أخطر من لورنس العرب
بقلم: د. الحضري لطفي
مقدمة
في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين كانت المنطقة تعيش تحولا تاريخيا عميقا؛ لم يكن الأمر مجرد تراجع سلطة سياسية، بل اهتزاز الإطار الجامع الذي انتظمت داخله المجتمعات طويلا، وفي المقابل صعود قوى أوروبية تبحث عن صيغة جديدة لتنظيم المجال بعد زوال القديم. عند هذه اللحظة لم تعد الأرض مجرد جغرافيا، بل فضاء يتشكل فيه معنى الانتماء من جديد.
ضمن هذا السياق برزت “غيرترود بيل”. لم تكن معرفتها بالمنطقة معرفة رحالة تصف المكان، بل معرفة تراكمت عبر المعايشة واللغة والاحتكاك المباشر بالبنى الاجتماعية. ومع اتساع الفراغ السياسي تحولت هذه المعرفة من وصف للواقع إلى قدرة على التأثير فيه. وهنا لا تعود المسألة مرتبطة بشخص يرسم حدودا بقدر ما ترتبط بآلية تاريخية أوسع تعمل عبر فهم المجتمع وإعادة ترتيب معانيه.
لقد تحركت بيل داخل شبكة مركبة من القوى: مشاريع الدول الأوروبية، تحولات الوعي المحلي، صعود زعامات جديدة، وتبدل أشكال الانتماء. ولذلك لا يكمن السؤال في نسبة التقسيم إلى فرد بعينه، بل في كيفية توظيف المعرفة العميقة بالبنية القبلية والاجتماعية والهُوياتية لتصبح أداة فاعلة في إعادة تشكيل المجال.
ينطلق هذا البحث من هذا المدخل: أن النفوذ المستقر لا يُبنى بالخرائط وحدها، بل بتوجيه ديناميكيات الهُوية نفسها؛ أي الانتقال من هندسة الجغرافيا إلى هندسة الهُوية.
من الاستكشاف إلى جمع المعطيات
أبدت غيرترود بيل[1] اهتماما مبكرا باستكشاف المنطقة العربية، فزارت القدس سنة 1899، ثم انتقلت في العام التالي إلى الأردن حيث عاشت بين البدو وارتدت لباسهم، وأقامت علاقات مباشرة مع شيوخ جبل الدروز. بعدها توجهت إلى دمشق، وعبرت بادية الشام إلى تدمر ثم لبنان قبل أن تعود إلى بريطانيا.
وفي سنة 1902 عادت مجددا إلى الشرق لاستكمال تعلم اللغة العربية، ثم زارت بلاد الشام سنة 1905. وبعد عودتها ألفت كتابها “سورية، الصحراء والأرض الزراعية” الصادر سنة 1908، قبل أن تعود مرة أخرى في العام التالي لتزور حلب ودمشق وكربلاء وبابل وبغداد والموصل.
وفي سنة 1913 قامت برحلة طويلة انطلقت من دمشق عبر صحراء النفوذ إلى حائل، ثم عادت عبر طريق بغداد وتدمر. وخلال هذه الرحلات كانت توثق كل موقع تمر به في خرائط تفصيلية دقيقة تتضمن معلومات عن القبائل وعاداتها ومواقع المياه ومسالك الطرق.
تظهر هذه السيرة المختصرة أن بيل أمضت نحو خمسة عشر عاما تدرس جغرافية المنطقة العربية وسكانها وإيران، دراسة ميدانية مباشرة لا تقتصر على الوصف بل تقوم على المعايشة وجمع البيانات. (محمد شعبان أيوب، الجزيرة نت).
لم تكن “غيرترود بيل” مجرد مستشرقة تجوب الصحراء، ولا رحالة تبحث عن المغامرة، ولا امرأة خارجة عن تقاليد مجتمعها الفيكتوري؛ بل جسدت نموذجا مبكرا لما يمكن تسميته “الاستخبارات الثقافية”: سلطة تقوم على الفهم بدل السلاح، وتبدأ بالهُوية قبل الجيش.
فبينما أسهم لورنس في إسقاط النفوذ العثماني عسكريا، عملت بيل على إعادة تشكيل المنطقة عبر المعرفة الدقيقة بالمجتمع، بحيث لا تعود بعد ذلك إلى صورتها الأولى.
من الرحلة إلى الاختراق
قد تُفهم الرحلة أحيانا بوصفها فضولا معرفيا بريئا، لكن التجربة التاريخية تُظهر أن المعرفة حين تقترن بالمشروع السياسي تتحول إلى أداة نفوذ. دخلت غيرترود بيل الشرق في صورة باحثة ومهتمة بالثقافة، غير أن مسارها انتهى بها مرجعا سياسيا تعتمد عليه بريطانيا في إدارة المنطقة.
لم تكن زياراتها لطهران وحائل والبادية مجرد تعرف على حضارة مختلفة، بل تحولت إلى عملية ملاحظة منهجية دقيقة. فقد عملت على فهم البنية القبلية وترتيب العلاقات داخلها، وتتبعت التنافسات المذهبية وما تولده من اصطفافات، كما رصدت الشخصيات القابلة للتأثير أو التوظيف، واهتمت بتحديد مواضع الضعف والاحتكاك داخل المجتمع.
وهنا يظهر وجه آخر للرحلة: فالمعرفة التي تبدأ إعجابا قد تنتهي قدرة على التوجيه، لأن فهم المجتمع من داخله يمنح صاحبه إمكانية التأثير في مساراته دون حاجة إلى القوة المباشرة. ولهذا لم تكن الرحلات مجرد انتقال في المكان، بل انتقال من المشاهدة إلى التأثير، ومن الوصف إلى تشكيل الواقع.
قراءة المجتمع قبل تغييره
هنا يتجلى وجه المكر التاريخي في صورته الهادئة؛ فلم يُعامل المجتمع العربي بوصفه أرضا محتلة تحتاج قوة عسكرية، بل بوصفه نصا اجتماعيا قابلا للتأويل. وفي منطق سيكولوجية التاريخ لا يبدأ التغيير بإسقاط السلطة، بل بإعادة فهم الإنسان الذي يحملها.
كانت غيرترود بيل تقرأ المجتمع كما يقرأ الباحث وثيقة: ترصد رموزه، وتفكك علاقاته، وتحدد معاني الانتماء داخله. ثم تنتقل خطوة أبعد؛ إذ لا تكتفي بالفهم، بل تعيد تركيب المعاني في صورة جديدة. وهنا يتحول الفهم إلى قدرة على التوجيه، لأن من يحدد تفسير الواقع يستطيع أن يحدد مساره.
ولهذا استطاعت أن تجلس في خيمة الشيخ كما تجلس في مكتب المندوب السامي. لم يكن ذلك انتقالا مكانيا، بل انتقالا بين مستويين من السلطة: سلطة العرف وسلطة الدولة. فهي لم تقف بين حضارتين وسيطا، بل شاركت في هندسة علاقة جديدة بينهما، علاقة تجعل البنية المحلية جزءا من نظام سياسي أوسع دون أن تشعر أنها فقدت ذاتها.
بهذا المعنى تكشف سيكولوجية التاريخ أن أخطر التحولات لا تقع حين تتغير الحدود، بل حين يتغير تفسير الناس لأنفسهم؛ فحين يعاد تعريف المجتمع من الداخل يصبح التغيير الخارجي نتيجة طبيعية لا صدمة مفروضة.
الفرق بين لورنس وبيل
العسكري يهدم… والمخطط يعيد التشكيل.
يكشف التأمل في التجربتين أن الفعل العسكري والفعل المعرفي يعملان في مستويين مختلفين من التاريخ. فالعسكري يغير موازين القوة في الحاضر، أما المخطط فيغير شروط المستقبل. ولهذا بدا أثر لورنس مرتبطا بالمعركة، بينما ارتبط أثر بيل بالبنية التي تليها.
في منطق سيكولوجية التاريخ لا تُحسم الصراعات فقط بإسقاط سلطة قائمة، بل بإعادة تعريف الجماعة التي كانت تقوم عليها تلك السلطة. ومن هنا أدركت بيل أن التحدي الأعمق لأي مشروع نفوذ ليس قوة السلاح، بل تماسك الهُوية الجامعة التي تسمح للمجتمع أن يعيد تنظيم نفسه بعد كل هزيمة.
لذلك لم يكن التركيز على السيطرة المباشرة على الأرض بقدر ما كان على إعادة تشكيل الانتماءات داخلها. فحين تنتقل الجماعة من تصور ذاتها كأمة واحدة إلى تصورها كمجتمعات متعددة، يتحول الصراع من مواجهة خارجية إلى صراعات داخلية، ويصبح الواقع الجديد مستقرا لأنه ينبع من تعريف مختلف للذات قبل أن يكون نتيجة قوة مفروضة.
أين يعمل المكر؟
لم يكن سقوط الخلافة العثمانية مجرد تغير في السلطة السياسية، بل كان انهيارا لمرجعية جامعة كانت تمنح المجتمعات إطارا واحدا لفهم ذاتها. وفي سيكولوجية التاريخ تُمثل هذه اللحظات فراغا إدراكيا قبل أن تكون فراغا سياسيا؛ إذ تبحث الجماعات عن معنى بديل تنتظم حوله.
في مثل هذا الفراغ يعمل الفعل الأهدأ والأعمق. فالتدخل لم يقم على فرض حدود عشوائية، بل على رسم حدود تمنع عودة الوحدة المرجعية نفسها. لم يكن المقصود تقسيم الأرض فقط، بل إعادة توزيع الانتماءات داخلها بحيث لا تتجمع في مركز واحد.
تتشكل المعادلة هنا على نحو مختلف:
- قبيلة + طائفة + أقلية + أكثرية ← دول.
- أما أمة جامعة فهو مصدر قلق.
ومن ثم نشأت كيانات تحمل داخل بنيتها عناصر توترها، لأن تعريفها قائم على موازنة مكونات متعددة أكثر من قيامه على جامع واحد. عند هذه النقطة ينتقل الصراع من مواجهة خارجية واضحة إلى احتكاكات داخلية مستمرة، فيصبح التوتر جزءا من البنية لا حدثا طارئا.
وهذا هو التحول الأعمق في التاريخ الحديث: انتقال التأثير من السيطرة على المجال إلى التأثير في كيفية إدراك الجماعات لنفسها، بحيث يصبح الاستقرار الجديد قائما على إعادة تعريف الذات قبل أي عامل آخر.
مكر تشكيل الهُوية
من إعادة رسم الحدود إلى إعادة تعريف الإنسان.
لا يبلغ الفعل السياسي ذروته حين يغير الخرائط، بل حين يغير معنى الانتماء داخل الإنسان. وفي سيكولوجية التاريخ تُعد الهُوية هي المجال الأعمق للصراع؛ لأن الجماعة لا تتحرك وفق ما تملك من أرض، بل وفق ما تتصور أنها عليه.
لهذا لم يتوقف الأمر عند إنشاء حدود جغرافية، بل اتجه إلى إعادة ترتيب مراتب الانتماء نفسها. كان الانتماء في صورته الواسعة يتدرج من الأعلى إلى الأدنى: دين ← أمة ← حضارة ← خلافة.
أي أن الفرد كان يرى نفسه جزءا من دائرة كبرى تفسر وجوده وتمنحه معنى قبل أن تحدد موقعه السياسي. أما بعد التحول فقد انعكس الاتجاه: طائفة ← قومية ← دولة.
فصار الإطار الطائفي هو الأصل، وأصبحت الدوائر الأوسع لاحقة عليه أو خاضعة له. هنا لا يتغير القانون ولا الجواز فقط، بل يتغير تصور الذات؛ إذ ينتقل الإنسان من هُوية تتجاوز المكان إلى هُوية يحكمها المكان.
التحول النفسي العميق
في سيكولوجية التاريخ يحدث التغيير الحقيقي حين يتحول الإدراك قبل الواقع. فعندما يتبنى الإنسان تعريفاً جديدا لنفسه، يعيد ترتيب علاقاته وتوقعاته وصراعاته وفق هذا التعريف. وبذلك لم يعد المسلم يرى ذاته جزءا من كيان حضاري ممتد، بل مواطنا داخل إطار سياسي محدد. ومع ضيق الإطار تضيق معه دوائر التعاطف والاهتمام، فيصبح البعيد أجنبيا بعد أن كان قريبا بالانتماء، ويتحول الخلاف من اختلاف داخل أمة إلى حدود بين كيانات.
وفي هذا السياق يمكن فهم ما أسميناه في مقال لنا: بـ”متلازمة تازة”[2]: إذ لا تكون مجرد شعار عابر، بل انعكاسا نفسيا لتحول ترتيب الهُوية داخل الوعي. فعندما تُقدم الدائرة المحلية على الدائرة الحضارية، يبحث الإنسان عن تبرير إدراكي يجعل تقليص التعاطف يبدو طبيعيا، فيحول القضايا الجامعة إلى قضايا خارجية لا تعنيه مباشرة. وهنا لا يتغير الواقع أولا، بل يتغير موقع الإنسان منه؛ فينتقل من الشعور بالمشاركة إلى الشعور بالمشاهدة، ومن الانتماء إلى المجاورة، وهو أحد أوضح آثار إعادة تعريف الهُوية قبل إعادة تشكيل الجغرافيا.
لماذا اختير الحكام قبل استقرار الكيانات؟
في منطق سيكولوجية التاريخ لا يكفي رسم الحدود حتى يستقر الواقع؛ فالحدود بلا بنية حكم تتحول إلى فراغ قابل للاهتزاز. لم تكن المشكلة بالنسبة للقوى المتدخلة هي السيطرة المباشرة على الأرض، بل ضمان انتظامها بعد تراجع الحضور العسكري. لذلك لم يتوقف الأمر عند تخطيط المجال الجغرافي، بل امتد إلى اختيار من يدير هذا المجال.
لم تنشأ الدولة الجديدة نتيجة تطور اجتماعي طبيعي، بل ظهرت بوصفها بنية وظيفية تُعطي الشكل السياسي قدرة على الاستمرار. فالحاكم لم يكن مجرد رأس سلطة، بل عنصر توازن داخل تركيبة متعددة المكونات، بحيث يبقى المجال السياسي مستقرا ولو ظل المجتمع في داخله متباين البنى.
وبهذا المعنى تصبح وظيفة الدولة الأساسية حفظ التوازن ومنع تركز قوة جامعة قادرة على تجاوز الإطار المرسوم. لم تعد الخريطة مجرد توصيف جغرافي، بل نظام ضبط يحدد مسارات الحركة داخلها ويمنع تشكل مركز حضاري مستقل يعيد ترتيب المجال كله.
وفي هذا السياق يصل الأمر أحيانا إلى أن يتحسس بعض الناس من مصطلح “الخلافة”، بل قد يتخذ منه موقفا عدائيا دون وعي حقيقي بطبيعته، لأن الإدراك اختلط عليه بين المعنى الديني المرجعي الذي ينتمي إلى دائرة الاعتقاد، وبين التحولات القومية والسياسية الحديثة التي صارت تعمل في الوعي كأنها المرجعية الوحيدة. فينشأ رفض ليس موجها إلى الفكرة في ذاتها، بل إلى ما يظنه تهديدا للإطار الهُوياتي الجديد الذي اعتاده، وهو من آثار انتقال مركز الانتماء من المجال الحضاري الواسع إلى المجال السياسي الضيق.
الاستعمار الذي يعمل عبر الواقع المألوف
الاحتلال العسكري يوقظ حس المقاومة لأنه ظاهر ومباشر، أما إعادة تشكيل البنية الداخلية فتنتج واقعا يبدو طبيعيا لأهله. هنا يتحقق الأثر الأعمق في سيكولوجية التاريخ: حين يتكيف الإنسان مع الإطار الجديد حتى يراه امتدادا طبيعيا لحياته.
لهذا كان تأثير العمل البنيوي أطول من أثر الجيوش؛ فالقوة العسكرية تُواجَه وتُطرد، أما البنية المعرفية والاجتماعية فتُورث لأنها تدخل في إدراك الناس لأنفسهم. ومع الزمن يتحول الصراع من تحرر من خارج إلى تنظيم داخل، ومن مواجهة قوة ظاهرة إلى إدارة حدود قائمة.
ومنذ تلك اللحظة لم يعد التوتر في المنطقة يُفهم بوصفه مقاومة احتلال بقدر ما أصبح احتكاك كيانات، أي صراعات حدود أكثر مما هو صراع تحرر. وهنا يظهر الفرق بين حدث عابر في التاريخ وبنية تستمر داخله.
من صراع الحدود إلى صراع الهُوية
تكشف قراءة التحولات الحديثة في ضوء سيكولوجية التاريخ أن كثيرا من الاشتباكات بين الأفراد والجماعات لا تنشأ من خلافات عابرة، بل من اضطراب في ترتيب الهُوية داخل الوعي. فحين يتبدل موضع الانتماء في النفس يتبدل معه تصور العدو والصديق، ويتحول الخلاف الطبيعي إلى صراع وجودي.
ويبدو الفرق بين “الشرق الأوسط” و”الشرق العربي” ظاهرا في اللفظ، لكنه في الحقيقة اختلاف في زاوية النظر إلى المنطقة نفسها. فمصطلح الشرق الأوسط نشأ في الأدبيات الجيوسياسية الغربية ليصف مجالا استراتيجيا تُقاس حدوده بموقعه من العالم وبما يحمله من مصالح وقوى، ولذلك يضم شعوبا وثقافات متعددة لا يجمعها رابط حضاري واحد، ويُدرج ضمنه وجود إسرائيل بوصفها جزءا من هذا الحيز الجغرافي.
أما الشرق العربي فهو توصيف ينطلق من الداخل، يركز على اللغة والتاريخ المشترك والذاكرة الثقافية التي كوّنت شعورا بالانتماء قبل أن ترسم الحدود السياسية. من هنا فالأول يصف خريطة ومجالا للنفوذ، بينما الثاني يصف جماعة وهُوية؛ واختيار أحدهما ليس حياديا، بل يعكس هل ننظر إلى المنطقة كمساحة في الجغرافيا أم ككيان في التاريخ والهُوية.
لقد أُعيد بناء المجال السياسي بطريقة جعلت الإنسان يبدأ تعريف نفسه من الإطار الأضيق، ثم يصعد منه لا إليه. فأصبح الانتماء عند كثيرين يبدأ بالكيان السياسي أو التصنيف الاجتماعي، ثم القومي، ثم يأتي الدين في مرتبة لاحقة، مع أن الترتيب التاريخي والنفسي كان على العكس: الإسلام أولا ← العربي ثانيا ← وما عداهما دوائر تالية منظمة للحياة لا مؤسسة للذات.
عندما ينقلب هذا الترتيب تتحول الخلافات الثانوية إلى خطوط مواجهة كبرى، لأن كل جماعة ترى هُويتها الجزئية هُوية نهائية. وهنا ينشأ وهم التقديس؛ إذ يُعامل الإطار السياسي أو القومي كما لو كان قدرا ثابتا، مع أنه في حقيقته بناء تاريخي قابل للتغير، بينما الثابت الوحيد في وجدان الأمة هو المرجعية التي تعطي المعنى قبل الشكل.
في هذا السياق يصبح الصراع بين المجتمعات صراعا على تعريف الذات أكثر منه صراعا على المصالح. فالإنسان إذا عرف نفسه بحدوده سيدافع عن حدوده، وإذا عرف نفسه برسالته سيدافع عن معناها. ولهذا تتكاثر الخصومات الداخلية كلما ضاقت دائرة الانتماء، ويخف الاحتكاك كلما اتسعت.
والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس سياسيا فقط بل إدراكي:
هل نستمر في التعامل مع هذه التصنيفات كأنها نهائية فنورث الصراع جيلا بعد جيل، أم نعيد ترتيب سلم الهُوية بحيث تعود الدوائر إلى مواقعها الطبيعية:
- مرجعية جامعة تضبطها.
- ثم إطار ثقافي يعبر عنها.
- ثم كيانات تنظيمية تدير شؤونها؟
إن سيكولوجية التاريخ تشير إلى أن الأمم لا تُهزم حين تفقد الأرض، بل حين تفقد ترتيب المعنى داخلها. وحين يختلط ما هو ثابت بما هو متغير يتحول الإنسان من صانع للواقع إلى متكيف معه، ومن فاعل في تاريخه إلى متلقٍ له.
وبين هذين المسارين يبقى الخيار مفتوحا:
إما وعي يعيد بناء الهوية على أصلها الجامع، فتعود الاختلافات تنوعا.
وإما بقاء داخل هُويات جزئية متقابلة، حيث تتحول الحدود إلى تعريف للذات، ويظل الصراع نتيجة طبيعية لذلك التعريف.
خاتمة
لم تُقسم المنطقة يوم رُسمت حدودها على الورق، بل يوم أُعيد ترتيب الهُوية داخل الإنسان. فقد هُدمت سلطة بالسلاح، لكن الذي بقي هو تعريف جديد للذات جعل الانتماء ضيقا بعد أن كان واسعا، والسياسة أصلا بعد أن كانت فرعا.
وهكذا تحولت الخريطة من نتيجة إلى مرجعية، وصار الناس يحرسون حدودا لم تكن في وعيهم من قبل، ويختلفون داخل إطار صُمم لهم أن يتعاملوا معه كقدر نهائي. فالمعركة لم تعد على الأرض بقدر ما أصبحت على تفسير الإنسان لنفسه.
إن استعادة التوازن لا تبدأ بتغيير الجغرافيا، بل بإعادة ترتيب الهُوية:
- مرجعية جامعة تعطي المعنى والهوية.
- ثم دوائر تنظم الحياة دون أن تحل محلها.
هناك فقط يعود الاختلاف تنوعا، ويتحول التاريخ من عبء موروث إلى اختيار واع.
[1] وتكتب: جيرترود بيل.
[2] الحضري لطفي: https://fetria.com/مُتلازِمة-تازة/

اترك تعليقاً