إبستين نموذجًا


بقلم: د. الحضري لطفي


مقدمة

تُعد ظاهرة انحراف بعض المشاهير والنخب السياسية والمالية — كما تجلت بوضوح في قضية “جيفري إبستين” — تحديا للفهم التقليدي للجريمة؛ إذ لا يتعلق الأمر بمخالفة قانونية معزولة، بل بتحول أعمق في بنية الوعي.

ولا يعني ذلك أن الشهرة تُنتج الانحراف، ولا أن كل مشهور منحرف؛ فكثير من المشاهير أناس عاديون يعيشون ضمن الحدود الأخلاقية كبقية البشر. غير أن هذه الحالات تكشف حقيقة أوسع: القابلية للسقوط الأخلاقي كامنة في الإنسان عموما، لكنها تظهر حين تضعف الكوابح بفعل السلطة والمال والشعور بالإفلات من المساءلة.

عندئذ يصبح التوصيف نفسيا أكثر منه قانونيا؛ إذ تتضخم “الأنا” حتى تتخذ هيئة السيادة المطلقة، ويتآكل الشعور بحدود الإنسان وضعفه في الذات وفي الآخرين. ومن منظور علم النفس الفطري لا يختزل أصل الانحراف في الشهوة، بل في فقدان البصيرة وتعطل النفس اللوامة، حيث يتحول “الاستحقاق” من إحساس بالتميز إلى اعتقاد يضع صاحبه خارج معيار البشر، فيغدو الانحراف تصورا عن الذات قبل أن يكون فعلا في الواقع.

أهداف الدراسة

  1. تفسير ظاهرة انحراف بعض المشاهير والنخب تفسيرا نفسيا عميقا يتجاوز القراءة القانونية أو الإعلامية.
  2. تحليل التحول الإدراكي الذي يجعل الفرد ينتقل من الشعور بالتميز إلى توهم الاستثناء من القيم والحدود.
  3. بيان دور السلطة والمال والشهرة في تعطيل النفس اللوامة وتضخم النفس الأمارة داخل البنية النفسية.
  4. توضيح كيف يتحول الآخر في بعض البيئات المغلقة من إنسان مكافئ إلى موضوع استعمال داخل منطق التشييء.
  5. الكشف عن أثر العزلة النخبوية والجماعة المغلقة في إعادة تعريف المسموح والممنوع وتطبيع الانحراف.
  6. ربط هذه الظواهر بمفاهيم علم النفس الفطري، وبيان علاقتها بفقدان البصيرة وانقطاع الاتصال بالحدود الداخلية.
  7. التمييز بين النجاح الاجتماعي والسلامة الإنسانية، وإبراز أن القدرة إذا انفصلت عن الضابط تتحول إلى عامل خطر.
  8. تقديم إطار تفسيري يساعد على فهم هذه القضايا بوصفها أنماطا إنسانية متكررة لا حوادث فردية معزولة.

الإنسان تحت وفرة القوة: اختلال ميزان الضبط

أشار إميل دوركايم في تحليله للانحراف إلى أن المجتمع يوفر للفرد إطارا من التوقعات والعقوبات يحفظ انتظام السلوك، بينما بين ميشيل فوكو أن حضور المراقبة واحتمال الجزاء يولدان انضباطا ذاتيا حتى في غياب الرقيب المباشر. وفي هذا السياق يمكن فهم ثلاثة مرتكزات عملية للضبط:

  1. الحاجة إلى الآخرين.
  2. الخوف من العقوبة.
  3. الخشية من فقدان السمعة.

فالفرد يراعي سلوكه لأنه يعتمد على المجتمع في رزقه ومكانته، ويحسب حساب القانون، ويخاف سقوط اعتباره بين الناس.

لكن بعض النخب تعيش وضعا مختلفا يضعف هذه المرتكزات تدريجيا:

  1. الثراء الواسع يقلل الاعتماد الاقتصادي على الآخرين، فيخف أثر الحاجة الاجتماعية.
  2. النفوذ الواسع يخفف توقع العقوبة، وهو ما وصفته دراسات “القوة والسلوك الأخلاقي” لدى داتشر كيلتنر وزملائه بأن الإحساس بالسلطة يخفض إدراك المخاطر والقيود.
  3. الشهرة تعيد تشكيل السمعة ذاتها، إذ تتحول من رصيد اجتماعي هش إلى مورد يمكن تعويضه أو إعادة بنائه عبر الإعلام، فتضعف وظيفة الردع المعنوي.

وهكذا لا يختفي الضبط كليا، لكنه يفقد كثيرا من فعاليته عندما تتراجع الحاجة، ويضعف الخوف، وتمتص آثار السقوط الاجتماعي.

الحدود الخارجية إلى الحدود الداخلية

عندما تضعف الحدود الخارجية لا يتغير السلوك مباشرة، بل يتغير تفسير السلوك أولا. يعيد الإنسان ترتيب المعاني حتى ينسجم فعله مع صورته عن نفسه، فلا يعود يقيس أفعاله على معيار خارج عنه، بل على قبولها في داخله. وهنا يبدأ الانزلاق الحقيقي: لا بكسر القاعدة، بل بتبديل تعريف القاعدة نفسها.

وهذه الحدود الباطنة هي في أصلها يقظة فطرية تنبه صاحبها قبل الفعل، فإذا حجبت ضعفت الحساسية الداخلية ولم يعد الخطأ يدرك بوصفه خطأ. ولهذا لا يأتي الانحراف فجأة، بل عبر تبدل الأسماء والقيم: الخطأ يقدم كمغامرة، والمحظور يعاد تأويله اختلافا، ثم تصل الجريمة إلى أن تُعرض كأنها أسلوب حياة. ومع كل إعادة تسمية يتناقص الإحساس بالتجاوز، لأن الوجدان يتأثر بالألفاظ كما يتأثر بالأفعال. وحين تعطل الفطرة لا ينفتح الباب على الشهوات المنحرفة فحسب، بل يمتد إلى الشبهات المرضية أيضا، إذ يفقد الإنسان بوصلة التمييز، فيضطرب إدراكه قبل أن يضطرب سلوكه.

“أنا فوق القانون”

مع تكرار النجاة من العواقب يتكون اعتقاد داخلي خطير: “لن يحدث لي شيء”. هذا ليس تفكيرا واعيا بالضرورة، بل شعور يتشكل من الخبرة المتكررة. كل مرة ينجو فيها الشخص من فضيحة أو عقوبة أو مساءلة، تتغير خريطة المخاطر في إدراكه؛ فالإنسان لا يقيس الصواب والخطأ فقط، بل يقيس احتمال العقوبة، فإذا بدا الاحتمال صفريا انهار أحد أكبر كوابح السلوك.

وتزداد الخطورة حين يُحصر مفهوم العقوبة في بعدها الدنيوي المادي فقط، وينفصل عن الاعتقاد بعاقبة الآخرة؛ فالتعريف المادي للحياة من أخطر ما يوسع قابلية الانحراف، لأن الرادع يصبح مرتبطا بوجود رقابة بشرية لا بوجود معيار ثابت. أما حين يحضر “الرقيب الأعلى” – الله – في وعي الإنسان، فإن الضبط لا يبقى خارجيا فحسب، بل يتحول إلى ضبط داخلي دائم، يثبت السلوك حتى في غياب القانون والعيون.

السلطة كعامل إفساد إدراكي

لا تقتصر آثار القوة على السلوك الأخلاقي، بل تمتد إلى بنية الإدراك ذاته. الدراسات تشير إلى أن الإحساس بالسلطة يضعف القدرة على تبني منظور الآخرين، ويزيد من نزعة التبرير الذاتي، ويعزز شعور الاستثناء. لذلك لا يفسر صاحب النفوذ فعله بوصفه خطأ، بل يرى أن القاعدة نفسها لا تنطبق عليه. وعند هذه النقطة يغدو السلوك المنحرف في وعيه متماسكا ومنطقيا، لا لأنه يقصد الشر، بل لأنه أعاد تعريف الواقع بما يوافق موقعه.

دور الجماعة النخبوية: تبدل المرجعية لا زوالها

ينبغي التمييز بين الخارج العام والخارج الخاص. حين قلنا إن تأثير الخارج يضعف عند بعض المشاهير لم نقصد أنهم يعيشون بلا تأثير اجتماعي مطلقا، بل إن تأثير المجتمع الواسع يتراجع لديهم: رأي الناس، واستنكار العامة، وضغط السمعة العامة. غير أن هذا الفراغ لا يبقى فارغا، إذ يستبدل بخارج أقرب وأقوى: جماعة النخبة نفسها.

وبذلك ينتقل الضبط من المجتمع إلى الدائرة المغلقة. المشهور لا يحتكم إلى تقدير داخلي خالص، بل إلى معيار جماعته الصغيرة حيث يتكرر الفعل والتبرير، فينشأ تطبيع الشذوذ. هنا يبدو كأنه تحرر من تأثير الآخرين، لكنه في الحقيقة انتقل من تأثير واسع إلى تأثير ضيق أشد إحكاما: زال ضغط المجتمع العام وبقي ضغط الجماعة الخاصة، فتبدلت المرجعية لا أصل الحاجة إلى مرجعية.

التشييء (الحوسلة): من تبادل المنافع إلى محو الإنسانية

ينشأ لدى بعض أصحاب النفوذ مع الزمن إدراك منحرف يجعل العلاقة بالآخرين محكومة بالمنفعة لا بالإنسانية. فإذا بنيت الصلة على المصلحة وحدها خرج الميزان من الاعتدال إلى الإفراط، وتحول الإنسان من ذات تقابل بذاتها إلى أداة تؤدي وظيفة. وقد أشار د. عبد الوهاب المسيري إلى أن المنظومة المادية الحديثة تدفع إلى هذا التحول حين تختزل الإنسان في “مادة استعمالية” داخل نسق أداتي، فيقاس بما يؤديه لا بما هو عليه (المسيري، الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان).

ومن الوجهة الفطرية هنا يبدأ البعد المرضي: الفطرة تجعل الآخر إنسانا ذا حرمة تقف أمامها الإرادة. لكن عندما يسحب عنه هذا المعنى ويختزل إلى شيء، يزول الحاجز الداخلي، ويغدو الفعل الواقع عليه في وعي الفاعل كأنه واقع على شيء لا على شخص. لذلك لا يكون الانحراف شهوة فقط، بل اضطرابا في إدراك الإنسانية نفسها، حيث يفقد الفعل ثقله الأخلاقي لأن محله لم يعد إنسانا في التصور الداخلي.

ويتقاطع هذا أحيانا مع تصورات مادية تختزل الوجود إلى مادة متصلة بلا فارق نوعي بين الإنسان والشيء. ومع غياب الفارق المعنوي تتسع قابلية السلوك المرضي، لأن الضابط لم يعد قيمة الإنسان بل حدود القدرة. وهنا لا تبقى العلاقة تبادلا نافعا، بل تنحدر إلى التشييء الكامل حيث يمحى البعد الشخصي ويحل محله منطق الأداء.

تأثير العزلة الطبقية:

تُعزز العزلة الطبقية هذا التحول. المشاهير لا يعيشون السياق النفسي نفسه الذي يعيشه عامة الناس. يتشكل حولهم محيط مغلق من مساعدين وموظفين ومعجبين وشركاء مصالح، يتعاملون معهم بوصفهم قيمة أو فرصة لا نِدا مكافئا. داخل هذه الفقاعة تتبدل الرؤية: الآخر يصبح وظيفة، نافع أو مزعج أو قابل للاستبدال. فتضعف القدرة على التعاطف تدريجيا، لأن التعاطف لا ينمو إلا في أفق المساواة، وحين تغيب المساواة يبهت الإحساس بالآخر مهما حضر جسمه.

تبلد الإحساس

حين تصبح الملذات المعتادة متاحة بسهولة تفقد قدرتها على الإشباع، فيرتفع سقف الإثارة. وقد بينت أبحاث الاعتياد النفسي (Hedonic Adaptation) أن التكرار السريع للنعم يخفض أثرها الانفعالي، فيدفع الفرد إلى البحث عن خبرات أشد. عندئذ قد يتحول خرق القواعد، أخلاقية كانت أو قانونية، إلى مصدر إثارة جديد، لا بدافع الحاجة بل بدافع استعادة الإحساس.

الانحراف الجنسي: من تبدل الإثارة إلى تبدل الموضوع

عندما يرتفع سقف الإثارة لا يبقى الانحراف سلوكا واحدا، بل يتحول إلى طيف تتغير فيه موضوعات الرغبة وكيفية تحققها. فالمسألة لا تتعلق بدافع مفاجئ أو نزوة عابرة، وإنما بمسار إدراكي يتبدل فيه معنى اللذة مع الزمن: ما كان مثيرا يصبح عاديا، وما كان مرفوضا يصبح قابلا للتجربة، ثم يغدو التجاوز ذاته مصدرا للإحساس. ولهذا لا يصل الفرد إلى السلوك الأقصى مباشرة، بل يعيد تعريف المقبول مرحلة بعد أخرى.

ولهذا تميز الأدبيات النفسية بين بُعدين في الانحراف الجنسي: موضوع الرغبة، وكيفية تحققها؛ لأن التصعيد السلوكي لا يبدأ بتغير الفعل بل بتغير الإدراك الذي يسبقه.

النوع الأول: مع من[1]:

  1. ممارسة الجنس مع كلا الجنسين (Bisexuel).
  2. للواطية (Homosexualité).
  3. ممارسة الجنس مع أي شيء يوحي برغبة جنسية (Fétichisme).
  4. ممارسة الجنس مع الحيوان (La Zoophilie).
  5. ممارسة الجنس مع الأطفال (La Pédophilie).
  6. ممارسة الجنس مع الكهول (La Gérontophilie).
  7. ممارسة الجنس مع الموتى (Nécrophilie).
  8. زنا المحارم (inceste).

التوع الثاني؛ كيف:

  1. الإحساس باللذة عبر إظهار المفاتن (Exhibitionnisme).
  2. الإحساس باللذة الجنسية عبر النظر إلى الأفلام والمجلات الجنسية (Voyeurisme).
  3. الإحساس باللذة الجنسية عبر علاقة عشقية بمخرج التبرز (Coprophilie).
  4. الإحساس باللذة الجنسية عبر علاقة عشقية مع البول (Odinism/Urolagnie[2]).
  5. ممارسة الجنس عن طريق إلحاق الألم بالغير (Sadisme).
  6. ممارسة الجنس عن طريق إلحاق الألم بالذات (Masochisme).

التمركز حول الذات

مع تضخم الإحساس بالاستحقاق تضعف قدرة الإنسان على محاسبة نفسه أو النظر إلى أفعاله من خارج رغباته. فتتراجع خبرة الندية الإنسانية، وينظر إلى الآخرين بوصفهم وسائل لإشباع الحاجة أو تثبيت المكانة. وتشير دراسات التعاطف لدى أصحاب النفوذ (كيلتنر وآخرون) إلى أن الإحساس بالقوة يقلل تلقائيا من تبني منظور الآخر، مما يفسر أنماط الاستغلال لا بوصفها قصدا عدوانيا مباشرا بالضرورة، بل كنتيجة لبنية إدراكية ترى العلاقة وظيفة قبل أن تراها إنسانا.

البحث عن الإثارة المتطرفة

لتعويض الفراغ العاطفي والوحدة يلجأ بعضهم إلى مصادر تنبيه قوية تعطي شعورا فوريا بالحياة، كالإدمان أو المغامرات المالية غير المحسوبة. فيتحول الهدوء الداخلي إلى ضيق يستبدل بضجيج خارجي مستمر، لا طلبا للمتعة وحدها، بل هروبا من الإحساس بالفراغ.

نزعة هدم الذات

قد يأخذ الانحراف أحيانا صورة تدمير ذاتي غير واعٍ: يفضل المشهور السقوط بفعله على أن يختبر تلاشي الاهتمام به تدريجيا. يصبح الفعل الخاطئ وسيلة للسيطرة على النهاية بدل انتظارها. فيظهر الانجراف الجنسي عند بعضهم بوصفه محاولة لاستعادة شعور بالقوة أو بحثا عن قرب إنساني افتقده خلف طبقة الصورة العامة. وقد يتخذ الانحراف المالي شكل إحساس بأن القواعد لا تنطبق عليه، أو سعيا لشراء شعور دائم بالأمان والسيطرة حين لا يكفي الامتياز الظاهر لطمأنته. أما الإدمان فيكون وسيلة لتخدير القلق الناتج عن ضغط التوقعات، ومحاولة للهروب المؤقت من الهُوية المصنوعة التي يفرضها الدور العام.

فجوة الهُوية (الذات المزيفة)

يعيش بعض المشاهير حالة انقسام داخلي بين صورتين: صورة عامة تعرض على الناس بوصفها أيقونة مكتملة، وصورة داخلية يختبر فيها ضعفه الإنساني العادي. ومع تكرار التمثيل الاجتماعي لهذه الصورة المثالية تتكون ذات منشأة للعرض، تضبط كلامه وسلوكه وفق توقعات الجمهور، بينما تبقى الذات العادية بطبيعتها المحدودة خلف الستار.

ومع اتساع الفارق بين الصورتين ينشأ توتر دائم: يطالب بالمحافظة على صورة لا تسمح بالخطأ، في حين يختبر داخليا حاجات إنسانية لا تنسجم معها. عندها لا يكون الضغط تعبا نفسيا فحسب، بل اضطرابا في الإحساس بالهُوية: أيهما يمثله حقا؟ الصورة التي يراها الناس أم الشعور الذي يعيشه؟ وكلما زادت المسافة بينهما زادت قابلية الهروب إلى سلوكيات تعويضية أو اندفاعات مفاجئة، لأنها محاولة لاستعادة الإحساس بالذات خارج إطار الدور المفروض.

متلازمة “الاستحقاق المطلق” وتآكل الحدود

يستعمل علماء النفس مصطلح “الإحساس بالاستحقاق” للدلالة على اعتقاد داخلي بأن للفرد حقا خاصا في معاملة أو امتيازات لا تقاس بالمعايير المشتركة. وقد ربطت دراسات اضطرابات الشخصية، خاصة في طيف النرجسية، بين تضخم المكانة الاجتماعية وتنامي هذا الشعور؛ إذ يضعف إدراك القيود ويزداد توقع الاستجابة الفورية للرغبات. ومع تكرار الإشباع السريع، كما يحدث في حياة بعض المشاهير، يتآكل مفهوم الحد النفسي، فلا يعود المسموح والممنوع إطارا ضابطا، بل عائقا ينبغي تجاوزه.

وفي الدوائر المغلقة التي تحيط بالشخصيات النافذة يتعزز هذا الإحساس أكثر: استمرار الامتياز، وغياب المساءلة، وتوافر من يلبي الطلب قبل صدوره، يعيد تعريف موقع الفرد داخل الجماعة، حتى يترسخ في وعيه أن القواعد صيغت للآخرين لا له. عند هذه المرحلة ينتقل الحكم من الضابط الداخلي إلى الإرادة الذاتية، فيرى نفسه مركزا تدور حوله الوقائع لا فردا داخل نظام إنساني مشترك.

ومن زاوية علم النفس الفطري يمثل ذلك انقطاعا عن ميزان التمييز الذي يرد الإنسان إلى حده: الفطرة تبقي الشعور بالمسؤولية سابقا على الفعل، أما تضخم الاستحقاق فيبدله بإحساس الاستغناء. وقد صور القرآن مآل هذا التضخم في قصة قارون، حيث تحول الامتلاك إلى استعلاء ثم إلى سقوط: “فخسفنا به وبداره الأرض” (القصص: 81). فليس في التصور الإسلامي استحقاق ذاتي مستقل، بل كل ما بيد الإنسان فضل من الله عز وجل، فإذا توهمه حقا ذاتيا فقد ميزان الفطرة، ورأى القدرة أمانا دائما حتى تنقلب عليه فجأة هلاكا.

“متلازمة الغطرسة”

استعمل هذا المفهوم في الأدبيات الطبية السياسية لوصف التحول النفسي الذي قد يطرأ على بعض من يمارسون سلطة واسعة زمنا طويلا. وقد قدمه الطبيب والسياسي البريطاني ديفيد أوين بالاشتراك مع الطبيب النفسي جوناثان ديفيدسون، مبينين أن طول التعرض للسلطة لا يؤثر في القرار الأخلاقي فقط، بل يغير أسلوب إدراك الواقع ذاته: يميل صاحب السلطة إلى رؤية العالم من زاوية ذاته، ويزداد اعتماده على حدسه الخاص بدل المعايير المشتركة.

ويصف أوين أن الحالة تتجلى في سمات متكررة، منها تضخم الشعور بالثقة، والاقتناع بأن القائد يملك فهما استثنائيا لا يحتاج معه إلى مراجعة، مع تراجع القدرة على الإصغاء للنقد. ومع الزمن يتكون إحساس بالاستحقاق المطلق، ويتعامل الشخص مع القواعد بوصفها قيودا تخص الآخرين لا تخصه. عند هذه النقطة لا يرى نفسه مخالفا للقاعدة، بل يرى القاعدة أدنى من موقعه.

غياب الصدق

ينشأ الصدق من القدرة على مواجهة الحقيقة وقبول ما يكشفه الواقع من حدود وأخطاء. لكن من يعيش في محيط يجامله ولا يصارحه يفقد هذا الاحتكاك الضروري، فتضعف بوصلة التقييم الداخلي لديه. ومع غياب القول الصريح لا يعود يرى نفسه كما هي، بل كما تعكسها له صور الإعجاب، فيتسع هامش التبرير ويبهت الإحساس بالخطأ تدريجيا، لا عن قصد الخداع، بل لأن الحقيقة لم تعد تصل إليه كاملة.

وتظهر هذه المشكلة بدرجة أشد عند الملوك والرؤساء، ولا سيما في الأنظمة الديكتاتورية، أكثر مما تظهر عند مشاهير الفن أو الرياضة ونحوهم؛ لأن السلطة السياسية تملك قدرة أكبر على إسكات المعارضة وصناعة الإجماع القسري، فينقطع الحاكم عن أي مرآة تصحح إدراكه. أما المشهور، فرغم العزلة النسبية، يبقى عرضة لرقابة مجتمعية وإعلامية أوسع تحد جزئيا من هذا الانغلاق.

ولهذا يحث الإسلام على البطانة الصالحة التي تنصح ولا تنافق. ورد في الحديث: “ما بعث الله من نبي ولا استخلف من خليفة إلا كانت له بطانتان: بطانة تأمره بالمعروف وتحضه عليه، وبطانة تأمره بالشر وتحضه عليه، والمعصوم من عصم الله” (رواه البخاري). فوجود من يصدق النصيحة ضرورة لحفظ الإدراك من أن ينغلق على وهم القوة.

متلازمة فرعون

تصف هذه المتلازمة التحول الذي يطرأ على هوية بعض المشاهير (الساسة خاصة) بعد التعرض الطويل للإعجاب الجماهيري: لا يبقى الإعجاب ظاهرة خارجية عابرة، بل يتحول إلى مرجعية داخلية يعاد بناء الذات على أساسها. وهنا يلتقي مفهومان متمايزان، لا بوصفهما ظاهرة واحدة، بل مرحلتين في مسار واحد ينتقل فيه مركز الحكم من الذات إلى انعكاسها الاجتماعي.

في المرحلة الأولى، تكون المرجعية داخلية: يعجب الفرد بذاته كما يتخيلها هو، إن وافقه الناس أم خالفوه. يريد أن يكون عظيما في ذاته قبل أن يكون عظيما في أعين الآخرين، ولذلك يتمركز إدراكه حول “الذات المتصورة”.

ثم تأتي المرحلة الثانية حيث تصبح المرجعية خارجية ثم تستدخل: يغدو الشخص تابعا للصورة التي صنعها الجمهور عنه، فيحافظ عليها ولو خالف رغبته أو مصلحته. هنا لا يعيش ليكون عظيما، بل ليبقى عظيما في أعين الناس، فيتحول مركز التجربة إلى “الانعكاس الاجتماعي للذات”. بهذا المعنى يحاول في الأولى أن يفرض صورته على العالم، بينما يعاد تشكيله في الثانية بواسطة الصورة التي صنعها العالم له: إعجاب بالذات ← خضوع للصورة. وفي لحظة استدخال نظرة الجمهور يفقد الإنسان استقلال ميزانه الداخلي، فلا يعود يسأل: “ما الصحيح؟” بل: “كيف سأبدو؟” فتغدو الهُوية مرهونة باستمرار الانعكاس الاجتماعي أكثر من اتصالها بحقيقتها.

ومن هنا سميناها “متلازمة فرعون”، لأن لفظ “فرعون” في الاستعمال القرآني لا يقصد به اسم شخص بعينه فقط، بل لقب كان يطلق على ملوك مصر، أي ما يشبه قولنا اليوم: الملك أو الإمبراطور. فالكلمة تدل على موقع وسلطة قبل أن تدل على فرد، ولذلك صار الاسم وصفا لنمط نفسي يمكن أن يتكرر في أي زمن حين تتكرر شروطه.

وعندما تتحول المكانة إلى مرجعية للحقيقة لا تعود القوة أداة يؤدي بها الإنسان دوره، بل تصبح مرآة يرى فيها ذاته مصدرا للمعيار، كما عبر القرآن عن هذه الحالة بقوله تعالى: “فقال أنا ربكم الأعلى” (النازعات: 24)، وقوله: “وقال فرعون يا أيها الملأ ما علمت لكم من إله غيري” (القصص: 38). المتلازمة لا تعني اعتقاد الألوهية لفظا، بل تعني تحول الإدراك: يصبح الوجود الاجتماعي للإنسان دليلا عنده على الصواب، ويغدو فقدان الصورة تهديدا للذات ذاتها. هنا تبلغ عبادة الصورة ذروتها: لا يحافظ الفرد على صورته لأنه ناجح، بل يحافظ على النجاح لأنه شرط لبقاء صورته.

“القطيع النخبوي”

لا يعيش المشهور داخل مجتمع واسع كما يتصور الناس، بل داخل دائرة ضيقة تتكرر فيها الوجوه والسلوكيات نفسها. ومع التكرار يفقد الفعل غرابته: ما كان مستنكرا خارجها يصبح مألوفا داخلها، لا لأن الأفراد قرروا الانحراف، بل لأن معيار الحكم تغير تدريجيا. الفطرة تستيقظ حين ترى التباين، أما حين تحاصرها المشابهة المستمرة يضعف إنذارها الداخلي، ويعاد تعريف المقبول دون شعور بلحظة التحول.

داخل هذه الدوائر لا يعمل الضغط الأخلاقي بقدر ما يعمل ضغط الانتماء: يراقب كل فرد الآخر ليتأكد أنه لا يبدو “أكثر محافظة” من الجماعة. وهكذا لا يحتاج السلوك إلى قرار فردي صريح، بل يكفي أن يفعله شخص ذو مكانة ليصير قابلا للتكرار. ومع الزمن يتحول التواطؤ الصامت إلى تشجيع متبادل: يطمئن كل واحد الآخر بأن ما يحدث طبيعي، فيخف الشعور بالمسؤولية الفردية لأن الفعل صار “سلوك جماعة”. عندها لا يتجاوز الفرد القيم وحده، بل تعبرها الجماعة به، فيشعر بالأمان لا رغم الخطأ بل بسببه.

“الكَنِبَلِزْمْ” بوصفه أقصى درجات التشييء

أكل لحوم البشر (Cannibalism) في الدراسات النفسية الجنائية لا يُفهم باعتباره انحرافا غذائيا أو شهوة جسدية، بل علامة على انهيار عميق في إدراك إنسانية الآخر. فالإنسان الطبيعي يمتنع عن هذا الفعل حتى في أقصى الجوع، لأن داخله يعمل حاجز سابق على القانون: إدراك أن الجسد المقابل إنسان لا مادة. وعندما ينهار هذا الحاجز لا يكون السلوك مجرد عنف، بل تغيرا في معنى الإنسان داخل الوعي.

تشير دراسات الجرائم القصوى إلى أن الأفعال المتطرفة تمر بمراحل إدراكية متدرجة: المادة … محو حرمة الجسم ← امتلاك الجسم ← التشييء.

في هذه النقطة لا يعود الآخر شخصا مستقلا في وعي الفاعل، بل يتحول إلى موضوع قابل للتصرف. ولهذا لا يُفسر “الكَنِبلزمْ” بالمتعة الحسية، بل بدافع أعمق هو إزالة الحد الفاصل بين الذات والغير؛ أي ليس الاعتداء فقط، بل إلغاء الآخر نفسيا. فالإنسان هنا لا يقتل الضحية فحسب، بل يتعامل معها كأنها لم تكن إنسانا أصلا، بل مادة داخل نطاق قدرته.

البعد المرضي: اضطراب الحدود النفسية

سريريا يمثل “الكَنبلزم” خللا في بنية الإدراك العلاقي؛ إذ تختفي المسافة النفسية التي تجعل “أنا” مختلفة عن “أنت”. ويصبح الفعل تعبيرا عن سيطرة كلية لا عن رغبة جزئية. فالسيطرة في العنف العادي إخضاع، أما هنا فهي ابتلاع رمزي: محو وجود الآخر خارج الذات. ولهذا لا يُعد الفعل انحراف شهوة، بل اضطرابا في تصور الإنسانية نفسها، حيث يفقد الجسم معناه الأخلاقي لأن الفاعل لم يعد يدرك صاحبه كإنسان مكافئ له.

الطقوس الشيطانية والرمز الثقافي: القدرة بلا ضابط

تظهر في التاريخ الإنساني طقوس ارتبطت بالقوة والسحر والتضحية. يهمنا هنا الجانب النفسي لا الاستطراد التاريخي: لماذا يلجأ الإنسان إلى طقوس تلغي حرمة الإنسان نفسها؟ هنا يبرز مفهوم “الشيطاني” بوصفه رمزا يمثل تمرد الإنسان على الحد الأخلاقي، أي لحظة يقرر فيها أن القدرة تسبق القيمة. في معظم الثقافات يمثل الشيطان رمزا واحدا: القدرة بلا ضابط. ولهذا ارتبطت به في الأساطير والطقوس عناصر متكررة: كسر المحرم، طلب القوة، السيطرة على الآخر.

وفي الثقافة الحديثة لا تمارس الطقوس غالبا بمعناها القديم، لكن الرمز بقي حاضرا: يستعمل في الموسيقى والموضة والسينما للدلالة على كسر السقف الأخلاقي، والاستغناء عن المرجعية، وصناعة الذات. ومع بيئة الشهرة التي تتسم بالاستثناء والسلطة والإعجاب يصبح الرمز جاذبا لأنه يختصر فكرة: “أنا فوق الحد”. لذلك يظهر أحيانا في صورة استفزاز أو صدمة أو تجاوز متعمد للأعراف، بوصفه اختزالا ثقافيا لفكرة القدرة المطلقة.

“تأثير لوسيفر” (الرمز والتحول البيئي)

يرد لفظ “لوسيفر” في أصله اللاتيني بمعنى “حامل النور”، ثم استعمل في التراث المسيحي الغربي للدلالة على الملاك الذي سقط بسبب الكبر والعصيان. (وبحسب التصور الإسلامي، إبليس ليس من الملائكة، بل من الجن عاش بين الملائكة لا منهم). ومع الزمن تحول الاسم إلى رمز ثقافي يدل على نمط نفسي لا على كائن بعينه: التمرد على المرجعية العليا، جعل الإرادة الذاتية مصدر المعيار، امتلاك قدرة بلا ضابط.

ومن هذا المعنى يمكن فهم حضور الرمز في بعض ثقافة المشاهير: لا يدل بالضرورة على اعتقاد ديني مباشر، بل على بنية نفسية تتشكل حين تتضخم القدرة ويضعف الحد. فالمشهور الذي يعيش الاستثناء الدائم والإعجاب المستمر قد ينتقل من سؤال “ما الصحيح؟” إلى سؤال “ما الذي أريده؟”، فيصبح هو معيار الفعل. وقد يكون ذلك عند بعضهم اعتقادا، وقد يكون تمثلا شعوريا ورمزيا: لا لأنهم يتبعون الشيطان اعتقادا بالضرورة، بل لأنهم يجسدون من حيث الإحساس نموذج الإنسان الذي يرى نفسه مصدر النور والمعيار معا.

وقد تناولت دراسات نفسية هذا التحول من زاوية بيئية. “تأثير لوسيفر” عند فيليب زيمباردو يفسر كيف يمكن للسلطة والحصانة والنفوذ أن تدفع أشخاصا عاديين إلى سلوكيات أخلاقية قصوى حين تتغير شروط الإدراك أكثر مما تتغير النوايا. وفي السياق ذاته تتحدث أعمال مثل Dark Side of Fortune عن الانهيار الأخلاقي والنفسي المصاحب للثراء الفاحش والشهرة، حيث يرتفع سقف الإثارة ويبحث الفرد عن تجارب أكثر تطرفا لكسر الملل الناتج عن الإشباع الدائم.

ومن هنا يمكن قراءة بعض الدوائر المغلقة في قضايا شهيرة بوصفها بيئات تجمع بين الامتياز والسرية والضغط المتبادل: يستدرج الأفراد عبر نقاط ضعف نفسية كالحاجة للقبول أو الخوف من الفضيحة. فيلتقي الرمز الثقافي مع الواقع النفسي: تضخم القدرة مع غياب الحد يفتح الباب لسلوك لم يكن ليظهر في سياق إنساني عادي.

قلق التلاشي (الخوف من الزوال)

الخوف عند بعض المشاهير لا يكون من الفشل فقط، بل من الاختفاء نفسه، أي من فقدان الحضور الذي صار جزءا من تعريف الذات. فحين ترتبط قيمة الشخص بانتباه الآخرين يتحول الضوء من ظرف خارجي إلى شرط وجودي، ويغدو الغياب كأنه نقص في الكينونة لا مجرد تغير في المكانة. لذلك ينشأ توتر دائم للمحافظة على المستوى ذاته، وقلق من التراجع أو من ظهور من يتجاوزه، لأن المنافس هنا لا يسحب موقعا فحسب، بل يهدد معنى الذات الذي بني على التفوق والاستمرار.

الخاتمة

لا تتكرر هذه القضايا لأنها مرتبطة بثقافة بعينها أو زمن محدد، بل لأنها تظهر كلما اجتمعت شروط متشابهة: ثروة كبيرة، نفوذ واسع، محيط مغلق، غياب للمحاسبة. عند هذا الحد تتشكل بيئة نفسية تسمح بظهور أقصى ما في الإنسان من قابلية للانحراف، لا لأنه نوع مختلف من البشر، بل لأنه إنسان حين ترفع عنه الحدود.

ومن هنا فهذه الوقائع ليست مادة للصدمة ولا مجالا للتشفي، بل مجال للفهم. فهي تذكر بأن القوة تكشف النفس أكثر مما تصنعها، وأن المال يوسع الخيارات ولا يخلق القيم، وأن الرقابة الداخلية إذا ضعفت لم يمنع الانحراف امتلاك كل شيء. قد ينجح الإنسان اجتماعيا ويخسر إنسانيا، وقد يرتفع مقاما ويهبط معنى.

ولهذا لا يبقى السؤال: كيف سقطوا؟ بل: ما الذي يحفظ الإنسان حين يصبح قادرا على كل شيء؟ وهنا نقول في علم النفس الفطري: إن الغريزة في أصلها لا يزاد فيها ولا ينقص منها، وإنما تنحرف حين تطغى النفس الأمارة ويعلو صوت الشيطان، فتنزل من مجال التوازن إلى سحيق الانحراف. عند هذه النقطة يبدأ البحث النفسي الحقيقي: لا بدراسة العجز، بل بدراسة القدرة حين تنفصل عن الضابط.

تنبيه منهجي: لا يعني هذا التحليل التعميم على جميع المشاهير أو أصحاب النفوذ، فـ”من عمم فقد ظلم”. المقصود فئة مخصوصة تتوافر فيها شروط نفسية واجتماعية معينة. قد تكون المكانة وسيلة بناء كما قد تكون وسيلة سقوط، والبحث منصب على آلية السقوط لا على الفئة بذاتها.


[1] – الحضري لطفي. (2005). السلوك المنحرف والمرجعية الفكرية. الرباط.

[2] Norber S. 1980

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *