القصة المفقودة للوجود الإسلامي في الفلبين
إعداد: د. لطفي الحضري
مقدمة
كان المجال الذي يُعرَف اليوم بالفلبين، قبل وصول الاستعمار الإسباني في القرن السادس عشر، فضاءً بحريًّا واسعًا تتوزع فيه جزر مستقلة، وتنتظم داخله مجتمعات محلية وممالك وسلطنات إسلامية ذات حضور سياسي وتجاري واضح. وقد عُرفت المنطقة في المصادر القديمة والمدونات التجارية بأسماء متعددة، ارتبط بعضها بجزر بعينها، وبعضها بطبقات اجتماعية أو كيانات سياسية محلية.
من الأسماء التي يكثر تداولها في الخطاب الفلبيني الحديث اسم “ماهارليكا” (Maharlika)، وهي كلمة من اللغة التاغالوغية القديمة كانت تشير إلى طبقة من الأحرار أو المحاربين والنبلاء في المجتمع الفلبيني القديم. غير أن استعمالها اسمًا جامعًا للأرخبيل كله قبل الاستعمار يحتاج إلى احتراز؛ لأنها لم تكن، بحسب ما هو ثابت، الاسم الرسمي الموحد لجميع الجزر.
كما عُرفت بعض الجزر والموانئ في المدونات الصينية والتجارية القديمة بأسماء محلية، من أشهرها “ماي” (Ma-i)، بينما ارتبطت معرفة الرحالة والتجار العرب والمسلمين بالمنطقة بأسماء جزرها وموانئها وطرقها البحرية.
أما اسم “الفلبين” الحالي، فيعود إلى سنة 1543م، حين أطلق المستكشف الإسباني روي لوبيث دي فيلالوبوس على بعض الجزر اسم Las Islas Filipinas، أي “جزر الفلبين”، تكريمًا لولي عهد إسبانيا آنذاك، الذي أصبح لاحقًا الملك فيليب الثاني. ثم فرض الاستعمار هذا الاسم تدريجيًّا مع إخضاع الجزر ودمجها في نطاق التاج الإسباني.
دخول الإسلام ودور المسلمين في الفلبين
دخل الإسلام إلى أجزاء من الأرخبيل الفلبيني في القرن الرابع عشر الميلادي، أي قبل اكتمال السيطرة الاستعمارية الإسبانية بزمن طويل. وقد كان للتجار والدعاة المسلمين القادمين من مناطق متعددة في العالم الإسلامي، ولا سيما من الملايو وإندونيسيا ومناطق الاتصال البحري في جنوب شرق آسيا، دور مهم في نشر الإسلام وتأسيس كيانات سياسية إسلامية في جنوب الأرخبيل.
أولًا: نشر الإسلام والتأسيس الحضاري
دخل الإسلام إلى المنطقة أساسًا عبر التجارة والدعوة والمصاهرة والتفاعل الحضاري. ويُعَدّ الشيخ كريم المخدوم من أوائل الدعاة المسلمين الذين ارتبط اسمهم بوصول الإسلام إلى جزيرة سولو في أواخر القرن الرابع عشر، كما نُسب إليه تأسيس مسجد في المنطقة، ما تزال له مكانة رمزية في الذاكرة الإسلامية المحلية.
ولم يكن انتشار الإسلام نتيجة الفتح العسكري المباشر، بل تم غالبًا من خلال العلاقات التجارية، واتصال السكان المحليين بالتجار المسلمين، ومصاهرة بعض الدعاة للأسر الحاكمة والنافذة. وأسهم ذلك في دخول عدد من الزعماء والسكان في الإسلام، ثم في انتقال بعض المجتمعات من التنظيمات المحلية المتفرقة إلى كيانات سياسية أكثر انتظامًا.
ثانيًا: تأسيس السلطنات الإسلامية
أدى انتشار الإسلام إلى ظهور سلطنات قوية في جنوب الفلبين، كان لها حضور سياسي واقتصادي وثقافي بارز، ومن أشهرها:
1. سلطنة سولو
تأسست سلطنة سولو في القرن الخامس عشر، وارتبط تأسيسها بالشريف أبي بكر، الذي تذكر الروايات المحلية أنه قدم من مناطق الاتصال الإسلامي في جنوب شرق آسيا، وأنه انتسب إلى الأشراف. وبعد استقراره في الجزيرة ومصاهرته للأسرة الحاكمة المحلية، أسهم في بناء نظام سياسي أكثر انتظامًا، واتخذ لقب السلطان.
2. سلطنة ماغويندناو
نشأت سلطنة ماغويندناو في جزيرة مينداناو، وارتبط تأسيسها بالشريف محمد كابونسوان في مطلع القرن السادس عشر. وقد أصبحت السلطنة من أهم القوى الإسلامية في جنوب الفلبين، وامتد نفوذها إلى مناطق واسعة من الجزيرة.
3. الحضور الإسلامي في مانيلا
وصل التأثير الإسلامي أيضًا إلى بعض مناطق الشمال، ومنها منطقة مانيلا الحالية، التي كانت مركزًا تجاريًّا وسياسيًّا مهمًّا قبل الاحتلال الإسباني. وقد حكمها زعماء محليون ارتبطوا بالشبكات التجارية والسياسية الإسلامية، من بينهم راجا سليمان وراجا ماتاندا.
أما أصل اسم “مانيلا”، فترجعه غالبية الدراسات اللغوية إلى العبارة التاغالوغية Maynila أو May nilad، المرتبطة بنبات “النيلاد” الذي كان ينمو في المنطقة. وتوجد في بعض الكتابات الشعبية رواية تربط الاسم بعبارة “أمان الله”.
ثالثًا: المقاومة ضد الاستعمار الإسباني
عندما وصلت الحملات الإسبانية إلى الأرخبيل في القرن السادس عشر، واجهت مقاومة من قوى محلية متعددة، من بينها السلطنات والمجتمعات الإسلامية في الجنوب، التي خاضت صراعًا طويلًا للحفاظ على استقلالها وهويتها.
معركة ماكتان

وقعت معركة ماكتان في 27 أبريل 1521م، بعد وصول فرناندو ماجلان إلى الأرخبيل ضمن حملة تعمل لصالح التاج الإسباني. وقد حاول ماجلان توسيع نفوذه من خلال عقد التحالفات مع بعض الزعماء المحليين،
رفض لابو لابو، زعيم جزيرة ماكتان، الخضوع لهذا النفوذ الجديد، وتمسك باستقلال جزيرته. فقرر ماجلان مهاجمة ماكتان، معتقدًا أن تفوقه العسكري سيجعل المعركة
سهلة. غير أن طبيعة المكان قلبت ميزان القوة؛ فقد أعاقت المياه الضحلة والشواطئ الصخرية اقتراب السفن الإسبانية الكبيرة، ولم تستطع مدافعها تقديم الدعم الحاسم للجنود.
وجد الإسبان أنفسهم في مواجهة مقاتلين يعرفون أرضهم ومسالكها، وانتهت المعركة بمقتل ماجلان وتراجع من بقي من رجاله. وكانت هذه الهزيمة حدثًا بالغ الدلالة؛ لأنها كشفت أن التفوق التقني لا يكفي حين يواجه إرادة محلية واعية بأرضها، وأن بداية التوسع الأوروبي في الأرخبيل لم تكن مسيرة سهلة، بل اصطدمت منذ مراحلها الأولى بمقاومة صلبة.
وقد اختلفت الروايات التاريخية في أصل لابو لابو وانتمائه الديني؛ فبعض المصادر والذاكرة المحلية تربطه بالمحيط الإسلامي في جنوب الفلبين، بينما ترجح روايات أخرى أنه كان قائدًا محليًّا من شعب الفيسايا. وعلى الرغم من هذا الاختلاف، فقد اتفقت الروايات على أن انتصاره في معركة ماكتان جعله رمزًا وطنيًّا للمقاومة والاستقلال، وأحد أبرز الشخصيات في الذاكرة التاريخية الفلبينية.
