قراءة في التاريخ للاستشراف السياسي
بقلم: د. الحضري لطفي
في زمن التحولات الكبرى، وانشغال الأمة بجراحها المفتوحة، يبرز سؤال يفرض نفسه بإلحاح: هل تسعى إسرائيل اليوم إلى أن تُعيد، على أرضنا، ما فعلته بريطانيا في أرضنا بالهند؟
هل نحن أمام نسخة جديدة من السيطرة… لكن بدون احتلال، وبدون جيوش، بل بأيدي أبناء البلد أنفسهم، من خلال تقسيم الولاءات، وتخدير العقول، وربط المصالح بالعدو أكثر من ربطها بالأمة والوطن؟
لسنا هنا بصدد التخويف أو صناعة فزاعات، بل بصدد فهم نمط جديد من السيطرة: استعمار بلا راية، يعمل على “تصهين” الوعي قبل السيطرة على الأرض، ويعيد تشكيل العقل العربي ليقبل الهزيمة كقدر، والعدو كجار، والمحتل كشريك اقتصادي وأمني.
وهنا تتجلّى خطورة ما نُسميه في علم النفس الفطري بـ”متلازمة تازة“، – (تازة قبل غزة) – حيث ينشأ التبرير للخذلان من داخل النفس، ويتحوّل الإنسان من الدفاع عن قضاياه إلى المبالغة في تبرير خذلانه، بل الهجوم على من بقي متمسكًا بفكرة “المق.اومة”. فبدل أن نشعر بالألم من أجل غزة، نصرف عقولنا في ترتيب “الأولويات”، وبدل أن نغضب للحق، نبحث عن أعذار لمن يبيعه.
وهنا، يتحوّل الانسحاب من المعركة إلى فضيلة، والصمت إلى “حكمة”، والحياد إلى “نضج سياسي”، حتى يتحول بعضنا – دون أن يدري – إلى أدوات في مشروع “إسرائيل الكبرى” نفسه.
ولعل أخطر ما يدفعنا لطرح هذا السؤال هو ما تخبئه الذاكرة التاريخية الإسلاميةمن درس بليغ: الدولة التي أسقطها الاحتلال البريطاني في الهند لم تكن كيانًا هامشيًا، بل إمبراطورية إسلامية كبرى امتدت لقرون، وبلغت من القوة أن شيّدت “تاج محل”، وأدارت شؤون ملايين المسلمين وغيرهم. لكنها، حين فقدت ولاءها الداخلي، وتحول جنودها إلى أدوات في يد المستعمر، سقطت بلا حرب كبرى… الخارج لا يُفلح بقوّته، بل بخيانة الداخل وانهياره.
فإذا كانت “إسرائيل الكبرى” لا تحتاج اليوم لأن ترفع علمها على كل شبر، -ولكن الخطر محدق-فربما يكفيها أن ترفع من بيننا من يُطبع باسم الواقعية، ويُبرر باسم المصلحة، ويُصهين باسم “الرؤية الجديدة للسلام”.
فالسؤال الأهم لم يعد: متى تهاجمنا إسرائيل؟بل: كم منا صار يقاتل معها…؟
تاريخ الإمبراطورية المغولية في الهند: دولة إسلامية أُسقطت من الداخل
حين نتأمل في مصير الإمبراطورية المغولية التي أسقطها الاحتلال البريطاني، يجب أن نُدرك أنها لم تكن كيانًا وثنيًا أو أجنبيًا عن الأمة الإسلامية، بل كانت دولة إسلامية كبرى حكمت الهند لثلاثة قرون، وأقامت فيها حضارة امتزج فيها الإسلام بالفن والسياسة والإدارة. أسسها ظَهير الدين بَابُر، وهو حفيد تيمورلنك من جهة الأب وذو نسب مغولي من جهة الأم، فكان من نسل تتاري–مغولي، لكنه اختار أن يبني دولته على قواعد إسلامية واضحة، واعتمد الفارسية لغة للإدارة، وأقام المساجد، والمدارس، والمحاكم الشرعية.
بلغت الإمبراطورية أوجها في عهد حفيده جلال الدين أَكْبر، وجهانغير، وشاه جهان، الذين شيّدوا معالم خالدة مثل تاج محل، وأداروا دولة واسعة تضم ملايين المسلمين والهندوس وغيرهم، في ظل تسامح ديني نسبي ونظام إداري قوي. ومع مرور الزمن، تآكلت هذه الدولة من الداخل بفعل النزاعات، والتفكك، وصراع الأمراء، حتى أصبحت لقمة سائغة للقوى الأوروبية.
إن استحضار هذا التاريخ في سياق الحديث عن “إسرائيل الكبرى” ليس عودة للماضي من باب الحنين، بل من باب العبرة: فكما سقطت دولة إسلامية بأيدي أبنائها حين تحالف بعضهم مع المستعمر البريطاني ضد إخوانهم، فإن مشروع إسرائيل لن يحتاج لاحتلال مباشر إذا توفرت له نفس الشروط: انقسام داخلي، وولاءات مشروخة، وخيانة متأنقة، وجهل جماعي بالمصير.
أولًا: من “شركة الهند الشرقية” إلى “شركة التطبيع الإقليمي”
1.التجربة البريطانية في الهند: السيطرة من الداخل
بريطانيا لم تبدأ احتلال الهند بالمدافع والجنود، بل بدأت بشركة تجارية ذات طابع اقتصادي، ثم تحوّلت تدريجيًا إلى سلطة سياسية وعسكرية، مستندة إلى ثلاث دعائم:
- تفكك السلطة المركزية، ضعف الدولة المغولية) المسلمة).
- الانقسامات الطائفية والإقليمية: (ماراثا، سيخ، نواب، جنوب).
- التوظيف المحلي: تجنيد مئات الآلاف من الهنود في الجيش البريطاني، ليقاتلوا هنودًا آخرين، دفاعًا عن مصالح المحتل، لا عن وطنهم.
لم تنتصر بريطانيا على الهند بقوة السلاح، بل بخيانة الداخل. لم تحتج إلى جيوش جرارة، بل إلى قلوب خوّفها الجوع، وعقول أُخضعت بالدعاية، وضمائر سُحقت تحت وطأة التبعية. جنّدت نحو 250 ألف جندي هندي، دفعتهم لقتل إخوانهم، لقمع كل نفس أبت الاستسلام، ولكسر عزيمة كل من حاول أن يقول: لا. في المقابل، لم يتجاوز عدد الجنود البريطانيين 70 ألفًا.
الاحتلال انتصر حين تمكّن من قلب المفاهيم: جعل الطاعة وطنية، والولاء للغريب عقلانية، و”المق.اومة” تهورًا. فصنع من بعض أبناء الوطن أدواتٍ لإخماد صوته، وألسنة تبرر عذابه، وسواعد ترفع السلاح على أهله. كانت الخيانة بداية السقوط، لا في الميدان فقط، بل في وجدان أمة شُوّه وعيها، وهُدّدت بالقهر حتى ظنّت أن الخضوع هو النجاة.
2.إسرائيل وسيناريو “الاندماج من الداخل”
ما تسعى إليه إسرائيل في مشروع “إسرائيل الكبرى” لا يقوم على نشر اليهود من النيل إلى الفرات، بل على تحويل أبناء هذه الدول إلى أدوات وظيفية في خدمة أمنها وتفوّقها. لا تحتاج إلى احتلال مباشر، بل إلى تجنيد داخلي مقنّع يطرق الباب من الداخل.
لقد تحقّق هذا من خلال دمج فئات من الدروز في جهاز الدولة والمؤسسات الأمنية، وتجنيدهم في الجيش، كطوقٍ داخلي يُستخدم ضد “المق.اومة”. في إسرائيل، يخدم أغلب الرجال الدروز في الجيش بصفة إلزامية، وكان لهم تمثّل قوي في وحدات النخبة، مما يُستخدم كنموذج لاحتواء الطائفة وضمان الولاء مقابل امتيازات مدنية وأمنية.
هذه الاستراتيجية تعتمد أدوات ناعمة، مثل المناهج الدراسية والإعلام والسيطرة الاقتصادية، ترتبط بأدوات خشنة كالتجنيد القسري، والضغط السياسي، والابتزاز. هي مزيج من قِطع اليكترونيّة تثبت الولاء وأخرى مسلّحة تخنق صوت المعارضة.
تكاد تشبه نموذج شركة الهند الشرقية: لم تستطع فرض سلطانها بالسلاح وحده، بل بصناعة خونة داخليين يحمون مصالحها، ويقمعون المق.اومة. بهذا الأسلوب، تستمر إسرائيل في بناء “حزام داخلي” وظيفي، لا دفاعًا عن وطن، بل لخدمة منظومة مستقبلها الاستراتيجي:
- اتفاقيات تجارية وتكنولوجية.
- تعاون أمني واستخباراتي خلف الأبواب المغلقة.
- خلق مراكز نفوذ اقتصادية تسيطر على مفاصل القرار الداخلي.
- توظيف الأنظمة والنخب لتثبيت واقع “السلام مقابل اللاشيء”.
ثانيًا: شروط التجربة البريطانية… هل تتكرر؟
1.غياب المركز السياسي
كما انهارت الدولة المغولية تحت ضربات الانقسام، فإن الوضع العربي اليوم يشهد فراغًا مشابهًا:
- لا مشروع وحدوي واضح.
- تعددية مراكز النفوذ (إيران، تركيا، الخليج، مصر، المغرب، الجزائر).
- دول مركزية منهكة (سوريا، العراق، اليمن، ليبيا).
- صراعات داخلية طائفية وإثنية تغذيها قوى خارجية.
2. تآكل الولاء الجماعي
في الهند، لم يكن هناك شعور قومي موحد، وكانت الولاءات محلية: للزعيم أو القبيلة أو الطائفة.
وهذا ما يُعاد إنتاجه في العالم العربي، حيث تُستبدل “الأمة” بـ”القطر” و”العقيدة” بالهُوية الفرعية، لتصبح كل طائفة ومذهب وعرق مشروعًا سياسيًا مستقلًا.
إسرائيل تفهم جيدًا هذا المشهد، وتسعى لتكريسه لا فقط بالدعاية، بل بإعادة صياغة أنظمة المنطقة على أساس الانشغال بالداخل:
- صراعات مذهبية.
- اضطرابات إثنية.
- حروب حدودية.
- تجفيف منابع المق.اومة.
ثالثًا: جنود بلا وعي… من السيبوي إلى “الجندي العربي الجديد”
1. كيف جندت بريطانيا الهنود؟
لم يكن معظم الجنود الهنود يدركون أنهم يقاتلون لصالح محتل أجنبي.
- كانوا يبحثون عن الراتب، لا عن السيادة.
- عن الأمان الفردي، لا عن مستقبل الهند.
- عن القائد المحلي، لا عن مشروع وطني.
- كانوا ضحايا للجهل، والانقسام، والعوز.
2. ماذا عن “… العربي” في زمن التحالفات؟
اليوم، لا تحتاج إسرائيل إلى تجنيد 250 ألف جندي من العرب ليقاتلوا معها، بل يكفيها:
- ضباط ارتباط أمني يزودونها بالمعلومات.
- إعلام عربي يُبرر قصف غزة باسم “محاربة الإرهاب”.
- نخب ثقافية تنشر مقولات “السلام الحضاري” و”إسرائيل ليست عدوا”.
- جنود في جيوش عربية يُدرَّبون على تقنيات إسرائيلية، أو ينسقون معها لملاحقة “المتطرفين”.
وكل هذا يجري تحت مسمى “الشراكة الإقليمية”، “مكافحة الإرهاب”، أو “التكامل الاقتصادي”.
رابعًا: إسرائيل الكبرى… من الجغرافيا إلى التفوق الوجودي
1. مفهوم “إسرائيل الكبرى”:
لم تعد إسرائيل تطمح فقط إلى حدود توراتية وهمية من النيل إلى الفرات، بل تسعى إلى:
- الهيمنة الأمنية: أن تكون القوة المطلقة في المنطقة.
- الهيمنة الاقتصادية: أن تكون محرك مشاريع “السلام الإقليمي”، ومركز التكنولوجيا والتجارة.
- الهيمنة النفسية: أن يتم قبول وجودها كأمر واقع لا نقاش فيه.
- نزع شرعية المقاومة: تشويه المق.اومة وتجريمها داخليًا قبل أن يُحاربها العدو خارجيًا.
2. الجيوش لا تُبنى فقط من الجنود
الجيوش تُبنى أيضًا من الإعلاميين، والمثقفين، والسياسيين، والتقنيين، والاقتصاديين. فإذا استطاعت إسرائيل أن تُطبع مع هذه الفئات، وتُقنعها بأنها الحليف وليس العدو، فإنها ستكون قد كسرت الجبهة الداخلية للعداء الوجودي.
- تفكيك الشعور الجمعي بالقضية الفلسطينية: وجعلها شأنًا فلسطينيًا صرفًا.
- احتواء النخب العربية عبر الجوائز والوظائف والدعوات الثقافية.
- خلق تبعية رقمية وتقنية من خلال التحكم في الأنظمة الرقمية، وحلول الأمن السيبراني.
- استثمار الجيل الجديد: تطبيع صامت عبر الموسيقى، الرياضة، التعليم، والسوشيال ميديا.
- إعادة صياغة مفردات اللغة السياسية: “تحييد”، “شراكة”، “سلام بارد”، “مصلحة وطنية”، لتُبرر أي خضوع.
وهذا هو الخطر الحقيقي.
المغرب: “المملكة المقدسة لبني إسرائيل”
اقتباسا من كلام وكتابات د. أحمد ويحمان: ما يجري في المغرب يُعد نموذجًا حيًّا لهذا التمدد، حيث نواجه مشروعًا ناعمًا وخطيرًا في آن واحد: مشروع “المملكة المقدسة لبني إسرائيل“. هذا المفهوم الذي كان يُنظر إليه سابقًا كمجرد تهويمات، صار اليوم يُروَّج له بوقائع على الأرض، عبر مشاريع عقارية ضخمة، وسياسات ثقافية، واختراقات دينية، وتحوير للهُوية الوطنية، بل وحتى محاولات لإعادة كتابة التاريخ والجغرافيا وفق منطق توراتي صهيوني.
الصهيونية العقارية وتمزيق الخريطة المجتمعية
الهجمة على العقارات في عدة مناطق مغربية – من الرباط وطنجة إلى الراشيدية وأصيلة – ليست مجرد صراع اقتصادي، بل هي امتداد لمنطق السيطرة بالأرض والمُلك، شبيه بما جرى في فلسطين زمن النكبة. مشاريع مثل “ريفيرا الرباط”، أو تحويل ضيعات كاملة إلى أراضٍ ذات رمزية دينية توراتية، لا يمكن فصلها عن التمدد الصهيوني الذي يُعيد إنتاج الأساطير التوراتية في الجغرافيا المغاربية.
بل الأخطر من ذلك، هو السعي لتهويد الرموز، وتزوير الوثائق، وإضفاء مشروعية دينية على الاحتلال العقاري، كما يجري في إعادة ترميم المعابد، وتغيير أسماء المناطق، والترويج لمزاعم عن قبور أنبياء بني إسرائيل، كل ذلك في إطار تهويد الذاكرة الجماعية وإرباك الوعي التاريخي.
ما يجري اليوم ليس فقط استغلالًا للبعد الديني، بل هو إعادة صناعة لهوية المغرب، تحت مسميات مثل “الهويّة اليهودية الأمازيغية” أو “القبيلة الرابعة عشرة”، ضمن سرديات تمولها مراكز بحث استخباراتية، تهدف إلى تأسيس وعي زائف، يربط بين أمازيغ شمال إفريقيا واليهودية الصهيونية، تمامًا كما قامت الصهيونية الأولى على وهم “أرض الميعاد”.
إننا نواجه مشروعًا متكاملًا، يبدأ من العقار، ويمر عبر الثقافة، ويصل إلى العقيدة والدستور. مشروع لا يطمح إلى السيطرة من الخارج، بل إلى إعادة برمجة الداخل، حتى يُصبح المواطن ذاته أداةً في تنفيذ رؤية “إسرائيل الكبرى”، دون أن يُدرِك أنه قد تخلى عن ولائه للهُوية والأمة.
“إسرائيل الكبرى” تعني أن تُهزم الأمة من الداخل. وأخطر ما نواجهه ليس قوة العدو، بل ضعف الحصانة، وانهيار الوعي، وخيانة المثقف، وانبطاح السياسي.
لذلك، فإن التصدي لهذا المشروع لا يكون بالشعارات، بل بإعادة بناء الوعي الجماعي، واستعادة معنى السيادة الثقافية والدينية والوطنية. فالأوطان لا تُباع دفعة واحدة، بل تُقضم من الداخل، شبرًا شبرًا، وذاكرةً ذاكرة.
ما بين “فرق تسد” و”صَهين تسد”
إسرائيل قد لا تحتاج إلى تكرار التجربة البريطانية بحذافيرها، لكنها تحاول أن تُخرج نسخة هجينة منها، تتناسب مع زمن ما بعد الكولونيالية:
- التحكم لا يتم بالمدافع، بل بالتحالف.
- والتبعية لا تُفرض بالقوة، بل تُطلب بالرجاء.
ومع ذلك، فثمة ما لم يكن في زمن بريطانيا:
- أمة تعرف عدوها.
- ذاكرة جماعية حيّة لا تُنسى.
- وشعوب تقاتل حتى لو خانتها النخب.

اترك تعليقاً