تفكيك مغالطة “البخاري كتب السُّنَّة بعد قرنين

بقلم: د. الحضري لطفي

مقدمة

تُثار حول تاريخ السنة النبوية شبهتان تتكرران كثيرًا في الخطاب المعاصر. تقول الأولى إن رسول الله ﷺ نهى عن كتابة الحديث، ويُراد من ذلك أحيانًا الوصول إلى نتيجة أوسع بكثير من مقدمتها: أن السنة لم تكن مكتوبة في عهده أصلًا.

وتقول الثانية إن الإمام البخاري لم يظهر إلا في القرن الثالث الهجري، ثم يُبنى على ذلك أن الأحاديث بقيت قرنين أو أكثر تتناقلها الذاكرة وحدها، حتى جاء البخاري فجمعها لأول مرة.

غير أن هذه الصورة، على بساطتها وقابليتها للتداول، لا تصمد أمام التسلسل التاريخي للمصادر. فالمشكلة تبدأ من الخلط بين مراحل مختلفة تمامًا:

كتابة الحديث، وجمعه، والتدوين العام له، وتصنيفه في الكتب، ثم انتقاء طائفة منه وفق شروط مخصوصة في كتب الصحاح.

وهذا الخلط هو الذي يجعل عبارة مثل “لم تدوَّن السنة إلا بعد مئتي سنة” تبدو ذات معنى، مع أنها تجمع تحت لفظ واحد عمليات تاريخية متباينة وقعت في أزمنة مختلفة.

فالسؤال العلمي ليس: متى ظهر صحيح البخاري؟ فهذا معلوم. وإنما السؤال الذي يسبقه هو: هل كانت السنة قبل البخاري غائبة عن الكتابة والتدوين والمصنفات؟

وهنا تبدأ الوقائع في الكلام.

العهد النبوي: النهي عن الكتابة والإذن بها

لا يحتاج الدفاع العلمي عن السنة إلى إنكار حديث النهي عن الكتابة، ولا إلى الالتفاف عليه؛ فقد ثبت عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه أن رسول الله ﷺ قال: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه، وحدثوا عني ولا حرج». رواه الإمام مسلم في صحيحه، كتاب الزهد والرقائق. فالحديث موجود، وهو جزء من المادة التي يجب تفسيرها، لا إخفاؤها.

لكن الخطأ يبدأ عندما يُنتزع هذا النص من بقية النصوص، ثم يُقدَّم كما لو أنه الكلمة الوحيدة التي وردت عن رسول الله ﷺ في كتابة الحديث.

فالمصادر نفسها التي حفظت حديث النهي حفظت أيضًا أحاديث صريحة في الإذن بالكتابة، وأخبارًا ثابتة عن كتابة السنة في حياة النبي ﷺ.

وقد ذكر العلماء في الجمع بين أحاديث النهي وأحاديث الإذن عدة احتمالات:

  • فقيل إن النهي كان في مرحلة مبكرة خشية اختلاط الحديث بالقرآن، ثم وقع الإذن بعد زوال هذا المحذور.
  • وقيل إن النهي تعلَّق بجمع القرآن والحديث في صحيفة واحدة.
  • وقيل إن الإذن كان لمن أُمن عليه الالتباس وأتقن الكتابة.

ونقل الإمام النووي أن الخلاف في كتابة العلم وقع بين بعض السلف، ثم انعقد الإجماع بعد ذلك على جوازها.

فيصح أن نقول بثقة: وجود حديث النهي لا يساوي منعًا مطلقًا دائمًا من كتابة السنة؛ لأن النصوص الصحيحة نفسها تثبت وقوع الكتابة والإذن بها في حياة النبي ﷺ.

عبد الله بن عمرو: “اكتب”

كان عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما يكتب ما يسمعه من رسول الله ﷺ. فلما قال له بعض قريش: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله ﷺ بشر يتكلم في الغضب والرضا؟ توقف عن الكتابة، ثم عرض الأمر على النبي ﷺ، فأشار إلى فمه وقال: “اكتب، فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق”.

رواه الإمام أبو داود في سننه، كتاب العلم، ورُوي كذلك في مسند الإمام أحمد. وهذا النص شديد الدلالة؛ لأن المسألة التي سئل عنها النبي ﷺ لم تكن الكتابة في معناها المجرد، بل كتابة ما يسمع منه. فجاء الجواب بفعل الأمر: “اكتب”.

وقد عُرف ما كتبه عبد الله بن عمرو في المصادر باسم الصحيفة الصادقة، ونقلت كتب التراجم والطبقات أخبارها.

والأقوى من ذلك أن شهادة عبد الله بن عمرو ليست منفردة؛ فقد شهد له أبو هريرة رضي الله عنه بذلك، فقال: “ما من أصحاب النبي ﷺ أحد أكثر حديثًا عنه مني، إلا ما كان من عبد الله بن عمرو، فإنه كان يكتب ولا أكتب”. رواه الإمام البخاري في صحيحه.

وهذه شهادة تاريخية بالغة الأهمية؛ لأنها لا تأتي من مؤرخ متأخر يتخيل ما وقع في العصر النبوي، بل من صحابي يقارن بين وسيلتين في تلقي الحديث: الحفظ عنده، والحفظ مع الكتابة عند عبد الله بن عمرو.

فكيف يمكن، بعد هذا، أن يقال إن الحديث لم يعرف الكتابة في حياة رسول الله ﷺ؟

صحيفة علي بن أبي طالب رضي الله عنه

وثبت كذلك أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه كان يحتفظ بصحيفة مكتوبة. فقد سأله أبو جحيفة عما عنده، فقال: “لا، إلا كتاب الله، أو فهم أعطيه رجل مسلم، أو ما في هذه الصحيفة”. فلما سئل عما فيها ذكر الديات، وفكاك الأسير، وألا يُقتل مسلم بكافر. رواه الإمام البخاري في صحيحه. وترد في روايات أخرى للصحيفة مواد تتصل بحرمة المدينة وذمة المسلمين وغيرها.

فالكتابة هنا لم تعد احتمالًا نستنتجه، بل صحيفة مادية يُنسب إليها مضمون معلوم.

“اكتبوا لأبي شاه”

ثم نصل إلى شاهد يصعب تجاوزه في أي بحث جاد في المسألة. ففي عام فتح مكة، في السنة الثامنة للهجرة، خطب رسول الله ﷺ، فطلب رجل من أهل اليمن يُكنى أبا شاه أن تُكتب له الخطبة، فأمر النبي ﷺ بالكتابة له. وروى الإمام البخاري ذلك في صحيحه، كتاب العلم، باب كتابة العلم.

وأهمية هذه الواقعة أنها متأخرة في حياة النبي ﷺ، ووقعت في مناسبة عامة، وجاء الأمر فيها بالكتابة صريحًا.

فإذا وُضع حديث: «لا تكتبوا عني» إلى جانب حديث: «اكتب»، وإلى جانب «اكتبوا لأبي شاه»، وإلى جانب صحيفة علي، وكتابة عبد الله بن عمرو، لم يعد من المنهج العلمي أن نأخذ نصًا واحدًا ونلغي به بقية المادة.

فالنتيجة التي تسمح بها النصوص ليست أن “النبي ﷺ منع كتابة السنة”، وإنما أن كتابة السنة كانت موجودة في حياته ﷺ، ووقعت بعلمه وإذنه، وشهد بها أصحابه أنفسهم.

ومن ثم فإن من يكرر أمام الناس حديث النهي، ثم يحجب عنهم حديث «اكتب»، وأمره ﷺ: «اكتبوا لأبي شاه»، وصحيفة عبد الله بن عمرو، وصحيفة علِي رضي الله عنهم، لا ينقل لهم القضية كما هي، بل ينتقي منها ما يخدم النتيجة التي يريد الوصول إليها.

وقد يُعذر الجاهل مرة. أما من يعرف هذه النصوص، ثم يعود إلى الشبهة نفسها وكأن شيئًا لم يُقَل، فالمسألة لم تعد خطأً علميًا عابرًا. نحن هنا أمام تضليل متعمد للمتلقي: يُعرض عليه جزء من الحقيقة، ويُحجب عنه الجزء الذي يهدم الشبهة.

وهذا الأسلوب معروف في الصراعات الأيديولوجية؛ فالفكرة الباطلة لا تحتاج دائمًا إلى دليل جديد، بل يكفي أحيانًا أن تُكرَّر، وأن تُعرض في كل مرة بعد حذف ما يفندها، حتى يترسخ في ذهن الجمهور أن كثرة تردادها دليل على صحتها.

وقد ارتبط هذا المعنى تاريخيًا بالدعاية النازية، حتى شاعت نسبة العبارة: “اكذب، ثم اكذب، حتى يصدقك الناس” إلى جوزيف غوبلز، وزير الدعاية في ألمانيا النازية[1]. والمفارقة أن ما ثبت عنه أقرب إلى موضوعنا وأشد دلالة عليه؛ فقد كتب سنة 1941، وهو يهاجم دعاية تشرشل، واصفًا إياه بأنه يتمسك بأكاذيبه ويكررها حتى يصدقها هو نفسه.

ولم يبق الأمر مجرد ملاحظة في تاريخ الدعاية؛ فقد كشف علم النفس التجريبي لاحقًا ظاهرة عُرفت بـ”أثر الحقيقة الوهمية”، ومفادها أن تكرار المعلومة قد يزيد شعور الإنسان بصدقها، لا لأن دليلًا جديدًا أضيف إليها، بل لأن تكرارها يجعلها مألوفة وأسهل معالجة في الذهن. وهنا تكمن الخطورة النفسية للشبهة المكررة: قد تبدأ سؤالًا، ثم تصبح احتمالًا، ثم يجعلها التكرار مألوفة، حتى تتحول الألفة شيئًا فشيئًا إلى شعور بالصدق؛ فيجد الإنسان نفسه بعد مدة يدافع بوصفه “حقيقة” عما دخل إلى ذهنه أول مرة بوصفه مجرد شبهة.

وهنا نفهم لماذا لا يحتاج التضليل دائمًا إلى اختراع حجة جديدة:

  1. كرر الشبهة القديمة.
  2. واحذف في كل مرة ما يفندها.
  3. ثم كررها مرة أخرى.
  4. ومع الزمن قد ينسى المتلقي أنه لم ير عليها دليلًا أصلًا.
  5. ويصبح مجرد سماعها مئات المرات بديلًا نفسيًا عن البرهان.

وهكذا لا تتحول الكذبة إلى حقيقة، فالحقيقة لا يصنعها التكرار؛ وإنما يحدث ما هو أخطر في ذهن الإنسان: يتحول الباطل المألوف إلى وهم يحمل شعور الحقيقة.

ولهذا فالمشكلة هنا ليست في ضعف المصادر، بل في طريقة تقديمها للناس؛ وليست في غياب الجواب، بل في الإصرار على تجاهل الجواب بعد ظهوره.

النهي لا يعني المنع المطلق

وقد عرفت المرحلة النبوية نفسها صورًا من الاحتياط في التعامل مع ما يأتي من كتب أهل الكتاب، حمايةً لمصدر التلقي ومنعًا لاختلاط الوحي الخاتم بما دخل الكتب السابقة من تبديل أو تأويل. ومن أشهر ما ورد في ذلك حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه، حين جاء النبي ﷺ بكتاب أصابه من بعض أهل الكتاب، فأنكر عليه ذلك، وجاء في الحديث قوله ﷺ: “أمتهوكون فيها يا ابن الخطاب؟”. ولا ينبغي أن يُفهم من هذا الإنكار أن مجرد معرفة ما في التوراة والإنجيل ممنوعة في ذاتها على الإطلاق، وإنما يظهر من سياق النصوص أن المقصود الأساس هو حماية مرجعية الوحي ومنع أن تتحول النصوص السابقة إلى مصدر يزاحم القرآن أو يوقع المسلم في الالتباس بين حق بقي فيها وباطل دخل عليها.

وهذا التمييز مهم؛ لأن التاريخ الإسلامي نفسه يكشف أن علماء المسلمين لم يعيشوا في عزلة معرفية عن اليهودية والنصرانية وسائر الملل، بل قرؤوا نصوصها، ودرسوا معتقداتها، وناقشوا حججها، وردوا على مقالاتها، غير أنهم فعلوا ذلك من موقع المرجعية الإسلامية الراسخة، لا من موقع البحث عن مصدر بديل للهداية. فالفرق كبير بين أن تتلقى عن النص السابق لتعرف منه دينك، وبين أن تدرسه لفهم مقالة أصحابه ونقدها ومقارنتها بما جاء به الوحي الخاتم.

وقد أسهم القرآن نفسه في تكوين هذا الأفق المعرفي؛ إذ عرض مقالات اليهود والنصارى والمشركين، وحاورها، وكشف مواضع الاتفاق والاختلاف، وأقام الحجة على المخالف، وهو ما هيأ داخل الحضارة الإسلامية لنشوء تراث واسع في دراسة “الملل والنحل”. ومن أبرز نماذجه الإمام ابن حزم في كتابه الفصل في الملل والأهواء والنحل، حيث لم يكتف بعرض عقائد الفرق والأديان، بل ناقش نصوص اليهودية والنصرانية ومقولاتها مناقشة نقدية تفصيلية. ثم جاء الإمام الشهرستاني في كتابه الملل والنحل فقدم عملًا أكثر ميلًا إلى الوصف والتصنيف وعرض مقالات الفرق والديانات بحسب أصولها ومذاهبها.

ومن هنا يمكن القول إن التراث الإسلامي عرف، في مرحلة مبكرة، ممارسة علمية قريبة مما يسمى اليوم “مقارنة الأديان”، وإن اختلفت أدواته ومقاصده ومصطلحاته عن الصورة الأكاديمية الحديثة. فلم يكن الانتقال من الاحتياط في زمن التأسيس إلى دراسة الأديان لاحقًا تناقضًا، بل اختلافًا في الوظيفة:

  1. في الأولى حماية لمصدر التلقي.
  2. وفي الثانية دراسة للآخر بعد استقرار المرجعية وتمييز مواقع النظر.

وهذا المثال نفسه يساعد على فهم مسألة كتابة السنة: فقد يرد النهي في سياق مخصوص لوظيفة مخصوصة، ثم تثبت نصوص أخرى الإذن بالفعل نفسه في سياقات أخرى. ومن الخطأ المنهجي أن يُنتزع النهي من وظيفته وسياقه، ثم يُحوَّل إلى حكم مطلق يلغي بقية النصوص والوقائع التاريخية.

