من فخر الكرة إلى وعي التنمية
بقلم: د. الحضري لطفي
مقدمة
أؤمن بأن الشعور بالانتماء هو أحد أعمق ما يحفظ للأمم تماسكها وكرامتها، وأن هذا الشعور لا يقتصر على المواقف المصيرية أو القضايا الكبرى، بل يمكن أن يتجلى في أبسط اللحظات التي تلامس وجدان الناس. فالانتماء في جوهره إحساس بالعزة، وشعور بالانخراط في هُوية تتجاوز الفرد لتحتضن الجماعة، وهو ما يجعل الإنسان يرى في نجاح وطنه امتدادا لكرامته الشخصية.
وفي حالتنا هذه، تجسد هذا الشعور بشكل فطري وجميل في ميدان كرة القدم. لقد كان انتصار المغرب على فرنسا في نصف نهائي كأس العالم لحظةً غير عادية، إذ امتزج فيها الفخر بالعزة، والفرح بالانتماء، حتى بدا وكأن الملاعب تحوّلت إلى ساحة وعي جماعي للأمة. فأن يظهر الانتماء بهذا الصفاء في الرياضة، لا يقل قيمة عن ظهوره في ميادين المق-اومة أو العلم أو السياسة، لأنه يؤكد أن الروح العربية ما زالت قادرة على أن تتوحد حين ترى في نفسها القدرة على النهوض. كانت تلك اللحظة رسالة تقول إن الانتماء الحي لا يحتاج إلى خطابات، بل إلى شرارة صدق توقظ ما ترسب في القلوب من حب للأمة، وتعيد تعريف العزة بما هي شعور مشترك لا امتياز فردي.
المسؤولية المشتركة
التقدم الكروي في المغرب ليس ثمرة جهد جهة واحدة، بل هو نتيجة نسق عام يعمل فيه كل من له صلة بكرة القدم -بشكل مباشر أو غير مباشر- على مختلف المستويات. فالمعروف علميا أن أي تقدم مستدام يرتبط دائما بمفهوم “المسؤولية المشتركة”، من رأس الهرم إلى أضعف حلقة في الدولة. في علم النفس الفطري نؤكد أن أي خلل في هذا النسق يبدأ عندما يعيش بعض الأفراد وفق القاعدة النفسية السلبية: “حين ينجح الأطفال فهم أولادي، وحين يفشلون فهم أولاد الزوجة”. هذه القاعدة تمثل أصل الفشل في أي منظومة، سواء كانت دولة أو أسرة أو مؤسسة. فهي تعبير عما نسميه في علم النفس الفطري “الاستحماد”، المشتق من قوله تعالى: ﴿… وَّيُحِبُّونَ أَن يُحْمَدُوا بِمَا لَمْ يَفْعَلُوا…﴾، (آل عمران:188) أي الميل إلى نسبة النجاح إلى الذات وإلقاء الفشل على الآخرين.
هذه العقلية يجب أن تُتجاوز في الدولة، ليصبح الجميع شركاء في المسؤولية. عندما يتحقق هذا الوعي الجمعي تبدأ عجلة التغيير الحقيقي في الدوران، وهو ما نلاحظه بوضوح في المغرب اليوم، حيث يسير البلد في مسار إصلاحي متنامٍ، رغم أن الشعب لا يزال يطمح إلى مزيد من التغيير، وهو طموح مشروع، شريطة أن ينطلق من مبدأ “المسؤولية المشتركة”.
وإني لا أتطرق هنا إلى مناقشة مظاهر النقص أو الفساد، فذلك موضوع تناولناه في مقال سابق بعنوان “سيكولوجية الفساد”.
رسائل في الانتماء
موضوعنا هو الانتماء الحقيقي الذي تجلى في أبهى صوره حين امتزجت مشاعر الفخر بالدعاء والبكاء، كأن الأمة كلها كانت تقف على باب واحد من الرجاء، بعد طول غياب. في تلك اللحظة التي توحد فيها الشعور العربي، لم يكن الأمر مقتصرا على كرة القدم، بل كان صورة رمزية لاستيقاظ وجدان ظل طويلا يبحث عن معنى الوحدة. ومن اللافت أن هذا الشعور نفسه هو الذي يظهر كلما اشتعلت غزة، فتتحول الشاشات والمنصات إلى فضاء بكاء جماعي ودعاء حار، لأن غزة أصبحت المعيار الأخير للانتماء العربي، الامتحان الذي يفرز الأحياء من الغافلين.
حين يبكي العربي لغزة، فهو لا يبكيها وحدها، بل يبكي نفسه الممزقة، ويستعيد في دموعه ما تبقى من شعوره بالانتماء إلى أمة واحدة. لهذا فإن كل لحظة من لحظات النهوض الجمعي –سواء كانت في ملعب أو في ميدان مقاومة– تعيد إلينا الدليل على أن الانتماء ما زال حيا، وأن الأمة التي تبكي لغزة وتفرح لانتصار المغرب هي أمة واحدة في فطرتها، مهما فرقتها السياسات أو فرخت فيها الأيديولوجيات.
إن غزة في وجدان الأمة ليست مدينة محاصرة، بل مرآة صادقة لنبض الانتماء حين يُختبر، فهي التي تكشف من يحب لأجل المصلحة، ومن ينتمي بدافع الوعي. ولهذا، فإن من يفصل نفسه عن غزة يفصل نفسه عن فكرة الأمة ذاتها، ويعيش حالة من الانفصال النفسي نسمّيها في علم النفس الفطري تآكل الانتماء، أي موت الرابط الفطري بين الإنسان وجماعته.
الحافزية
تُعد الحافزية من أهم العوامل النفسية في التغيير، فهي الوقود الذي يدفع الفرد والمجتمع نحو الحركة والبناء. في علم النفس يميز بين نوعين من الحافز: الداخلي والخارجي. الحافز الداخلي هو ما ينشأ من القناعة الذاتية والنية الصادقة في الإصلاح، بينما الحافز الخارجي هو ما يأتي من رؤية الآخرين ينجحون في مجالاتهم فيوقظ في النفس روح التحدي الإيجابي. كلاهما ضروري، لكن الحافزية الخارجية كثيرا ما تكون الشرارة التي تُشعل الطاقات الكامنة في الداخل.
وحين تحقق دولة عربية أو إسلامية تقدما نوعيا في أي مجال، فإنها تُحدث أثرا يتجاوز حدودها الجغرافية. فكل إنجاز في دولة واحدة يصبح حافزا نفسيا لبقية الدول على المستويين الفردي والمؤسساتي، إذ يُولد الشعور الجمعي بأن التقدم ممكن، وأن الباب لم يُغلق بعد.
وقد عبَر عدد من إخواننا في الدول العربية عن هذا الشعور بصدق قائلين: “يجب أن ننظر إلى إخواننا في المغرب ونقتدي بهم”. فالقوة لا تكون فقط في النتيجة، بل في المنهج الذي بُني عليها النجاح. ومن أبرز مظاهر هذا المنهج في التجربة المغربية أن الاختيار لم يعد خاضعا للمحسوبية، بل صار قائما على الكفاءة.
هذه النقلة من منطق الولاءات إلى منطق الكفاءات هي التي صنعت الفرق، لأن الكفاءة بطبيعتها تولّد الثقة، والثقة تُغذي الحافزية، والحافزية تُنتج مزيدا من التقدم في حلقة نفسية متكاملة.
خاتمة
الانتماء ليس شعارا نردده في لحظات الانتصار، بل روحا تُبنى بالوعي والمسؤولية والعمل. وما رأيناه في انتصار المغرب لم يكن مجرد فوز كروي، بل لحظة نادرة تذكرنا بأن الأمة حين تتوحد حول قيمة تُصبح أقوى من كل حدودها. تلك المشاعر التي عمّت الوطن العربي كشفت أن الشعور بالانتماء ما زال يسكن في عمق الوعي الجمعي، ينتظر فقط من يوقظه.
إن الحافزية التي تولّدت من التجربة المغربية يجب أن تتحول إلى طاقة بناء في كل مجال، وأن تتحول روح الفريق من الملعب إلى المدرسة والمصنع والإدارة. فكل واحد في موقعه قادر على أن يضيف هدفا في مرمى التخلف، وأن يصنع من كفاءته نصرا للوطن.
لقد أثبتت التجربة أن الأمة لا تموت حين تضعف، بل حين تفقد إحساسها بالانتماء. وما دمنا لا نزال نفرح لانتصار إخواننا ونبكي لألم غزة، فإن فينا من الفطرة ما يكفي لننهض من جديد.
فلنجعل من كل نجاح عربي دعوة لإحياء الانتماء، ومن كل إنجاز مغربي رسالة للأمة كلها: أن النصر لا يُستورد، بل يُصنع حين نؤمن بــ”أنني … نحن”؛ حين تتحول الأنا الفردية إلى وعي جمعي يرى في ذاته جزءا من الأمة، لا كيانا منفصلا عنها. تلك هي لحظة الارتقاء من الذات الضيقة إلى الذات الجامعة.

اترك تعليقاً