حروب المورو
أطلق الإسبان على مسلمي الفلبين اسم «المورو[1]»، تشبيهًا لهم بمسلمي شمال إفريقيا والأندلس. ولم تكن المواجهات التي دارت بينهم وبين السلطنات والمجتمعات الإسلامية في جنوب الفلبين حروبًا عابرة، بل امتدت أكثر من ثلاثة قرون، وتعاقبت خلالها الحملات العسكرية والحصارات والهجمات على المدن والقرى والموانئ الإسلامية. وقد قُتل فيها آلاف كثيرة من المسلمين، من المقاتلين والمدنيين، ودُمّرت مساكن ومساجد، وأُحرقت مستوطنات، وتعرض السكان للأسر والتهجير، غير أن تفرق هذه الحروب ونقص السجلات لا يسمحان بتحديد عدد إجمالي دقيق للضحايا.
ورغم سقوط مانيلا وخضوع أجزاء واسعة من شمال الأرخبيل للحكم الإسباني، فإن مناطق واسعة من مينداناو وسولو ظلت عصية على السيطرة الكاملة. فقد كان الإسبان يعودون بالحملات والقصف والتدمير، وكان المسلمون يعيدون بناء مدنهم وتنظيم مقاومتهم. وهكذا بقي جنوب الفلبين شاهدًا على مأساة إنسانية طويلة كثيرًا ما تختزلها السرديات الاستعمارية في عبارات من قبيل «التوسع» و«إخضاع الجزر»، بينما تخفي وراءها دماء المسلمين وخراب مدنهم ومحاولات اقتلاع وجودهم الديني والسياسي. ومع ذلك، ظلت الهُوية الإسلامية حاضرة بقوة، ولم تستطع قرون من الحرب أن تمحوها نهائيا.
سلطنة سولو الإسلامية
تُعَدّ سلطنة سولو واحدة من أقدم الكيانات الإسلامية المنظمة في جنوب شرق آسيا، ومن أكثرها حضورًا في التاريخ البحري والسياسي للمنطقة. وقد تأسست في القرن الخامس عشر في أرخبيل سولو، جنوب الفلبين، وارتبط تأسيسها بالشريف أبي بكر.
وبعد استقراره في الجزيرة ومصاهرته للأسرة الحاكمة المحلية، أسهم في نقل الجزر إلى بناء سياسي أكثر انتظامًا، مؤسسًا نظامَ حكمٍ جمع بين المرجعية الإسلامية والتنظيم السياسي المحلي. ولم تكن سلطنة سولو مجرد كيان صغير معزول، بل أصبحت قوة بحرية وتجارية ذات صلات واسعة بجزر جنوب شرق آسيا.
اتخذت السلطنة الإسلام مرجعًا دينيًّا وثقافيًّا، ونشأت فيها مؤسسات للحكم والقضاء وتنظيم الحياة العامة. وأسهم ذلك في منح المجتمع تماسكًا سياسيًّا وإداريًّا، وفي بناء هوية إسلامية واضحة استمرت قرونًا.
القوة الاقتصادية والسياسية
تحولت سولو، بحكم موقعها البحري وصلاتها الواسعة، إلى مركز تجاري مهم يربط جزر جنوب شرق آسيا بالصين ومناطق أخرى من العالم. ولم تكن مجرد جزر معزولة في أطراف البحر، بل كانت عقدة بحرية نشطة تمر عبرها السلع، وتلتقي فيها السفن والتجار من آفاق متعددة.
وقد اشتهرت السلطنة بتجارة اللؤلؤ الطبيعي، إلى جانب منتجات بحرية وسلع أخرى، وأسهم هذا النشاط التجاري في تقوية حضورها السياسي والبحري، وفي تمكينها من حماية شواطئها وتأمين طرق تجارتها والدفاع عن استقلالها.
الصمود وحروب المورو
خاضت سلطنة سولو مقاومة طويلة في وجه المحاولات الإسبانية المتكررة لإخضاعها، ولم تكن تلك المواجهات حوادث متفرقة، بل امتدت قرونًا وتعاقبت خلالها الحملات العسكرية والهجمات على المدن والقرى والموانئ الساحلية. وقد تعرضت بعض حواضر السلطنة للقصف والتدمير، وسقط من أهلها مقاتلون ومدنيون، واضطر السكان إلى إعادة بناء ما هدمته الحرب مرة بعد أخرى. ومع ذلك، لم يتمكن الإسبان من فرض سيطرة مستقرة ودائمة على جميع أراضي السلطنة، وبقيت سولو واحدة من أبرز مناطق المقاومة الإسلامية في جنوب الفلبين.
ولم تعتمد الكيانات الإسلامية في الجنوب على القوة العسكرية وحدها، بل استعانت أيضًا بالدبلوماسية، وعقد الاتفاقات، وبناء التحالفات، واستثمار التوازنات الإقليمية لحماية استقلالها. ومن أبرز الشخصيات التي واجهت التوسع الإسباني السلطان كودارات، غير أنه كان من سلاطين ماغوينداناو، لا من سلاطين سولو. وقد استطاع توحيد قوى محلية متعددة، وتنظيم المقاومة، والدفاع عن مناطق واسعة من مينداناو، فغدا رمزًا لمرحلة قاوم فيها المسلمون محاولات إخضاعهم سياسيًا وعسكريًا، وحافظوا على وجودهم وهويتهم رغم ما تعرضوا له من حرب وتدمير.
أثر العربية والإسلام في اللغات الفلبينية
يُعَدّ التأثير العربي والإسلامي في بعض لغات الفلبين شاهدًا على عمق الاتصال التجاري والثقافي بين الأرخبيل والعالم الإسلامي. غير أن دراسة الألفاظ تقتضي الحذر؛ لأن كثيرًا من الكلمات العربية لم تنتقل مباشرة إلى التاغالوغية، بل وصلت عبر اللغة الملايوية أو لغات إسلامية أخرى في جنوب شرق آسيا.
ومن الكلمات ذات الصلة الواضحة بالتأثير العربي والإسلامي ألفاظ دينية وإدارية استُعملت خصوصًا في لغات المسلمين في جنوب الفلبين، مثل ألفاظ السلطان، والشريف، والإمام، والكتاب، والحكم، والقاضي، وغيرها. وقد دخل بعضها عبر الملايوية، ثم استقر في اللغات المحلية بصيغ صوتية متكيفة مع بنيتها.
أما كلمة Salamat المستعملة في الفلبين للتعبير عن الشكر، فيُرجَّح أنها انتقلت عبر الملايوية من الكلمة العربية «سلامة» أو من صيغ متصلة بجذر السلام. وهي من أشهر الأمثلة على الأثر العربي غير المباشر في التاغالوغية.
وتوجد كذلك كلمات متقاربة صوتيًّا مع ألفاظ عربية، مثل Sulat وAkala وPagsamba وKawawa وKatitikan وBukas.
ومن المهم أيضًا التمييز بين التاغالوغية واللغة الفلبينية؛ فاللغة الفلبينية، المبنية أساسًا على التاغالوغية، هي إحدى اللغتين الرسميتين في البلاد إلى جانب الإنجليزية.
الأسماء الجغرافية والاشتقاق
ترتبط أسماء المناطق الفلبينية بتاريخ لغوي معقد، تشارك فيه اللغات المحلية والتجارة والهجرات والتأثيرات الملايوية والإسلامية والإسبانية.
فاسم «مانيلا»، كما سبق، يربطه عدد من الباحثين بأصل تاغالوغي متصل بنبات النيلاد، بينما يرجعه بعض الباحثين والمرويات الشعبية إلى عبارة «أمان الله»، في ضوء الحضور الإسلامي المبكر في المنطقة وما تركه التجار والدعاة المسلمون من أثر لغوي وثقافي. أما اسم «مينداناو»، فيرتبط عند كثير من الباحثين باسم شعب ماغوينداناو أو بتسمية محلية متصلة بهم، في حين تذهب بعض القراءات اللغوية والثقافة الشعبية إلى البحث عن أصول عربية للاسم، وربطه بألفاظ مثل “المدّ” أو “المدان”.
إن الحضور العربي والإسلامي في جنوب الفلبين حقيقة تاريخية واضحة، تظهر في الألقاب السياسية والدينية، وفي بعض المصطلحات، وفي المخطوطات المكتوبة بالحرف العربي، وفي شبكات التجارة والتعليم والدعوة التي ربطت المنطقة بالعالم الإسلامي.
حين تتحول الأغلبية إلى أقلية
كما ذكرنا آنفًا، لم يدخل الإسلام إلى الفلبين بوصفه حضورًا عابرًا، بل أصبح أساسًا لسلطنات ومجتمعات مستقرة، وامتد أثره في السياسة والتجارة والثقافة. ونعود إلى هذه الحقيقة هنا لا لتكرار ما سبق، وإنما لأنها المدخل الضروري لفهم التحول التاريخي الكبير الذي وقع بعد ذلك: كيف انتقل المسلمون من موقع القوة والحضور الواسع إلى موقع الأقلية في وطن أسهموا في بناء حضارته.
لقد غيّر الاحتلال الإسباني مسار البلاد الديني والسياسي. فمع سقوط المراكز الإسلامية في الشمال، وتوسع السلطة الاستعمارية، تقلص المجال الذي تتحرك فيه السلطنات الإسلامية، وانحسر وجودها السياسي تدريجيًا نحو الجنوب. ولم يكن هذا التحول نتيجة تغير طبيعي في السكان أو الأفكار، بل جاء في سياق طويل من الحروب، وتدمير المراكز الحضرية، وإعادة تشكيل المجتمع تحت سلطة الاحتلال.
وكان التوسع البرتغالي في جنوب شرق آسيا جزءًا من الضغط الاستعماري الأوسع على المراكز الإسلامية وطرق تجارتها، غير أن الاحتلال الإسباني كان القوة المباشرة التي أحدثت التحول العميق داخل الفلبين. فقد عمل على قطع الصلات التي ربطت الجزر بمحيطها الإسلامي، وإضعاف الكيانات السياسية التي كانت تحمي استقلالها وهويتها.
وكما تبين في الفصول السابقة، دفع مسلمو الفلبين ثمنًا إنسانيًا كبيرًا خلال هذه المواجهات. غير أن ما ينبغي تأكيده هنا هو أن آثار تلك الحروب لم تنته بانتهاء الحملات العسكرية؛ فقد استمرت في صورة فقدان للأرض، وتراجع للسيادة، وتغيير للبنية السكانية، وتهميش للمناطق الإسلامية في الدولة التي تشكلت بعد الاستعمار.
ومن هنا، فإن وضع المسلمين في جنوب الفلبين لا يمكن فهمه باعتباره وضع أقلية نشأت على هامش المجتمع، بل بوصفه نتيجة مسار تاريخي حوّل أصحاب حضارة وسيادة إلى جماعة تكافح من أجل حماية ما بقي من أرضها وحقوقها وذاكرتها. فالأقلية هنا لم تكن دائمًا أقلية، وإنما صنعتها تحولات القوة والاحتلال وإعادة رسم الحدود والسكان.
ولا تزال هذه الحقيقة حاضرة إلى اليوم؛ لأن معاناة المسلمين لم تبقَ حبيسة الماضي، بل امتدت إلى واقعهم السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وما يبدو أحيانًا صراعًا بين المركز والأطراف هو في جوهره امتداد لمسألة أعمق: شعب فقد جانبًا كبيرًا من سيادته، ثم أصبح مطالبًا في وطنه بإثبات حقه في الوجود.
إنها قصة حضارة تقلص مجالها، لكنها لم تختفِ، وشعب تغير موقعه في الخريطة السكانية والسياسية، لكنه لم يفقد ذاكرته. وقد استطاع الاحتلال أن يحول المسلمين من قوة حضارية إلى أقلية، لكنه لم يستطع أن يمحو هويتهم أو يقطع صلتهم بتاريخهم.
خاتمة
إن قراءة هذا الفصل من تاريخ الفلبين ليست محاولة لإحياء أمجاد الماضي، ولا لتغذية مشاعر الخصومة، وإنما هي استعادة لجزء من الذاكرة الإنسانية التي لا يكتمل الوعي من دونه. فالشعوب لا تُبنى بالجغرافيا وحدها، بل بما تتذكره عن نفسها، وبالقصص التي ترويها لأبنائها، وبالحقائق التي تسمح لها بأن ترى جذورها كما كانت، لا كما أراد المنتصرون لها أن تبدو.
ومن منظور سيكولوجية التاريخ، فإن أخطر ما يتركه الاستعمار ليس احتلال الأرض وحدها، وإنما احتلال الذاكرة أيضًا. فحين يُمحى تاريخ أمة، أو يُختزل، أو يُعاد تأويله، تضطرب صورة الذات، ويصبح الجيل الجديد غريبًا عن جذوره، ويبحث عن هُويته في روايات كتبها غيره. ولذلك كان الصراع على التاريخ، في كثير من الأحيان، أعمق أثرًا من الصراع على الحدود.
ومن هنا، فإن إعادة قراءة الوجود الإسلامي في الفلبين تهدف إلى إعادة التوازن إلى السردية التاريخية. فالإنصاف يقتضي أن تُذكر السلطنات الإسلامية التي أقامت المؤسسات، ونظمت التجارة، ونشرت المعرفة، وصمدت قرونًا في وجه الاحتلال، كما يقتضي أن تُذكر الحروب التي استهدفتها، والدماء التي أُريقت، ومحاولات طمس هويتها وتغيير ذاكرتها.
كما يقتضي الإنصاف ألا تُعامل الرواية الغربية بوصفها الحكم النهائي على تاريخ المسلمين، وألا توضع الرواية العربية أو الإسلامية في مرتبة أدنى. فقد كُتب جانب واسع من تاريخ المنطقة بأقلام القوى الاستعمارية، ومن الطبيعي أن تصف هذه القوى توسعها بأنه اكتشاف، وحروبها بأنها تهدئة، ومقاومة الشعوب بأنها تمرد. وليس المطلوب مقابلة ذلك بانحياز عاطفي مضاد، بل تحرير التاريخ من سلطة المنتصر، والنظر إلى جميع الروايات بعين نقدية واحدة.
إن معرفة هذا التاريخ ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة نفسية وحضارية؛ لأن الإنسان لا يستطيع أن يعرف نفسه إذا جهل قصته، ولا تستطيع أمة أن ترسم مستقبلها إذا كانت ذاكرتها مبتورة. واستعادة تاريخ المسلمين في الفلبين ليست عودة إلى الماضي، بل خطوة نحو فهم أصدق للذات، وإقامة حوار حضاري يقوم على الحقيقة، لا على الذاكرة المنتقاة.
[1] المورو (Moro): لفظ إسباني أصله اللاتيني Maurus، وكان يدل أولًا على سكان الذين سكنوا أجزاءً من المغرب والجزائر، ثم أطلقه الإسبان على مسلمي الأندلس وشمال إفريقيا، وبعد ذلك على مسلمي جنوب الفلبين.

اترك تعليقاً