عصر الصحابة والتابعين

بعد وفاة النبي ﷺ، اتسعت الدولة الإسلامية، وتفرق الصحابة رضي الله عنهم في المدينة ومكة والعراق والشام ومصر واليمن وغيرها، وأخذ التابعون يتلقون عنهم. وفي هذه المرحلة استمر مساران في وقت واحد:

  1. الحفظ والرواية الشفهية من جهة.
  2. والكتابة في الصحف والنسخ من جهة أخرى.

وهذا أمر مهم؛ لأن بعض التصورات الحديثة تبني المسألة على ثنائية غير دقيقة: إما نقل شفهي، وإما نقل مكتوب. بينما الواقع التاريخي أكثر تركيبًا؛ فقد كان العالِم يسمع الحديث، ويحفظه، ويحدث به، وقد يكتبه أو يملكه مكتوبًا في الوقت نفسه.

ومع اتساع دائرة النقل وظهور الفتن أخذ التثبت في الروايات يشتد.

فقد طلب عمر بن الخطاب رضي الله عنه من أبي موسى الأشعري رضي الله عنه شاهدًا على حديث الاستئذان ثلاثًا، فشهد له أبو سعيد الخدري رضي الله عنه. ولا يدل ذلك على اتهام أبي موسى بالكذب، وإنما يكشف عن وجود ممارسة مبكرة للتحقق والاستيثاق من الرواية.

ثم ازداد الاحتياط مع اتساع دائرة النقل.

وروى الإمام مسلم في مقدمة صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه لما رأى الناس يحدثون من غير الضبط السابق قال: “فلما ركب الناس الصعب والذلول لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف”.

فالتحول لم يكن من قبول السنة إلى الشك في السنة، وإنما من الثقة العامة في بيئة الصحابة الأولى إلى التحقق من الناقل ومصدر الخبر مع تغير الواقع. ويأتي قول الإمام محمد بن سيرين، المتوفى سنة 110هـ، أكثر وضوحًا: “لم يكونوا يسألون عن الإسناد، فلما وقعت الفتنة قالوا: سموا لنا رجالكم”.

وهذه العبارة من النصوص المؤسسة لفهم نشأة الإسناد؛ فالخبر لم يعد مجرد جملة تُروى، بل صار يُسأل: من جاء بها؟ وعمن أخذها؟

ومن هنا بدأت سلسلة الأسئلة التي ستتطور لاحقًا إلى علوم الرجال والجرح والتعديل والعلل.

صحيفة همام بن منبه: حديث مكتوب في القرن الأول

ولا يمكن اختزال هذه المرحلة في الرواية الشفهية؛ فمن أهم شواهد استمرار الكتابة صحيفة همام بن منبه. فقد كان همام من التابعين، ولقي أبا هريرة رضي الله عنه وسمع منه مجموعة من الأحاديث وكتبها عنه. وعُرفت هذه المجموعة باسم صحيفة همام بن منبه.

وتكمن قيمتها التاريخية في أنها تقدم نموذجًا واضحًا لانتقال الحديث من صحابي إلى تابعي، مع وجود مادة مكتوبة مسندة.

وقد انتقلت روايتها عن همام إلى معمر بن راشد، ثم عن معمر إلى عبد الرزاق الصنعاني، ووصل جانب منها إلى مسند الإمام أحمد وغيره، بصيغة الإسناد المعروفة: عبد الرزاق، عن معمر، عن همام، عن أبي هريرة رضي الله عنه. كما روى الإمام مسلم عددًا من أحاديث هذه السلسلة بصيغة: “عن همام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة”.

من الصحف الفردية إلى التدوين المنظم

في أواخر القرن الأول الهجري ظهرت مرحلة جديدة. وليست أهميتها أن المسلمين اكتشفوا الكتابة فجأة، فقد رأينا الكتابة قبل ذلك، وإنما أن جمع الحديث بدأ يأخذ طابعًا أوسع وأكثر تنظيمًا.

تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة سنة 99هـ، وتوفي سنة 101هـ، وكتب إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم يأمره بجمع الحديث، وجاء في الأثر الذي أورده الإمام البخاري: “انظر ما كان من حديث رسول الله ﷺ فاكتبه؛ فإني خفت دروس العلم وذهاب العلماء”. والعبارة نفسها تكشف طبيعة المشروع.

فهو لم يقل: أنشئوا حديثًا لم يكن موجودًا، ولم يقل: ابحثوا بعد قرن عما يمكن نسبته إلى النبي ﷺ، بل خشي ذهاب علم موجود بذهاب حَمَلته، فأمر بتثبيته وجمعه.

وهنا يظهر الفرق الذي يضيع في كثير من المناقشات بين الكتابة والتدوين المنظم.

 فالكتابة سبقت عمر بن عبد العزيز بزمن طويل، أما مشروعه فمثَّل انتقالًا إلى جمع أوسع ترعاه السلطة وتشجع العلماء عليه.

وكان للإمام محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، المتوفى سنة 124هـ، دور بارز في هذا المسار، ولذلك اشتهر في كتب علوم الحديث بأنه من أوائل من قام بالتدوين العام المنظم للسنة. وعندما يقال عن الزهري إنه “أول من دوّن الحديث”، فلا يصح أن نفهم من العبارة أن أحدًا قبله لم يكتب حديثًا؛ فهذا يصادم الوقائع السابقة كلها. وإنما يُحمل هذا السبق على التدوين المنظم الواسع، لا على أول قلم كتب حديثًا نبويًا.

والتمييز بين المصطلحين ليس ترفًا لغويًا؛ بل هو مفتاح القضية كلها.

القرن الثاني: من التدوين إلى التصنيف

لم تتوقف الحركة عند جمع الروايات، بل انتقلت في القرن الثاني الهجري إلى التصنيف. والتصنيف أخص من مجرد الكتابة والجمع؛ فهو يعني أن المادة أصبحت تُرتب وفق أبواب ومناهج.

وبرز في هذه المرحلة علماء في مراكز إسلامية مختلفة:

  • الإمام ابن جريج بمكة.
  • ومعمر بن راشد باليمن.
  • والإمام الأوزاعي بالشام.
  • والإمام سفيان الثوري بالكوفة.
  • وحماد بن سلمة بالبصرة وغيرهم.

وهذا التوزع الجغرافي مهم؛ لأن تاريخ الحديث لم يكن مشروع رجل واحد في مدينة واحدة، بل حركة علمية واسعة نشأت في مراكز متعددة. ومن أشهر ما وصل إلينا من القرن الثاني موطأ الإمام مالك بن أنس، المتوفى سنة 179هـ. ولم يقتصر الموطأ على الأحاديث المرفوعة، بل جمع كذلك آثار الصحابة وأقوال التابعين وفقه الإمام مالك، ورتب مادته على أبواب الفقه.

وهنا ننتقل من الصحيفة التي قد تجمع مرويات شخص عن شيخ معين، إلى كتاب يعيد بناء المادة على أساس موضوعي: الصلاة، والزكاة، والبيوع، والنكاح، والقضاء وغيرها. أي إن الحديث انتقل من وحدة مصدر الرواية إلى وحدة الموضوع العلمي.

وهذا كله كان قبل ولادة الإمام البخاري.

المصنفات والمسانيد قبل اكتمال عصر الصحاح

ثم اتسعت حركة التأليف في أواخر القرن الثاني وبدايات القرن الثالث. ومن أهم نماذجها مصنف عبد الرزاق الصنعاني. ولد الإمام عبد الرزاق سنة 126هـ وتوفي سنة 211هـ، ولذلك فإن مصنفه يمثل ثمرة مرحلة تمتد من أواخر القرن الثاني إلى بدايات القرن الثالث. ولا يضم المصنف الأحاديث النبوية وحدها، بل يحفظ كذلك مقدارًا كبيرًا من آثار الصحابة وفتاوى التابعين ومن جاء بعدهم، وينقل مادة واسعة عن شيوخ أقدم من عبد الرزاق، وفي مقدمتهم معمر بن راشد.

وهذا مهم جدًا في فهم طبيعة الكتب الحديثية؛ فالكتاب الذي وصلنا باسم مؤلف متأخر نسبيًا قد يكون وعاءً لمواد تلقاها عن طبقات سبقته بعشرات السنين.

ثم نجد مصنف الإمام ابن أبي شيبة، المتوفى سنة 235هـ، بما يحتويه من مادة حديثية وفقهية هائلة.

وإلى جانب المصنفات ظهر منهج المسانيد، حيث تُرتب الروايات بحسب أسماء الصحابة، ومن أشهرها مسند الإمام أحمد بن حنبل، المتوفى سنة 241هـ.

إذن، عندما ولد الإمام البخاري سنة 194هـ، لم يولد في فراغ علمي ينتظر من يخلق فيه الحديث.

لقد ولد في عالم توجد فيه صحف، وروايات مكتوبة، وموطآت، ومصنفات، ومسانيد، وشيوخ، ومدارس حديثية، ورحلات في طلب الحديث، ومناهج في نقد الرواة والأسانيد. وهذا هو السياق التاريخي الذي ينبغي أن يوضع فيه صحيح البخاري.

الإمام البخاري: لم يكتب السنة لأول مرة بل انتقى منها

ولد الإمام محمد بن إسماعيل البخاري سنة 194هـ وتوفي سنة 256هـ، وجاء بعده الإمام مسلم بن الحجاج، المولود سنة 206هـ والمتوفى سنة 261هـ. وما فعله البخاري ومسلم لم يكن اختراع “كتابة الحديث”.

فالحديث كان قد كُتب قبل ولادتهما، ودُوّن، وصُنِّف، ورُتب في كتب.

الجديد في مشروعيهما كان الانتقاء وفق شروط نقدية مخصوصة من مادة حديثية ضخمة متداولة قبلهما. وهذا معنى ينبغي التوقف عنده؛ فالإمام البخاري نفسه نُقل عنه أنه قال عن صحيحه: “خرجته من نحو ستمائة ألف حديث” (600.000)، كما نُقل عنه قوله: “أحفظ مائة ألف حديث صحيح، ومائتي ألف حديث غير صحيح”.

ومع ذلك، فإن الذي أثبته الإمام البخاري في صحيحه كان جزءًا محدودًا من هذه المادة الضخمة؛ فقد أحصى الحافظ ابن حجر الأحاديث المسندة فيه مع التكرار، من غير المعلقات والمتابعات، بنحو سبعة آلاف وثلاثمائة وسبعة وتسعين حديثًا، (7,397) بينما تبلغ الأحاديث الخالصة من التكرار نحو ألفين وستمائة وحديثين (2,602).

وهنا يظهر معنى “الانتقاء” الذي يضيع تمامًا في العبارة الشائعة: “البخاري جاء بعد مئتي سنة فكتب الحديث”. البخاري لم يجلس بعد قرنين يبحث عما يمكن أن ينسبه إلى النبي ﷺ؛ بل كان أمامه تراث روائي واسع، وطرق وأسانيد وشيوخ ومصنفات، ثم مارس عمل الناقد:

  1. يفحص.
  2. ويقارن.
  3. ويرد.
  4. ويقبل.
  5. ثم ينتقي من المادة التي بين يديه ما يوافق شروط كتابه.

ولذلك فالسؤال العلمي ليس:

  • كم حديثًا اخترع البخاري؟
  • بل: من أي مادة اختار؟ وبأي شروط انتقى؟

ومن هنا فإن العبارة الشائعة: “البخاري كتب الحديث بعد مئتي سنة من وفاة النبي” تحتوي على تلبيس تاريخي. نعم، الإمام البخاري عاش في القرن الثالث.

لكن السؤال ليس: متى عاش البخاري؟

السؤال هو: هل بدأ الحديث به؟

والجواب التاريخي: لا.

فكما لا يجرؤ عاقل على القول إن الحرب العالمية الثانية وُلدت يوم كتب المؤرخ كتابه عنها، لا يصح أن يقال إن السنة وُلدت يوم ألّف الإمام البخاري صحيحه. البخاري لم يُنشئ السنة؛ بل جاء إلى تراث روائي ومكتوب قائم قبله، فنقد وانتقى وصنّف.

ثم ظهرت كتب السنن، كـسنن الإمام ابن ماجه، المتوفى سنة 273هـ، وسنن الإمام أبي داود، المتوفى سنة 275هـ، وجامع الإمام الترمذي، المتوفى سنة 279هـ، ثم سنن الإمام النسائي، المتوفى سنة 303هـ، وامتد بذلك المسار إلى أوائل القرن الرابع.

أما تسمية هذه الكتب مع صحيح البخاري وصحيح مسلم بـ”الكتب الستة”، فقد استقرت بوصفها مجموعة مرجعية في مرحلة لاحقة، ولا ينبغي إسقاط هذه المكانة المتأخرة على لحظة تأليفها.

وبذلك يظهر أمامنا خط تاريخي متصل:

  1. الكتابة في العصر النبوي.
  2. ثم الصحف في عصر الصحابة والتابعين.
  3. ثم التدوين المنظم في أواخر القرن الأول.
  4. ثم التصنيف في القرن الثاني.
  5. ثم المصنفات والمسانيد.
  6. ثم نضج كتب الصحاح والسنن ومناهج الانتقاء في القرن الثالث وما بعده.

ومن هنا يتبين أن العبارة المتداولة: “السنة لم تدوَّن إلا بعد مئتي سنة” ليست مجرد خطأ في التعبير، بل مغالطة تاريخية تقوم على خلط متعمد أو جاهل بين الكتابة، والتدوين، والتصنيف، والانتقاء في كتب الصحاح.

فالحديث كُتب قبل الإمام البخاري، ودُوِّنت مادته، وصُنِّفت فيه الكتب، وتناقلته طبقات من العلماء قبل أن يولد البخاري أصلًا. ثم يأتي من يحذف هذا التاريخ كله، ويقفز مباشرة من وفاة النبي ﷺ إلى صحيح البخاري، ثم يقول للناس: “انظروا، الحديث كُتب بعد قرنين!”.

شبهات لا تعيش إلا بالحذف: من حذف النصوص إلى حذف التاريخ

بعد هذا المسار التاريخي، لا تبقى المسألة خلافًا في تفصيل صغير، بل تصبح اختبارًا لطريقة التفكير نفسها. فمن أراد أن يستدل بقول النبي ﷺ: «لا تكتبوا عني، ومن كتب عني غير القرآن فليمحه» على أن السنة لم تكن موجودة، أو أنها ليست حجة، أو أن النبي ﷺ أراد إقصاءها من الدين، فقد وقع في مفارقة يصعب أن تمر على عقل يحترم أبسط قواعد الاستدلال: إنه يستعمل السنة ليهدم السنة.

فمن أين عرف أصلًا أن النبي ﷺ قال: «لا تكتبوا عني»؟ أليس من حديث نبوي نقلته كتب السنة، وحفظه المحدثون، ورووه بالإسناد، حتى وصل إليه؟ إن قَبِل هذا الحديث حجةً ليطعن به في السنة، فقد اعترف من حيث لا يشعر بأن السنة تستطيع أن تنقل قول النبي ﷺ نقلًا يُحتج به. وإن رفض حجية السنة، سقط الحديث الذي يستدل به قبل أن يبدأ استدلاله. فلا يمكن للمرء أن يقول في الجملة نفسها: “أنا لا أثق بالسنة”، ثم يضيف: “والدليل أن النبي قال في السنة كذا”. فالسكين التي يريد أن يذبح بها السنة مأخوذة من مطبخ السنة نفسها.

والأشد من ذلك أن الحديث الذي يُرفع شعارًا لإقصاء السنة يقول في تمامه نفسه: “وحدثوا عني ولا حرج”. فهو لا يقول: لا تنقلوا عني، ولا يقول: القرآن وحده هو الذي سيُنقل عني، وإنما ورد فيه نهي مخصوص عن الكتابة في سياق ناقشه العلماء، إلى جانب نصوص صحيحة أخرى يأمر فيها النبي ﷺ بالكتابة صراحة، كقوله لعبد الله بن عمرو رضي الله عنهما: «اكتب»، وأمره: «اكتبوا لأبي شاه»، فضلًا عن الصحف التي ثبت وجودها في حياته ﷺ.

ومن ثم فانتزاع «لا تكتبوا عني» من هذا البناء كله، ثم عرضه على الناس وكأنه وصية نبوية بإلغاء السنة، ليس بحثًا علميًا؛ لأن البحث العلمي يجمع النصوص قبل أن يحكم، ولا يختار شاهدًا واحدًا ثم يخفي الشهود الآخرين. أما أن تحتج بحديث رواه الإمام مسلم لتقول للناس إن الحديث لا قيمة له، وأن تستعمل روايةً من السنة لإقناعهم بأن السنة لا تصلح مصدرًا للمعرفة، فهذه ليست قوة في النقد، بل تناقض يهدم نفسه بنفسه.

ثم تأتي المغالطة الثانية: “البخاري جاء بعد مئتي سنة”. نعم، جاء الإمام البخاري في القرن الثالث؛ لكن السنة لم تكن واقفة عند باب التاريخ تنتظر مولده حتى تبدأ. قبله كانت الصحف، ثم التدوين، ثم الموطآت والمصنفات والمسانيد، وكانت الرواية والنقد والإسناد قائمة قبل أن يولد أصلًا. فالانتقال مباشرة من وفاة النبي ﷺ إلى الإمام البخاري، وحذف ما بينهما من قرنين من التاريخ العلمي، يشبه من يحذف طفولة الإنسان وشبابه ثم يراه في الأربعين فيقول: لقد وُلد في الأربعين!

واللافت أن هذا المنهج في القفز فوق التاريخ ليس جديدًا؛ بل يشبه ما وقع طويلًا في بعض السرديات الغربية لتاريخ العلم والحضارة، حين يُنتقل من الحضارة اليونانية القديمة مباشرة إلى النهضة الأوروبية، وكأن القرون الطويلة التي ازدهرت فيها الحضارة الإسلامية بينهما لم تكن موجودة، وكأن الخوارزمي وابن الهيثم والرازي وابن سينا والزهراوي وابن رشد وغيرهم لم يكونوا حلقة كبرى في تاريخ المعرفة الإنسانية. إنها الآلية نفسها:

 احذف المرحلة التي تفسد الرواية التي تريد بناءها، ثم أوهم القارئ أن ما قبلها اتصل بما بعدها بلا وسيط.

والمفارقة أن بعض من يردد هذه الطريقة في الحديث عن السنة، متأثرًا بخطابات غربية أو مستندًا إليها، يعيد استعمال المنهج نفسه: يحذف قرنين كاملين من تاريخ الحديث، ثم يقفز من وفاة النبي ﷺ إلى الإمام البخاري ويصيح:

  • “أين كانت السنة؟”.
  • والجواب بسيط: كانت موجودة في الجزء من التاريخ الذي حذفته أنت من القصة.

فالمشكلة إذن ليست في وجود التاريخ، بل في بتره؛ وليست في فقدان الحلقات، بل في إسقاطها عمدًا من السرد. ومن يمحو مرحلتين أو ثماني مراحل من طريق طويل، ثم يدّعي أن بين البداية والنهاية فراغًا، لا يكون قد اكتشف فجوة تاريخية؛ بل يكون هو الذي صنع الفجوة بيده، ثم احتج بها.

لذلك فإن أخطر ما في هذه الشبهة ليس ضعفها التاريخي فحسب، بل الطريقة التي يُطلب بها من المتلقي أن يعطّل عقله: خذ هذا الحديث من كتب السنة، ثم لا تسأل كيف وصل إليك؛ خذ نصفه، ثم اترك بقيته؛ خذ نص النهي، ثم تجاهل نصوص الإذن؛ اقفز فوق الصحف والتدوين والمصنفات، ثم قف عند البخاري وقل: “أين كانت السنة؟”.

ومن حق أي إنسان أن يناقش صحة حديث، أو دلالة نص، أو منهج محدث، أو تاريخ تدوين؛ فالعلم لا يخشى السؤال. لكن ليس من حق أحد أن يسمي الانتقاء علمًا، ولا أن يسمي حذف التاريخ نقدًا، ولا أن يستعمل السنة شاهدًا على عدم وجود السنة ثم يطلب من الناس أن يعدّوا ذلك حجة.

وعندما تحتاج الشبهة إلى حذف نصف الحديث، وحجب النصوص المقابلة، وإسقاط قرنين من التاريخ حتى تبدو مقنعة، فقد صدر الحكم عليها من داخلها:

إنها لا تكشف إفلاس السنة من الدليل، بل تكشف إفلاس الحجة، ثم تكشف ما هو أبعد من ذلك: إفلاس صاحبها نفسه، حين لا يعود قادرًا على الدفاع عن موقفه إلا ببتر النصوص، وحذف التاريخ، وانتقاء ما يخدم النتيجة التي قررها سلفًا.

الخاتمة:

وهنا، نصل إلى المفارقة الصارخة، والانتحار المعرفي الذي يرتكبه دعاة “حسبنا كتاب الله”، ورافعو شعار “لا تأتونا بغير القرآن”. فهؤلاء الذين يتشدقون بالعقلانية، ويتباكون على “التفكير الحر”، يقفون عراة أمام تناقضهم الفاضح؛ فهم يستمدون شرعية إنكارهم للسنة من السنة ذاتها، ويحتجون على حجية السنة بكتب التراجم والسير التي نقلتها نفس الأفواه التي نقلت القرآن!

أيُّ عقلٍ هذا الذي يتبجحون به؟ وأيُّ منطقٍ أعوجَّ هذا؟ إنهم يقبلون “التواتر التاريخي” والضمير الجمعي للصحابة إذا تعلق بنقل القرآن، ثم يتهمونهم بالتقصير أو النسيان حينما نقلوا لنا كيف كان النبي ﷺ يصلي ويصوم ويقرأ الوحي! إنهم يصدقون الرواية إذا جاءت بالقرآن، ويرفضونها إذا جاءت بالسنة. هذا ليس منهجًا علميًا، بل هو ازدواجية معيارية مريضة، وإهانة صريحة للعقل الذي يتخذونه ذريعة لتضليل الناس. كيف يعقل أن يُسلموا بالوعاء (القرآن) ويرفضوا التفاصيل التي وضعها صاحب الوعاء نفسه؟ وكيف يهدمون حجية الصحابة في نقل الدين، ثم يرضون أن يأخذوا دينهم (القرآن) من نفس هؤلاء الصحابة؟

إن من يكرر أمام الناس أن “السنة لم تُكتب إلا بعد مئتي سنة”، بعد أن تُساق له الأدلة القاطعة على الصحف النبوية، وتدوين عمر بن عبد العزيز، ومصنفات القرن الثاني، لا يجهل الحقيقة فحسب، بل يُصر على التضليل المتعمد. إنه يغض الطرف عن تراث مكتوب وموثق، ليبيع وهمه على عقول البسطاء، مستخدمًا أسلوبًا رخيصًا: احذف التاريخ، واقفز من وفاة النبي ﷺ مباشرة إلى البخاري، ثم صرخ في الناس: “انظروا، الحديث كُتب بعد قرنين!”.

وأخيرًا.. فليعلم منكِرو السنة أن محاولتهم اليائسة لتجريد الإسلام من بيانه الثاني لم تهدم السنة فحسب، بل هدمت المنهج التاريخي الذي يثبت لهم أصالة القرآن ذاته. لقد كشفوا عن عورة منهجهم الذي يأكل نفسه، وأثبت التاريخ والعقل معًا أن السنة والقرآن وجهان لعملة واحدة. ومن يرفض السنة بحجة “العقل” و”التاريخ”، هو في الحقيقة عدو للعقل والتاريخ معًا.


[1] غير أن الأمانة العلمية تمنعنا من أن ننسب إليه هذه العبارة بهذا اللفظ؛ إذ لا يثبت أنه قالها بهذه الصيغة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *