بقلم: د. الحضري لطفي


قال رسول الله ﷺ: “يقول الله عز وجل: أنا عند ظن عبدي بي، إن ظن بي خيرًا فله، وإن ظن شرًا فله” (رواه أحمد وابن حبان).

على مرّ السنوات، شهدنا كيف كانت زنازين سوريا تعجّ بالأرواح البريئة التي أُطفِئ نورها خلف القضبان. رجالٌ، نساءٌ، وحتى أطفالٌ حُرموا من أبسط حقوقهم الإنسانية، ليجدوا أنفسهم أسرى في ظلمة القهر والاضطهاد. ومع ذلك، جاءت الثورة، كضوءٍ يخترق تلك العتمة القاتمة، لتحقق تحرير آلاف المعتقلين، وتحمل معها الأمل للأسر التي طال انتظارها.

تأمل للحظة المشهد: معتقلون يخرجون من تلك الجدران الباردة التي احتجزتهم لسنوات. وجوههم التي شوهها الظلم تستقبل الحياة من جديد، وكأنهم يعودون إلى العالم بعد غيابٍ طويل. هؤلاء الرجال والنساء، وحتى الأطفال، لم يكونوا مجرد أرقام في قوائم السجون، بل كانوا قصصاً، أحلاماً، وأحباباً لأسرٍ انتظرتهم بدموع الأمل.

 في خضم هذا المشهد، نجد أنفسنا أمام تساؤل قد يبدو غريباً، لكنه يحمل في طياته الكثير من الدلالات. إسرائيل، التي تُعرف بعدائها للشعب السوري، يروج البعض أنها كانت اليد الخفية التي أسقطت الأسد الذي تحول من “أسد” إلى “فأر هارب”. فهل يعقل أن تكون إسرائيل هي من تقف وراء تحرير آلاف السوريين؟

لنستمع قليلاً إلى قصص أولئك الذين خرجوا من السجون، خاصة النساء اللواتي عشن مآسي لا توصف. قصص اغتصاب وامتهان للكرامة الإنسانية تجعل القلوب ترتجف من هول ما حدث. ومع ذلك، نجد في زوايا هذه الحكايات بعض الأمل، كالأسر التي استعادت أبناءها وبناتها، أو تلك العائلات التي أُحيي فيها الرجاء بلقاء أحبائهم بعد سنوات طويلة من الغياب.

ولكن هنا يبرز سؤال آخر: هل يمكن أن تقوم إسرائيل، أو حتى الغرب، بمثل هذا العمل الإنساني البحت؟ أن تُحرر آلاف المعتقلين، بينهم العلماء والمثقفون والمقاتلون الأشداء، الذين قد يتحولون في المستقبل القريب إلى خصوم شرسين لإسرائيل نفسها. أليس من هؤلاء المحررين من قد يكرس حياته لاستعادة الجولان المحتل أو دخول فلسطين؟

في الحقيقة، هذا الأمر يتجاوز حدود المنطق السطحي. فإسرائيل التي سعت لعقود لتفتيت سوريا وإضعافها لن تُقدم على خطوة كهذه إلا إذا كانت ترى فيها مصلحة استراتيجية. ربما، على المدى القصير، تأمل أن تؤدي هذه الخطوة إلى زيادة الانقسام الداخلي، أو ربما أنها تحاول استغلال هذا التحرير لكسب الدعم الدولي وإظهار نفسها بصورة مختلفة.

لكن الأهم في هذا المشهد أن الأمل، رغم كل شيء، لا يزال قائماً. الثورة السورية لم تكن مجرد حركة سياسية أو عسكرية؛ بل كانت شعلة أضاءت طريق الحرية لشعب عانى كثيراً. اليوم، أولئك المحررون من الزنازين ليسوا مجرد ناجين، بل هم رموزٌ للصمود، وقادةٌ محتملون لمستقبل سوريا الحرة.

فلنستمع إلى أصواتهم، ولننقل حكاياتهم للعالم. لأنهم، في نهاية المطاف، ليسوا مجرد ضحايا، بل أبطال أسهموا في فتح زنازين الأمل لشعبٍ بأكمله.

سوريا بوابة التحرير: تاريخ يتجدد وأمل لا ينطفئ

التاريخ يُعلمنا درسًا واضحًا ومُلهمًا: تحرير فلسطين غالبًا ما يتم عبر جهود متكاملة تجمع بين الفلسطينيين وأشقائهم من الشعوب العربية والإسلامية. هذه الجهود لم تكن وليدة اللحظة، بل هي امتداد لرؤية تاريخية راسخة ترى في فلسطين جزءًا لا يتجزأ من كرامة الأمة وهُويتها. وسوريا، بوصفها القلب النابض للعالم العربي، كانت دائمًا البوابة الكبرى لهذا التحرير، حيث لعبت دورًا محوريًا في احتضان المعارك الكبرى التي شكلت التاريخ.

بوابة الشام إلى القدس

لنبدأ بالفتوحات الإسلامية، حيث كانت الشام مركزًا رئيسيًا للجيوش الإسلامية بقيادة الصحابة الكرام. بعد معركة اليرموك (636 م)، التي قادها خالد بن الوليد، فتحت الشام أمام المسلمين، مما مهد الطريق لفتح القدس على يد الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه. لم تكن هذه الانتصارات مجرد عمليات عسكرية، بل كانت مثالًا للتعاون والتخطيط المشترك بين مختلف القبائل والقوى التي اجتمعت تحت راية الإسلام.

الحملات الصليبية ومعركة حطين

وفي القرون اللاحقة، عندما اجتاح الصليبيون فلسطين وسيطروا على القدس عام 1099، كانت سوريا منطلقًا أساسيًا لتحريرها. قاد صلاح الدين الأيوبي جيوشه من دمشق، واستطاع عبر معركة حطين (1187 م) أن يهزم الصليبيين ويحرر القدس. هذه الحملة لم تكن مجرد جهد فردي لصلاح الدين، بل كانت نتيجة تضافر جهود الشعوب المسلمة التي توحدت رغم تنوعها واختلافها.

ثورة 1936 وتدفق الدعم عبر سوريا

في العصر الحديث، كانت سوريا قاعدة دعم رئيسية للثورة الفلسطينية الكبرى عام 1936 ضد الاحتلال البريطاني والصهيوني. المجاهدون عبروا الحدود السورية حاملين السلاح والدعم، ووجدوا في الشعب السوري شريكًا حقيقيًا في قضيتهم. لم تكن فلسطين وحدها، بل كانت سوريا ودول الجوار تمد يد العون، معتبرةً أن النضال من أجل القدس هو نضال مشترك.

التاريخ يقول لنا بوضوح: النصر لفلسطين يبدأ من توحد الجهود، وسوريا كانت وستبقى البوابة الكبرى لكل من يرفع راية الحق والكرامة.

لكن، هل تظن أن هذه الحقائق غائبة عن أعين المخططين الاستراتيجيين وأصحاب المصالح الكبرى؟ بالطبع لا. المتخصصون في إدارة الأزمات الدولية يعملون ليلًا ونهارًا للسيطرة على أي تحرك يهدد موازين القوى التي رسموها بعناية. الثورة السورية، التي بدأت كصرخة للحرية، لم تُترك بعيدًا عن أصابعهم. يسعون جاهدين لجعلها لعبة تُدار حسب مصالحهم، وإبقائها تحت أقدامهم كأداة ضغط وتفاوض.

السؤال هنا ليس مجرد تساؤلٍ عابر، بل تحدٍّ يتطلب منّا الإجابة بوعيٍ وإصرار. هل نستسلم لسيناريوهات التبعية والتحكم الخارجي؟ أم نُدرك أبعاد “مبدأ سنن التدافع” ونعمل بخطى واعية لتوجيه الثورة نحو أهدافها النبيلة؟ الثورة ليست مجرد حدث عابر، بل هي حالة شعبية تتجدد بالإيمان والوعي.

الإيمان والتخطيط الإيجابي: مفتاح النصر

ربما يقع البعض في الأخطاء، وربما تكون هناك انقسامات أو تعثرات، لكن الثورة الحقيقية لا تموت. في كل خطوة إيجابية، في كل قرار واعٍ، هناك فرصة لتجاوز المؤامرات وإعادة الثورة لمسارها الصحيح. نحن بحاجة إلى الإيمان بأهدافنا الكبرى، تمامًا كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حُوصرت المدينة وكان يبني الخندق، وفي أصعب الظروف قال: “إني أرى ملك كسرى وقيصر.” كان الأمل يملأ قلبه، فحول ذلك الأمل إلى قوة تدفع أصحابه للعمل.

حتى ذلك الحين، تقع علينا مسؤولية اتخاذ مواقف إيجابية حقيقية، لأن الثورة تحتاج إلى روح التفاؤل أكثر مما تحتاج إلى الخوف من المؤامرات. الأمل هو المحرك النفسي للأفراد والشعوب، وهو ما يُشعل روح العمل والتخطيط. علينا أن نكون واعين، لكننا لا يمكن أن ندع الخوف يقودنا. الثورة هي صوت الحرية، وحريتنا تبدأ من الإيمان بأننا قادرون على تجاوز التحديات.

كل خطوة نحو الحرية في سوريا، هي خطوة نحو فلسطين. المخططون يعلمون ذلك جيدًا، ويحاولون وضع العراقيل. لكن التاريخ يقول إن الشعوب التي تؤمن بعدالة قضيتها قادرة على تجاوز كل المخططات. سوريا كانت وستبقى البوابة لتحرير فلسطين، واليوم، الثورة السورية هي جزء من هذا الطريق.

لنؤمن بالثورة كحقيقة تتجدد، ولنخطط لمستقبل إيجابي يتجاوز المخططات والأيادي التي تحاول أن تعبث بمصير الشعوب. فلنكن، أملًا يُشع وسط الظلام، وثقةً تدفعنا للعمل بكل عزمٍ وإصرار.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *