بقلم: د. الحضري لطفي


كانت الخريطة الطائفية للعالم الإسلامي في القرون الأولى تختلف جذريًا عن صورتها اليوم. فقد عرفت بعض الحواضر الإسلامية الكبرى تحولات مذهبية كبرى، قلبت مسار التاريخ العَقَدي فيها رأسًا على عقب.
فـمصر، مثلًا، التي تُعد اليوم قلب العالم السُني، كانت في زمنٍ مضى مركزًا للدولة الفاطمية الشيعية الإسماعيلية، وقد وفدت هذه الدولة من المغرب إلى المشرق، لتؤسس لنفوذها في القاهرة وتبني الأزهر كمنبر لمذهبها ودعوتها. ومع ذلك، عادت مصر إلى محورها السني في عهد صلاح الدين الأيوبي، بعد مشروع إصلاحي فكري وعقدي لا بالسيف وحده، بل بالحكمة وترتيب الأولويات.

وعلى النقيض من ذلك، نجد أن إيران، التي تُعد اليوم مركزًا للعقيدة الشيعية الاثني عشرية، كانت في أصلها دولة سُنية استمر مذهبها على هذا الحال نحو تسعة قرون، قبل أن تشهد انقلابًا مذهبيًا جذريًا على يد الدولة الصفوية.

إن هذا التحوّل لم يكن طبيعيًا ولا تدريجيًا، بل تمّ فرضه بقوة السيف والدولة المؤدلجة، وهو ما يستدعي منا إعادة النظر في الخريطة العقدية الراهنة، وفهم سياقاتها التاريخية والسياسية، والتمييز بين التحوّل العضوي والتحوّل القسري في مسار الأمم والمذاهب.

تاريخ بلاد فارس قبل التشيّع

بدأت الفتوحات الإسلامية لبلاد فارس في عهد الخليفة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، على يد قادة كبار أمثال المثنى بن حارثة الشيباني وخالد بن الوليد، وتواصلت في عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حتى اكتملت في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه، لتصبح بلاد فارس جزءًا من الدولة الإسلامية الكبرى.

ظلّ أهل فارس على المذهب السني بمختلف مدارسه قرابة تسعة قرون، من القرن الأول حتى القرن العاشر الهجري، وكانت البلاد تعج بالعلماء السنيين والطرق الصوفية المعتدلة.

الطريقة الصفوية وصعود التشيّع

ظهر صفي الدين الأردبيلي في القرن السابع الهجري، وكان صوفيًا شافعيًا ينتمي إلى \”الطريقة الزاهدية\”، ثم أنشأ طريقته الخاصة التي عُرفت لاحقًا بـ\”الطريقة الصفوية\”. وبعد وفاته، تحوّلت هذه الطريقة تدريجيًا إلى حاضنة للتشيّع الاثني عشري، خاصة في عهد حفيده علاء الدين علي سيهابوش.

بلغ التحوّل ذروته مع حفيده الآخر الشاه إسماعيل الصفوي، الذي أسّس الدولة الصفوية رسميًا سنة 907هـ. وبقوة السيف، فرض الشاه إسماعيل التشيّع في عموم بلاد فارس، ابتداءً من مدينة تبريز التي كانت آنذاك مدينة سنية يقطنها 300 ألف نسمة.

في مشهد فارق، اقتحم جنوده المسجد، وأُجبر الخطباء على الخطبة باسم الأئمة الاثني عشر، ودوّى صوت الأذان الجديد: \”أشهد أن عليًا ولي الله\”. وهكذا، بدأ التشيّع الرسمي للدولة، ولم يكن نابعًا من تحول عقدي طبيعي، بل من قرار سياسي عقائدي مدعوم بالعنف.

ورغم تحذيرات قادة جيشه من ردود فعل السكان السنّة، أجابهم الشاه بعبارة تنضح بالعقيدة الغُلوائية: \”أنا لا أخاف إلا الله، ومعي المعصومون من آل البيت. وسأقطع بسيفي كل من يعترض طريقي.\”

وبذلك تحوّلت إيران من دولة سُنية إلى دولة شيعية في جيل واحد، على يد أسرة تركية الأصل وبدعم من فقهاء جبل عامل العرب الذين انتقلوا إلى إيران للمساعدة في بناء المذهب الشيعي المؤسساتي الجديد.

صلاح الدين… عقل التوحيد لا الاستئصال

حين دخل صلاح الدين الأيوبي مصر، كانت تحت حكم الدولة الفاطمية الشيعية. لكنه لم يختر سياسة الإقصاء، بل أعاد البلاد إلى السنة بأسلوب استراتيجي هادئ: غيّر الخطبة والأذان، وأعاد تشكيل البنية الدينية دون اقتتال داخلي.

وفي حلب، وقف الشيعة الإمامية إلى جانبه ضد الصليبيين، بل كتب أول سيرة لحياته يحيى بن أبي طي الحلبي، أحد أبرز علماء الشيعة في بلاط الأيوبيين، في كتابه: \”كنز المؤمنين من سيرة الملك صلاح الدين.\”

مقاومة بالفكر والسيف

صلاح الدين لم يكن من القادة الأحاديي التفكير، بل كان واسع الأفق، قادرًا على ترتيب الأولويات، ووضع القدس في قلب مشروعه الاستراتيجي. بدأت المق.اومة الجادة بعد أربعين عامًا من الاحتلال الصليبي، بقيادة عماد الدين زنكي من الموصل، وتوسّعت مع نور الدين محمود، ثم بلغت ذروتها مع صلاح الدين الذي أعاد مصر إلى السنة، وأسّس مشروعًا وحدويًا عقائديًا سياسيًا في آنٍ واحد.

أدرك أن المعارك العقدية تُحسم بالفكر لا بالسيف فقط. فعندما أنهى الحكم الفاطمي، لم يُغلق الأزهر، بل أنشأ مسجدًا سنيًا جديدًا جعله مركزًا للفكر، واحتوى الأزهر تدريجيًا حتى استعاد توجهه.

خاتمة

إنّ إيران التي نراها اليوم بثوبها الشيعي، ليست امتدادًا طبيعيًا لما كانت عليه بلاد فارس في القرون الأولى، بل هي ثمرة انقلاب مذهبي مسلّح قاده تحالف بين سلطةٍ سياسية تركية، وفقهاء شيعة عرب، في لحظة فارقة من تاريخ الأمة.

لقد أُعيد تشكيل الهوية المذهبية للإيرانيين بالسيف والدعاية، لا بالقناعة والحوار، وهو ما يجعل هذا التحوّل قابلًا – من حيث المبدأ – للتفكيك وإعادة البناء. فما دام التحوّل قد وقع من السنة إلى الشيعة، فإنّ العكس أيضًا ممكن ومتاح، لا على طريقة الردّ الغاضب أو الانتقام الطائفي، بل عبر مسار معرفي طويل النفس، يقوم على استعادة الحُجّة، وتجديد المشروع السني الجامع، وإحياء العقل العقدي الرصين.

ولهذا، ليس من المنطق أن يُختزل الصراع مع إيران في بعده الطائفي، أو أن يُحوَّل إلى خصومة مع \”الفرس\” كإثنية أو شعب، فالخلاف الحقيقي ليس عِرقيًا بل مذهبيا، ولا يُعالج بالصدام الجسمي، بل بالتماس الفِكري، والاجتهاد العلمي، والحضور الحضاري.

إن المرحلة القادمة تتطلب من العلماء والمفكرين والدعاة ما هو أكثر تأثيرًا من عمل الجيوش.
فاسترداد الوعي السني في الداخل الإيراني هو مشروع نهضوي، لا عسكري، وشرطه الأول أن نؤمن بقدرة الأمة على التغيير كما آمنت به النُخب من قبل.

وإنّ إعادة بناء الخريطة الطائفية، لن تكون بتفجيرها، بل بترميم العقل، وتفعيل الذاكرة، وإحياء الحقيقة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *