يمكن أن يُبنى على شك أو ظن. ولهذا، تصبح عبارة الوجود الحقيقية: “أنا أؤمن، إذن أنا موجود”.

وتُستتبع هذه العبارة النفسية بعبارة علاجية تحمل أبعادًا إيمانية وروحية:

  • “أنا كل شيء بدون شيء[5]“،
  • “أنا كل شيء بالله ولله ومع الله”.

مسلمة: “أنا أومن بالله، إذن أنا موجود”.

وبهذا يمكن تصنيف مستويات التفكير في الإسلام على النحو الآتي:

  • عين اليقين،
  • حق اليقين،
  • علم اليقين،
  • العلم،
  • الظن،
  • الشك،
  • الريبة،

ولهذا، فإننا نتعامل مع الخبر القرآني والصحيح من السنة النبوية باعتبارها حقائق يقينية، تصنف ضمن: علم يقين، حق يقين، وعين يقين.

فعلى سبيل المثال، عندما يخبرنا الله عز وجل عن الجنة والنار والملائكة والشياطين، … فإن تعاملنا مع هذه الحقائق يقوم على مستوى عين اليقين؛ أي أننا نعيش هذه المشاهد بعين الإيمان وكأننا نراها رؤية حقيقية أمام أعيننا.

وهذا ما أشار إليه الفقهاء بقولهم: “ليس مع العين أين”، أي أن ما يُرى بعين اليقين لا يحتاج إلى دليل إضافي لإثباته، لأن الحقيقة تكون فيه أوضح من أن تُنكر.

التشخيص بين الأعراض والأسباب

التشخيص النفسي هو عملية معقدة تهدف إلى فهم الحالة النفسية للمريض بشكل دقيق، ويعتبر أساسًا لتوجيه العلاج المناسب. يمكن تقسيم التشخيص إلى نوعين رئيسيين:

  1. التشخيص بالأعراض،
  2. والتشخيص بالأسباب،

 الفرق بينهما يكمن في كيفية تحديد المرض وسبل العلاج.

في علم النفس الفطري، نولي أهمية أكبر للتشخيص بالأسباب، حيث نعتمد على تحديد الأسباب الجذرية التي تقف وراء الأمراض النفسية، وهي:

  1. الحزن المرتبط بالماضي،
  2. والخوف المرتبط بالمستقبل،

هذه الأسباب تؤدي إلى انفعالات أخرى في الحاضر مثل: الهم، الغم، والغضب، مما يساعد في تحديد العلاج الأنسب.

التشخيص بالأعراض يعتمد على ملاحظة الأعراض الظاهرة التي يعاني منها المريض، حيث يركز الطبيب على العلامات التي تظهر على المريض. هذا النوع من التشخيص يُستخدم عادة في العلاج الدوائي، حيث يتم وصف الأدوية مثل مضادات الاكتئاب أو المهدئات لتخفيف الأعراض. يعتبر هذا الأسلوب سريعًا وفعالًا في التخفيف من الألم النفسي على المدى القصير، لكنه لا يعالج السبب الجذري للمشكلة، مما قد يؤدي إلى عودة الأعراض إذا لم يتم علاج السبب الكامن وراءها.

أما التشخيص بالأسباب فيعتمد على تحديد الأسباب الجذرية التي أدت إلى ظهور الأعراض. في هذا النهج، لا يركز المعالج فقط على الأعراض الظاهرة، بل يسعى لفهم الظروف والملابسات التي ساهمت في ظهور هذه الأعراض. يُبحث في مشاعر الخوف المرتبطة بالمستقبل أو الحزن على أحداث ماضية أو الانفعالات التي قد تحدث في الحاضر.

في العلاج الفطري، نعتبر أن معالجة السبب الجذري للمشكلة النفسية يمكن أن يؤدي إلى تحسن دائم في الحالة النفسية للمريض. نحن لا نكتفي بتخفيف الأعراض بل نركز على فهم العوامل النفسية العميقة التي تؤدي إلى هذه الأعراض.

نعتقد أن دمج التشخيص بالأعراض مع التشخيص بالأسباب قد يحقق نتائج أفضل. في بعض الحالات، قد يكون من الضروري أولاً التخفيف من الأعراض باستخدام العلاج الدوائي، ثم الانتقال إلى العلاج العميق الذي يركز على معالجة الأسباب الجذرية. على سبيل المثال، يمكن علاج نوبات القلق الحادة بالأدوية المهدئة، ثم يعمل المعالج النفسي على استكشاف مخاوف المريض من المستقبل وأسبابها العميقة.

يمكن القول إن التشخيص النفسي عملية ديناميكية تتطلب من المعالج أن يوازن بين معالجة الأعراض المؤلمة في اللحظة الحالية والعمل على معالجة الأسباب العميقة التي تؤدي إلى تلك الأعراض.

التشخيص والفقه بين المرض النفسي والمرض العقلي

يُعدّ التمييز بين الأمراض النفسية والأمراض العقلية من القضايا الجوهرية في الطب النفسي، إذ يؤثر هذا التمييز على آليات التشخيص وأساليب العلاج. فعلى المستوى الطبي، تساعد هذه التفرقة في تحديد النهج العلاجي المناسب، بينما تلعب دورًا أكثر تعقيدًا في السياق الشرعي، حيث ترتبط بأحكام المسؤولية والتكليف في العقود والمعاملات.

تُشير الأمراض النفسية إلى اضطرابات تنجم عن عوامل بيئية واجتماعية ونفسية، مثل التعرض للضغوط الحياتية أو الصدمات العاطفية. تشمل هذه الفئة حالات مثل الاكتئاب والقلق، والتي غالبًا ما تتجلى في تغيرات المزاج والسلوك، ويمكن التعامل معها من خلال العلاج النفسي والدعم الاجتماعي. في معظم الحالات، يظل المريض النفسي مدركًا لواقعه، وقادرًا على اتخاذ القرارات، مما يجعله مسؤولًا قانونيًا عن تصرفاته.

أما الأمراض العقلية فتتجلى في أعراض مثل الهلاوس والضلالات، كما هو الحال في الفصام والاضطرابات الذهانية[6]. في بعض الحالات الشديدة، قد يفقد المريض قدرته على تمييز الواقع، مما يجعله غير قادر على إدارة شؤونه الشخصية أو الالتزام بالعقود القانونية.

البعد الشرعي وأهمية التفريق بين المرض النفسي والعقلي

في الفقه الإسلامي[7]، يرتبط مفهوم الجنون ارتباطًا وثيقًا بالأهلية والتكليف، كما ورد في حديث النبي ﷺ: “رُفع القلم عن ثلاث: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل”، (رواه أبو داود). ويُفهم من ذلك أن فاقد العقل غير مكلف شرعًا، مما يؤثر على مدى إلزامه بالعقود والمعاملات المالية. ومن هنا، تبرز أهمية التفريق بين المرض النفسي، الذي لا يُعفي صاحبه من المسؤولية الشرعية، والمرض العقلي الذي قد يجعله فاقدًا للأهلية القانونية.

تتجلى هذه المسألة أيضًا في عقود الزواج، حيث يُطرح تساؤل حول مدى إلزام المريض بالإفصاح عن مرضه قبل إبرام العقد. فهل يجب على كل مريض نفسي الإفصاح عن حالته، أم يقتصر ذلك على الأمراض التي قد تؤثر بشكل مباشر على استقرار الزواج؟ وما الحكم في حالة المرض العقلي، خاصة إذا كان يؤثر على قدرة الشخص على الوفاء بالتزاماته الزوجية؟ هذه القضايا تستدعي اجتهادًا فقهيًا يأخذ في الاعتبار طبيعة المرض وتأثيره الفعلي على العلاقة الزوجية.

ومن القضايا المهمة التي تبرز عند التفريق بين الأمراض النفسية والعقلية، مسألة المسؤولية الجنائية. فهل يعفى المريض النفسي من المسؤولية القانونية كما هو الحال في بعض الحالات الذهانية؟ في الأنظمة القانونية الحديثة، يُفرّق بين الشخص الذي كان مدركًا لأفعاله وقت ارتكاب الجريمة، وبين من كان في حالة ذهانية تمنعه من التمييز بين الصواب والخطأ. ومن هنا، تتطلب هذه المسألة تقييمًا دقيقًا للحالة العقلية للفرد لحظة وقوع الفعل الجرمي.

رغم أن الطب النفسي الحديث بات يميل إلى تقليل الفجوة بين الأمراض النفسية والعقلية، فإن هذا التفريق لا يزال يحتفظ بأهميته في المجال الفقهي، حيث يرتبط بأحكام المسؤولية في العقود والمعاملات والحدود. لذا، فإن تحقيق التوازن بين التشخيص الطبي والرؤية الشرعية يتطلب تعاونًا بين الأطباء النفسيين والفقهاء لضمان مراعاة الجوانب الطبية والاجتماعية والشرعية في الوقت نفسه.

“لوحة الاشتغال”

انطلاقًا من التصور الشمولي لنظرية الفطرة، وتجاوزًا للنظرة التجزيئية المادية للإنسان، يعمل علم النفس الفطري ضمن فضاء شامل يتناول الإنسان بكافة أبعاده. فهو يسعى إلى تحقيق توازن متكامل بين الصحة والمرض النفسي في وقت واحد.

عندما نعمل على إزاحة المرض النفسي أو التغلب عليه، فإننا نسعى إلى تحرير الفرد من القيود التي تعيق تقدمه، مما يفتح أمامه أبواب النجاح والتفوق. هذا النجاح لا يقتصر فقط على الجوانب المهنية أو الأكاديمية، بل يشمل أيضًا تحقيق التوازن العاطفي والاجتماعي والروحي، مما يسمح للفرد بأن يعيش حياة أكثر إشباعًا وإنتاجية.

من ناحية أخرى، عندما نركز على تعزيز الصحة النفسية، فإننا نعمل على بناء أساس متين لرفاهية الفرد، ليس فقط في الحاضر ولكن أيضًا في المستقبل. هذا يشمل تعزيز المهارات العاطفية والاجتماعية، وتحسين القدرة على مواجهة الضغوط والتحديات، وتوفير بيئة داعمة تقلل من احتمالية ظهور الأمراض النفسية. بمعنى آخر، تعزيز الصحة النفسية هو استباقي بطبيعته، حيث يهدف إلى إزالة أو تقليل الأسباب المحتملة التي قد تؤدي إلى الإصابة بالمرض النفسي في المستقبل، مما يسهم في بناء مجتمع أكثر صحة وسعادة.

بينما يركز التعامل مع المرض النفسي على العلاج والتخفيف من الأعراض الحالية، من خلال التدخلات الطبية والنفسية، فإن تعزيز الصحة النفسية يتجاوز مجرد التخلص من المعاناة، ليشمل الوقاية من الاضطرابات قبل حدوثها، وتعزيز التكيف النفسي، وبناء شخصية متوازنة قادرة على مواجهة التحديات. ويهدف هذا النهج إلى ترسيخ الشعور بالطمأنينة والرضا، وتحقيق الاستقرار العاطفي والاجتماعي، مما ينعكس إيجابيًا على جودة الحياة على المدى الطويل، سواء في العلاقات الشخصية أو الحياة المهنية أو النمو الروحي والفكري.

مركز الاستقرار ونقطة الارتكاز

تُعد محطة ما يُعرف بـ “العادي” من المحطات الأساسية والرئيسية التي نوليها أهمية بالغة في إطار النظرية الفطرية، حيث تمثل هذه المحطة نقطة جوهرية لا يمكن تجاهلها. فهي ليست مجرد حالة وسطية أو اعتيادية، بل هي “نقطة ارتكاز حقيقية” نحو بناء صحة نفسية متوازنة ومتناغمة، تسمح للإنسان بالعودة إلى جذوره الفطرية السليمة التي فُطر عليها.

وبالتالي، فإن الاهتمام بـ “العادي” ليس مجرد محاولة للعودة إلى حالة بسيطة أو سطحية، بل هو سعي عميق لإعادة التوازن النفسي والروحي، وتمكين الفرد من استعادة قوته الداخلية وقدرته على التفاعل مع الحياة بشكل صحي وإيجابي. هذه المحطة تُعتبر بمثابة الجسر الذي يَعبر من خلاله الإنسان من حالة الاضطراب أو الاتزان إلى حالة من السلام الداخلي والوضوح الذهني، مما يجعله أكثر قدرة على مواجهة التحديات وتحقيق ذاته بشكل كامل.

إذًا، “العادي” ليس مجرد حالة عابرة، بل هو أساس متين تُبنى عليه الصحة النفسية، وهو البوابة التي تُعيد للإنسان اتصاله بفطرته السليمة، وتُرشده نحو حياة أكثر تناغمًا واتزانًا.

 وتكون خريطة العمل والاشتغال على الشكل الآتي:

فنحن وفق هذا المجسم:

  • نشتغل مع الشخص المريض لننقله إلى حالة “عادي”،
  • ونشتغل مع الشخص العادي ليحافظ على مستواه العادي،
  • ونشغل مع العادي لنقله إلى حالة النجاح،
  • ومع الناجح لننقله إلى مستوى التفوق،
  • ومع المتفوق لننقله إلى حالة التميز. إذا كانت قدرات الشخص ورغبته الدفينة قادرة على تحمل طريق التميز وضغوطه ونتائجه.

في علم النفس الفطري، نرفع عنصرين فوق كل المحطات التي سبق الحديث عنها، أو لنقل إننا نرى أن تلك المحطات جميعها لا تكتسب معناها الحقيقي إلا إذا انسجمت مع الإيمان والسعادة. فإذا غاب هذان العنصران، تَفقد المحطات قيمتها ومعناها. فالإيمان، بكل ما يحمله من عمق روحي، واستشعار السعادة، بكل ما تنطوي عليه من بهجة داخلية، هما اللذان يمنحان المعنى الأصيل لكل محطة، ويجعلانها ذات قيمة حقيقية في مسيرة الإنسان.

ويمكن توضيح هذا المفهوم كالتالي:

  • المحطة الأولى (المرض، الاضطراب، الانحراف): عندما يعاني الإنسان من مرض نفسي أو جسمي، ولكنه يواجه الألم بتقبل وصبر واحتساب، فإنه يعيش ألمه بالرضا. وهذا الرضا يفرز هرمونات تساعده على تخفيف الشعور بالألم وتسريع عملية الشفاء. في المقابل، إذا امتلأ شعور الشخص باليأس والسخط والقنوط، فإن ذلك يؤدي إلى زيادة الألم وتقليل فرص العلاج والشفاء.
  • المحطة الثالثة (النجاح): النجاح الذي لا يتناغم مع الإيمان واستشعار الرضا يُعتبر نجاحًا ماديًا فقط، ولكنه فشل نفسيًا وقلبياً وروحياً. وبدون ارتباطه بالسعادة الحقيقية، يصبح النجاح فارغًا من أي معنى.
  • المحطة الرابعة (التفوق): التفوق، مثل النجاح، يفقد معناه الحقيقي إذا غابت عنه السعادة والرضا. فالتفوق الذي لا يستند إلى شكر نعم الله واستشعارها قد يتحول إلى نقمة بدلاً من أن يكون نعمة. إذ لا قيمة للتفوق إذا لم يمنح صاحبه سعادة حقيقية وطمأنينة داخلية. في المحطة الأولى (المرض، الاضطراب، الانحراف): التي يعاني الإنسان فيها مرضا نفسيا أو جسميا، ورغم ذلك يكون متقبلا، صابرا محتسبا، فإنه يعيش ألمه بالرضا. يقول جيفري[8]:” ما نحن سوى أحد الحيوانات التي تحاول أن تعيش سعيدة. هل هذا كل ما في الحياة، نجاح يفتر يليه آخر، سرعان ما تعلمت أن لا أحدا يعرف الوحدة كالملحد. فعندما يشعر المؤمن بالوحشة فإنه يناجي، من أعماق روحه، الأحَدْ الذي يعرفه، ويكون بمقدوره أن يشعر بالاستجابة، ولكن الملحد محروم من هذه النعمة، لأن عليه أن يَسْحق هذا الدافع، ويذكر نفسه بسخفه. فالملحد هو إله عالمه الخاص، وهو عالم صغير جدا، يحدده مجال إدراكاته، وهذه الحدود دوما في تناقض مستمر. والملحد لا يٌشبع حاجاته شيء لأن عقيدته تخبره أن ليس للحياة هدف، إن ليس هناك شيء كامل أو شيء مطلق. ولذا عندما اتبعتُ النماذج الاجتماعية السائدة، لم يكن ذلك لأني أُقدرها، بل لأنها تسير سفينة الحياة”.
  • المرحلة الخامسة التميز: نذهب في نفس السياق، ونقول لا معنى للتميز بدون استشعار الرضا، واستشعار نعمة الخَالق. فاستشعار هدية الخَالق هي التي تصبغ التميز بالسعادة. سعادة النعمة، وسعادة التواضع وسعادة خدمة الناس، وأهمها سعادة بأن ذلك التميز يتناغم مع مراد الله عز وجل.
  • ونفس الشيء يمكن أن يقال بالنسبة للعبقرية.

يأخذ كل ما ذكرناه معناه الحقيقي عندما ندرك أن العديد من العباقرة والمتميزين، بل وحتى الملوك والأباطرة، عانوا من درجات التعاسة التي قد تفوق ما يعانيه أي الشخص آخر. وسنستعرض لاحقا، بعض أسماء المشاهير الذين انتهت حياتهم بالانتحار، حيث لم تُجْدِ شهرتهم ولا ثرواتهم نفعاً في وقايتهم من الشعور باليأس والملل الذي أودى بحياتهم.

المحطة الثانية: محطة “عادي”:

أبقيت “محطة عادي” في النهاية، لكي أشير إلى النعمة الكبرى التي يكون فيها الإنسان حين يكون في حالة “عادي”. وإنها لنعمة كبرى لمن تمعن فيها واستشعر قيمتها. ويكفي أن نقول بأن الإنسان في حالة المرض أو الاضطراب أو مشاكل فإن كل ما يحاول أن يفعله هو أن يعود إلى حالته “العادية”. فالإنسان المريض قد يبيع كل ممتلكاته ويصرف أمواله من أجل أن يَخرج من الحالة المرضية ويعود إلى الحالة العادية. وهنا أتذكر قصة رائعة: يحكى أن وزيرا ومَلِكا خرجا للصيد مع حاشيتهم ثم تاه الوزير والملك، وحين أحس الملك بالجوع تناول شيء من الطعام، فلم يستطيع بلعه فوقفت اللقمة في الحلق، ولم يجد الملك ماء، فبذئ يحس بلحظات الموت، وإذا بالوزير يرمق منزلا قريبا فجري ليطلب ماء. فأتى بالماء إلى الملك، فشرب الملك وتجاوز حالة الموت. فقال الوزير للملك بكم كنت ستشري جرعة من الماء فأجاب الملك بنصف مُلكي. ثم قال الوزير وان احتبس البول ولم يخرج وكدت تموت من الألم. فقال الملك اشتريه بالنصف الباقي. فقال الوزير: مَلكُكَ سيدي كله بين إدخال الماء وإخراجه. فهذا الملِك مستعد لصرف ملكه كله من أجل أي يصبح عاديا: أن يكون قادرا على الأكل والشرب وإخراج ما أكل وشرب.

قاعدة: “الحالة العادية نعمة عظيمة، ينبغي أن ندرك قيمتها ونحمد الله عليها في كل لحظة”.

“ولهذا فإن استشعار الحالة العادية تعتبر من أولويات الصحة النفسية:

  • في حالة المرض النفسي يكون كل ما نبحث عنه أن نصبح ونمسي عاديين،
  • وفي حالة الأمراض القلبية يكفي أن يستشعر الإنسان نعمة كونه عاديا فيخرج من قبضة المرض القلبي،
  • وحين يصاب الإنسان بالمس فكل ما يبحث عنه في العلاج الطبي والنفسي والعلاج بالرقية هو أن يصبح عاديا،

مسلمة: “مقام عادي: مستوى وافر  من الخير”.

فأنت حين تُسأل كيف حالك، فتجيب عادي. يجب عليك أن تستشعر قيمة ما أنت فيه من سعادة، “فقط لأنك عادي“.

لقد منحك الله عز وجل نِعماً عظيمة تُمكّنك من العيش في “حالة عادية”، وهي نعمة لا تُقدَّر بثمن. وعندما تدرك أنك في هذا المقام “العادي” تشعر وكأنك مَلِك في فضاء رحب، تبدأ بعدها بالتفكير في الارتقاء نحو النجاح والتفوق والتميز، وربما الوصول إلى مستوى العبقرية.

وقوة هذا التصور تمنحك راحة نفسية عميقة، فكلما توقفت عند أحد درجات سلم النجاح وعُدت أو نقول “سقطت” إلى محطة “العادي”، ستشعر بأنك تعيش في أعلى درجات الخير والطمأنينة.

فالحالة العادية ليست محطة ضعف أو “قلة”، بل هي قاعدة متينة تدفعك للأمام وتُعيد إليك التوازن كلما احتجت إليه.

قوانين حالة “عادي”:

  • ليس هناك قانونا فطريا يقول لك لكي تكون سعيدا يجب أن تنجح. ولكن الفطرة توفر لك القابلية للنجاح.
  • ليس هناك قانونا فطريا يقول لك لكي تكون سعيدا يجب أن تكون مُتفوقا، ولكن الفطرة توفر لك قابلية التفوق.
  • ليس هناك قانونا فطريا يقول لك لكي تكون سعيدا يجب أن تتميز، ولكن تكمُن فيك قابلية التميُز.
  • ليس هناك قانونا فطريا يقول لك لكي تكون سعيدا يجب أن تكون عبقريا، ولكنك فطرت على القابلية “للتعبقر”.

وفي داخلك نداءً فطريا يناديك لأن تكون سعيدا رغم المرض.

وفيك صوتا فطريا يقول لك يمكن أن تكون سعيدا وأنت عادي.

نداء الفطرة: “أمن، اسْتمتع، اسْتشعر، اصْبر، تَقبل، إعْمل: وستكون سعيدا”.

تمثل المرض واعتقاد المعنى


[1] دراسات في النفس الإنسانية: محمد قطب: دار الشرق، القاهرة،1979/ص8

[2] شاهدي الوزاني إدريس عبد السلام (2008)، العلاج النفسي وخطورة المنطلق، دار ابن حزم، المغرب.

[3] محمد قطب التطور والثبات في حياة البشرية

[4] انطلاقا من حديث النبي ﷺ: “إذا حَكَمَ الحاكِمُ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أصابَ فَلَهُ أجْرانِ، وإذا حَكَمَ فاجْتَهَدَ ثُمَّ أخْطَأَ فَلَهُ أجْرٌ”.

[5] – هذه العبارة نشتغل بها للانفصال عن تأثير الناس والظروف، … إلخ.

[6] من الذهانية، أي ما هو عقلي.

[7] المهيزع خلود عبد الرحمن، (2013)، أحكام المريض النفسي في الفقه الإسلامي، مكتبة النور، نسخة رقمية.

[8] خرافة الإلحاد، عمرو شريف.


من رام الاستزادة فليرجع إلى الكتاب


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *