صاحب السعادتين
د. الحضري لطفي
يحاول هذا الكتاب معالجة واحدة من أعقد إشكالات علم النفس: ما معنى الإنسان السوي؟
لقد عجزت مدارس علم النفس الحديثة عن تقديم تعريف جامع للسواء، حتى انتهى كثير من الباحثين إلى القول إن السواء مفهوم نسبي أو غير موجود أصلا. غير أن هذا العجز – كما يبين الكتاب – ليس ناتجا عن صعوبة المفهوم، بل عن غياب المرجعية الصحيحة في تعريف الإنسان.
ينطلق الكتاب من مسلمة أساسية:
أن تحديد السواء لا يمكن أن يترك للأغلبية ولا للعادة ولا للثقافة، لأن ما يشيع بين الناس قد يكون انحرافا لا معيارا. فلو أصبحت الكذبة عادة، لا يصبح الكذب طبيعيا، ولو شاع الظلم لا يصير عدلا، ولو انتشر الشذوذ لا يصبح فطرة. لذلك يرفض الكتاب الخلط بين مفهومين:
- العادي والسوي.
العادي هو ما ألفه الناس، أما السوي فهو ما وافق الفطرة. وبهذا التفريق تنتقل القضية من المجال الاجتماعي المتغير إلى المجال الإنساني الثابت.
نرى أن الإنسان لا يستطيع تعريف السواء من ذاته، لأن الإنسان جزء من المشكلة، لذلك لابد أن يأتي التعريف من خالق الإنسان نفسه. ومن هنا يقرر أن النموذج الإنساني الكامل الذي يُقاس عليه السواء هو النموذج النبوي، لا بوصفه شخصية تاريخية، بل باعتباره تجسيدا عمليا للفطرة الإنسانية في أكمل صورها.
العادي والسوي: أصل الخلل النفسي
المجتمعات الحديثة تبني تصوراتها النفسية على المتوسط الإحصائي؛ فإذا فعل الأغلب شيئا صار طبيعيا، وإذا تركوه صار شاذا. لكن هذا المنطق يؤدي إلى انهيار المعايير، لأن الإنسان حينها يصبح تابعا للواقع لا موجها له.
يقدم الكتاب أمثلة واضحة:
- هل يصبح الإدمان سويا إذا انتشر؟
- هل يصبح الانتحار طبيعيا إذا كثر؟
- هل يصبح الشذوذ الجنسي طبيعيا إذا شاع؟
- هل تصبح العنصرية معيارا إذا وافقت الأغلبية؟
الجواب دائما: لا.
إذن معيار السواء لا يمكن أن يكون شيوع السلوك، بل سلامته الفطرية.
وبهذا نقرر في كتابنا أن كثيرا من الاضطرابات النفسية المعاصرة ليست نتيجة ضعف الإنسان، بل نتيجة فقدان النموذج الذي يقيس به ذاته. فالإنسان يحتاج معيارا خارجيا ثابتا يقيس عليه أفكاره وسلوكه، وإلا عاش التناقض الداخلي مهما بلغ من الرفاه.
الإنسان كائن يقتدي
من أهم أفكار الكتاب أن الاقتداء ليس سلوكا اختياريا، بل بنية فطرية في الإنسان. فالطفل منذ ولادته يقلد، ويتعلق، ويتشكل وفق النموذج الذي أمامه. لذلك لا يوجد إنسان بلا قدوة، وإنما يوجد إنسان بقدوة صالحة أو فاسدة.
فإن غاب النموذج السوي، صنع الإنسان نموذجا بديلا:
- مشاهير، لاعبين، سياسيين، مؤثرين…
وهنا يبدأ الاضطراب النفسي، لأن الإنسان يقيس نفسه بمعايير ناقصة، فينشأ الصراع الداخلي بين ما يشعر أنه حق وبين ما يراه منتشرا حوله.
ومن هنا يقرر الكتاب قاعدة أساسية: “أن كثيرا من الأمراض النفسية ليست مرضا بيولوجيا في أصلها، بل خلل في التعلق والاقتداء”.
التصويب: آلية بناء الشخصية السوية
يميز الكتاب بين إنسان يتغير بالصدفة وإنسان يُصوَّب. والشخصية السوية ليست معصومة من الخطأ، لكنها تمتلك آلية تصحيح مستمرة. ويعرض الكتاب مفهوم التصويب على مستويين:
1. التصويب بالوحي: وهو تصحيح الفكرة أو السلوك بمعيار أعلى من الإنسان، فلا يترك الخطأ حتى يُكشف. وهذا يمنع تراكم الانحرافات الصغيرة التي تتحول لاحقا إلى اضطرابات كبرى.
2.التصويب الذاتي: وهو قدرة الإنسان على مراجعة نفسه قبل أن يراجع غيره، وهو أعلى مراحل النضج النفسي. فالإنسان السوي لا يبرر أخطاءه بل يصححها، ولا يدافع عن نفسه بل يزكيها.
وهنا يربط الكتاب بين السلام النفسي وبين قابلية الإنسان للاعتراف بالخطأ، لأن الإنكار بداية المرض، والتصحيح بداية الصحة.
السعادة أم المتعة؟
ونرى أن علم النفس الحديث ركز على اللذة والراحة وتقليل الألم، لكنه لم ينجح في صناعة السعادة. فالإنسان المعاصر يمتلك وسائل الراحة والترفيه والتكنولوجيا، ومع ذلك يعيش القلق والاكتئاب والفراغ.
والسبب أن المتعة وظيفة الغريزة، أما السعادة فوظيفة المعنى. والمعنى لا يتكون إلا حين يعرف الإنسان لماذا يعيش، ولأي نموذج يسعى.
لذلك يقرر الكتاب أن غياب السواء يجعل الإنسان يتنقل بين اللذات دون أن يصل للطمأنينة، لأن الطمأنينة ليست في الإشباع بل في الاتساق الغائي.
نتائج غياب السواء
حين يفقد الإنسان النموذج الصحيح تظهر اضطرابات متعددة، مثل:
- كره الذات.
- القلق والضياع.
- التشتت القيمي.
- النرجسية.
- العدوان.
- الفراغ النفسي.
وهذه ليست أعراضا منفصلة، بل نتيجة جذر واحد: أن الإنسان لم يعد يعرف ما ينبغي أن يكون عليه. فالإنسان لا يستطيع أن يعيش بلا معيار، فإذا لم يجد معيارا حقا صنع معيارا زائفا، ثم عانى من نتائجه.
فكرة الكتاب المركزية
يمكن تلخيص أطروحة الكتاب في فكرة واحدة: الإنسان لا يضطرب لأنه يخطئ، بل لأنه لا يعرف الصورة الصحيحة لنفسه. فحين توجد الصورة الواضحة، يصبح الخطأ مرحلة تعلم، أما حين تغيب الصورة يتحول الخطأ إلى هُوية.
ولهذا يطرح الكتاب الشخصية السوية باعتبارها مرجعية نفسية، لا وعظا أخلاقيا ولا خطابا دينيا مجردا، بل نموذجا عمليا يعيد ترتيب الإدراك قبل السلوك.

اترك تعليقاً