غزة بين الإسناد واللوم


بقلم: د. الحضري لطفي


مقدمة

الزمن في المقاربة الفطرية ليس خطًا جامدًا يُقسَّم إلى ماضٍ وحاضرٍ ومستقبلٍ منفصلين، بل هو نسيج حيّ تتداخل خيوطه في وجدان الإنسان وسلوكه. فالماضي مجال للتوبة والعبرة، والمستقبل ميدان للتخطيط المشروع والتوكل، أما الحاضر فهو اللحظة التي تُختبر فيها الإرادة وتُقاس بها قيمة الإنسان بين الفعل والخذلان. أخطر ما يهدد هذا التوازن أن يتحول العقل من الإسناد إلى اللَّوم: فالإسناد يعني صرف الطاقات نحو العمل والنصرة وإعطاء كل جهد موضعه، بينما اللوم يحبس الوعي في دوائر اجترار تُنتج العجز عن الفعل وتُفضي إلى التفرقة.

وقد وضع ابن تيمية قاعدة حاسمة حين قال: “الاحتجاج بالقدر على الذنب باطل، وأما على المصائب فحق؛ فالذنب لا يُبرَّر بالقدر بل يُعالج بالتوبة والعمل، أما المصيبة فيُستقبل قدرها بالرضا والتسليم دون تعطيل الواجب. وبيّن ابن القيم أن الاحتجاج بالقدر بعد التوبة تعبير عن رضا صحيح، بينما قبلها ليس سوى هروب من المسؤولية وإبطال للتكليف. وبناءً على ذلك، فإن من يحتج بالقدر اليوم لتبرير خذلان غزة أو لتسويغ الاستسلام إنما يعيد إنتاج مقولة المشركين: ﴿لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا﴾ [الأنعام: 148]، حيث يُستعمل القدر غطاءً للانحراف بدل أن يكون معينًا على الرضا الحق والامتثال لعبودية الله.

الماضي: ميدان التوبة لا التبرير

الماضي لا يُستعاد بالفعل، وإنما يُستثمر بالعبرة والتوبة. من أخطأ في الماضي فباب التوبة مفتوح أمامه، أما من يصرّ على خطئه ثم يحتج بالقدر فهو غارق في الوهم. وقد حذّر النبي ﷺ من الانشغال بـ “لو” التي تفتح باب الاعتراض على القدر، فقال: “فإن أصابك شيء فلا تقل: لو أني فعلتُ كذا كان كذا وكذا، ولكن قل: قدّر الله وما شاء فعل”، (رواه مسلم).

في غزة اليوم، لومُ الماضي – من نوعية “لماذا لم تُفعل كذا” أو “لو اتُّخذ القرار الفلاني” – ليس إلا تعطيلًا للجهد الحاضر. فالتاريخ يُقرأ للعبرة لا لتجميد الأفعال في اللحظة الراهنة.

الحاضر: ميدان الإرادة والتكليف

الحاضر هو اللحظة الوحيدة التي يملك فيها الإنسان إرادة حقيقية، وفيه تُختبر مسؤوليته أمام الله وأمام قضاياه العادلة. وفي هذه اللحظة يعمل العقل وفق آليتين واضحتين:

  1. تصحيح الماضي: أي إعادة معالجة ما وقع من أخطاء، روحيًا وماديًا ومعنويًا.
  2. العمل الآني المرتبط بالمآل: أي توجيه الجهد الحاضر نحو فعل واقعي يأخذ في الحسبان نتائجه المستقبلية.

آليات تصحيح الماضي في الحاضر

لا يُصحح الماضي بالاجترار السلبي، وإنما عبر أفعال عملية تنطلق من الحاضر نفسه:

  1. التصحيح الروحي: بالتوبة الصادقة التي تعيد صلة العبد بربه وتطهر أثر المعصية.
  2. التصحيح المادي: بردّ الحقوق إلى أصحابها أو تعويض ما ضُيّع، وهو فعل يترجم العدل في الواقع.
  3. التصحيح المعنوي: بالاعتذار أو إعادة الاعتبار، وهو جهد يعالج أثر الخطأ في العلاقات الإنسانية والاجتماعية.

وقد تجتمع هذه الأنواع الثلاثة في تصحيح خطأ واحد، أو يُكتفى بواحد منها بحسب طبيعة الخطأ. المهم أن يكون الحاضر مجالًا لإحياء المسؤولية لا لتكرار الانحراف.

تصحيح الماضي في سياق غزة

  1. التصحيح الروحي: يبدأ بتوبة صادقة من موقف التخاذل أو الصمت أو التبرير. كثيرون اكتفوا بالحياد أو بالانغماس في همومهم الخاصة، فجاءت غزة لتوقظ ضمائرهم. التصحيح هنا ليس كلامًا نظريًا بل عودة القلب إلى الله عز وجل، واستغفارًا مقرونًا بعزم على الانخراط في النصرة. قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ﴾ [البقرة: 222]، والتوبة في هذا المقام ليست من معصية فردية فقط، بل من تقصير جماعي تجاه أمة تُباد.
  2. التصحيح المادي: يُترجم في أشكال ملموسة: دعم مالي مباشر، إغاثة عاجلة، أو توجيه الموارد لمؤسسات تعمل على أرض الواقع. فمن ضيّع حقًا ماديًا في الماضي –بتخاذل عن العطاء أو بتشاغل عن النصرة– يمكنه اليوم أن يصحح ذلك بمد يد العون. وردّ الحق هنا لا يقتصر على الأفراد، بل يشمل حقوق أمة كاملة في العيش والكرامة. قال ﷺ:”من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته”، (رواه البخاري ومسلم).
  3. التصحيح المعنوي: ويتحقق بأكثر من صورة:
  4. الاعتذار الصريح: من خطاب أو موقف سابق فيه استهانة أو تبرير لخذلان. الاعتراف بالخطأ يفتح باب الثقة ويعيد اللحمة.
  5. إعادة الاعتبار: من خلال إعادة صياغة الموقف العلني، بتبني خطاب صادق في الدفاع عن غزة، والمشاركة في حملات التوعية والدعم الإعلامي.
  6. المناصرة الرمزية: عبر الكتابة، الفن، التعليم، والتأثير في الرأي العام. فكل كلمة تصحح خطابًا سابقًا مثبطًا هي تصحيح معنوي للماضي في الحاضر.

العمل الآني المرتبط بالمآل

العمل في الحاضر ليس اندفاعًا لحظيًا ولا ترفًا جدليًا، بل هو توجيه مدروس للجهد نحو فعل واقعي محسوب بنتائجه. يندرج هذا تحت إطارين شرعيين ونفسيين متكاملين:

  1. فقه المآلات الذي ينظر إلى عواقب الأفعال قبل وقوعها.
  2. وفقه الأولويات الذي يقدّم الأعلى نفعًا والأقل كلفة ومفسدة.

ويشتغل هذا المبدأ على ثلاث طبقات كبرى تشكّل الهيكل النظري:

  1. طبقة النية: تصحيح المقصد وضبط الاتجاه.
  2. طبقة الأسباب: ترتيب الخطوات وفق الأثر والأولويات.
  3. طبقة المآل: تقدير النتائج قبل الفعل لضبط القرار.

وتحت هذه الطبقات الثلاث تتوزع خمس خطواتإجرائية تمثل الترجمة العملية:

1.ضبط النية وتحديد المقصد

يبدأ العامل بتصحيح النية لتكون خالصة لله عز وجل، ثم لخدمة الحق ونصرة المظلوم. يحدد هدفًا قريبًا واضحًا: “ما الأثر القابل للقياس الذي أريد تحقيقه خلال الأيام أو الأسابيع القادمة؟”، ويستعمل صيغة “إذا – فإن” لتفعيل التنفيذ: “إذا بلغت الساعة التاسعة صباحًا فإنّي أبدأ مهمة الإسناد المحددة لمدة 90 دقيقة دون تشتيت”.

2. الأخذ بالأسباب وفق فقه الأولويات

يُرتّب مسارات العمل وفق مراتب الضروريات والحاجيات والتحسينيات، فيقدَّم الأعلى أثرًا والأقرب للميدان والأقدر على التعظيم بالرافعة (شبكة/أداة/خبرة)، والأسرع إنجازًا لنتيجة قابلة للبرهنة. وتُراعى في ذلك قواعد كلية: “الضرر يُزال”، “درء المفاسد مقدّم على جلب المصالح”، “اليقين لا يزول بالشك”، “سدّ الذرائع”.

3. تقدير المآلات قبل الفعل

قبل التنفيذ، يجري تقييمًا سريعًا عبر خمسة أسئلة عملية:

  • ما العائد الصافي المتوقع خلال مدة قصيرة؟
  • ما الكلفة (وقت/مال/سمعة/مخاطر)؟
  • ما قابلية التراجع إن ساءت النتائج؟
  • ما قرب الأثر من الميدان والمستفيد الحقيقي؟
  • ما الرافعة المتاحة التي تضاعف الأثر؟

يُرجَّح المسار الذي يجمع أعلى عائد وأدنى كلفة وأقرب أثر وأيسر تراجع.

4. التنفيذ المُركز (قفل الضجيج)

يثبّت العامل بؤرة الانتباه على مهمة واحدة عالية الأثر ضمن كتلة زمنية مغلقة (60–120 دقيقة)، ويغلق الضجيج (الإشعارات/المجادلات) منعًا لتشتت الانتباه. فالتحويل المتكرر للبؤرة يخفض جودة القرار ويرفع الكلفة المعرفية.

5.القياس والتقويم السريع

تنتهي المهمة بقياس واضح: ما الذي تحقق بالفعل؟ ما المؤشر الدال (أموال مُحوّلة، إغاثة وُصلت، مادة توعوية وصلت إلى جمهور واسع، شراكة وُقعت)؟ ثم يُفعل مبدأ التحسين المستمر: حذف ما لم يجدِ ومضاعفة ما أثبت فعاليته.

ضوابط نفسية وشرعية لتجنّب انحراف المسار

  • يرفض العامل اللوم الآني الذي يستهلك الحاضر، ويؤجّل المحاسبة المنظمة إلى نافذة مراجعة محدّدة بعد مرحلة القتال أو الهدنة، ويجعلها أداة للتصحيح لا لتصفية الانفعال.
  • يوازن بين النية الصالحة والكفاءة العملية:
    • الإخلاص شرط القَبول.
    •  والإتقان شرط الجدوى.
  • يقدّم سلامة المآل على حماسة اللحظة: يمنع ما يُرجَّح أن يجرّ مفسدة أكبر أو يفتح باب فُرقة أو تشهير أو مخاطرة غير لازمة.
  • يلتزم خطاب الحق والعدل، ويتجنّب المبالغات والمعلومات غير المحقّقة، لأن الكذب أو التهويل يضرّ بالمآل ويقوّض الثقة.

المستقبل: بين القريب والبعيد

المستقبل في الرؤية الفطرية ذو مستويين:

  1. مستقبل قريب: وهو ما يلي الحرب مباشرة. هنا يمكن مناقشة النتائج، ومحاسبة المقصّرين، ومراجعة القرارات، لكن بعد أن تُطوى صفحة القتال. فالوقت الآن ليس للحساب بل للعمل.
  2. مستقبل بعيد: وهو الغيب الممتد لعشرين سنة أو أكثر. هذا لا يُحاكم بقرارات آنية ولا يُفسّر إلا بمشيئة الله. القول بأن “ط.وفان الأقصى تهور غير محسوب” أو “قرار خاطئ سيدفع ثمنه الأبناء” ليس إلا عبثًا بالزمن، لأن النتائج البعيدة تُدار بعلم الله وحده، وما على الإنسان إلا أن يعمل في حاضره ويترك ثمرته للمستقبل الذي يشاءه الله.

من خلال هذا التداخل الزمني تتضح المعادلة:

  1. الماضي: عبرة وتوبة لا تبكيت ولا تبرير.
  2. الحاضر: عمل وجهاد لا خذلان ولا تواكل.
  3. المستقبل: تخطيط وتوكل، لا تخاذل ولا ادعاء.

خاتمة

يُدير العامل الحاضر بمنطق: نيةٌ مصحّحة، سببٌ راجح، مآلٌ مُقدَّر. يختار خطوة واحدة عالية الأثر، ينفّذها بتركيز، يقيس أثرها، ثم يكرّر مع تحسين. يعالج الماضي بالتوبة وردّ الحقوق والاعتذار، ويستشرف المستقبل بالتخطيط والتوكّل، ويصنع الفرق الآن بالإسناد العملي. بهذه الهندسة يعمل “العمل الآني المرتبط بالمآل” كجسرٍ بين الواجب الشرعي والحكمة النفسية، فيتحوّل الحاضر إلى طاقة مُنتِجة بدل أن يُستنزف في اللوم والجدل.

إن أخطر ما يصيب الوعي الجمعي أن يتحوّل القدر إلى ستار للتخاذل أو إلى ذريعة للخيانة. القدر في الرؤية الفطرية يُستعمل بعد التوبة للتسليم، وفي المصائب للتعزية، وفي المستقبل للتوكل، لكنه لا يُستعمل لإبطال واجب ولا لتبرير خذلان. ومن ثمّ فإن النسيج الزمني، حين يُفهم على ضوء الوحي، يحرر الإنسان من شلل اللوم على الماضي ومن أعذار التواكل في الحاضر ومن وساوس التنبؤ بالغيب. إنه نسيج يجعل المؤمن حاضرًا بعمله، راضيًا بماضيه، متوكلًا على ربه في مستقبله، وهو ما تحتاجه غزة اليوم: عمل في اللحظة، وصبر في المعركة، وتسليم بعد النتائج.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *