مَاذَا أَثْبَتَ البَحْثُ الغَرْبِيُّ عَنْ تَدْوِينِ السُّنَّةِ وَنَقْدِ الرِّوَايَةِ؟


بقلم: د. الحضري لطفي


تمهيد

لا تقوم صحة السُّنة على شهادة مستشرق، ولا تكتسب علوم الحديث وجودها التاريخي لأن باحثا غربيا اعترف بها. فالكتابة المبكرة للحديث، ونشأة الإسناد، ونقد الرواة، وتمييز مراتب الأخبار، وتراكم المصنفات؛ كل ذلك تاريخ قائم بوثائقه ومصادره ومناهجه، لا يحتاج في أصل ثبوته إلى ختم تصديق يأتيه من خارج الحضارة التي أنشأته. وأمة خيرٍ”أخرجت للناس[1]” لا تنتظر من غيرها أن يمنح تراثها شهادة الوجود.

لكننا نعيش زمنا تفشَّى فيه الانبهار بالمرجعية الغربية، حتى أصبح بعضهم لا يطمئن إلى المعرفة إلا إذا جاءت من باحث أو مؤسسة غربية، ولا سيما حين يتصل الأمر بالدين؛ فيُستقبل ما يقوله الغربي بقدر كبير من الثقة، بينما يُنظر إلى ما يقدمه علماء المسلمين بعين الشك، ولو كان قائما على بحث رصين وأدلة واضحة.

فإذا قال المحدث المسلم: إن الحديث كُتب مبكرا، شككوا؛ وإذا تحدث عن الإسناد، سخروا؛ وإذا ذكر نقد الرجال والعلل والجَرح والتعديل، اتهموه بالدفاع عن منظومة ينتمي إليها.

ثم إذا نطق باحث غربي ببعض المعاني نفسها، تغيرت نبرة الخطاب، وأصبح الكلام جديرا بالنظر لأنه صدر من جامعة غربية أو كُتب بلغة أجنبية.

من “ما الدليل؟” إلى “من قاله؟”

هنا لا نكون أمام إشكال معرفي فحسب، بل أمام خلل في ميزان المعرفة نفسه.

فالسؤال العلمي هو: ما الدليل؟

لكن السؤال يتحول، في بعض الخطابات، إلى: من قاله؟

فإذا كان القائل مسلما متقدما عارفا باللغة والرواية والرجال والمصادر، استُقبل قوله بالريبة؛ وإذا أعاد باحث غربي بعد قرون فحص المادة نفسها وانتهى إلى بعض ما قرره أولئك العلماء، استُقبل قوله بوصفه كشفا علميا.

وهذه صورة من صور الاستغراب المعرفي الذي لا يزن الأقوال بقوة أدلتها، بل بموقع أصحابها من الخريطة الحضارية.

والمشكلة هنا ليست في قراءة الباحث الغربي، ولا في الاستفادة من الجامعات الغربية، ولا في الأخذ عن الحضارات الأخرى؛ فالعلم لا وطن له، والحِكمة لا ترد لأن قائلها من خارج دائرتنا. وإنما يبدأ الخلل عندما ينتقل الغرب من مصدر من مصادر المعرفة إلى ميزان للحقيقة نفسها.

سلامة موسى: نموذج للاستلاب المعرفي

وليس الحديث عن هذا الاستلاب اتهاما نصنعه اليوم لإسكات المخالف؛ فقد عرف الفكر العربي الحديث نماذج أعلنت هذا الموقف صراحة، ولعل سلامة موسى من أوضحها. ففي كتابه “اليوم والغد” لم يكتف بالدعوة إلى الاستفادة من العلوم الأوروبية أو الإفادة من مناهجها، بل تجاوز ذلك إلى الدعوة إلى الخروج من الانتماء الحضاري الشرقي والالتحاق بأوروبا، حتى انتهى إلى عبارته الشهيرة: “فأنا كافر بالشرق، مؤمن بالغرب.”

وقيمة هذه العبارة بالنسبة إلى بحثنا ليست في محاكمة سلامة موسى نفسه، وإنما في أنها تكشف بوضوح بنية فكرية يصبح فيها الغرب معيارا، لا مجرد طرف في الحوار المعرفي.

فعندئذ لا يعود السؤال: هل هذا القول صحيح؟

بل يصبح: هل قاله الغربي؟

ولا يعود التراث الإسلامي مادة تُفحص كما تُفحص سائر المواد، بل يدخل قاعة المحكمة متهما سلفا، بينما يدخل القول الغربي حاملا قرينة البراءة قبل أن يبدأ النقاش.

وهذا هو الاستلاب المعرفي الذي يعنينا هنا.

إنه ليس تعلما من الغرب، وإنما تسليم للغرب بحق تحديد ما يستحق أن يسمى علما أصلا. ولذلك كانت عبارة سلامة موسى ذات دلالة تتجاوز صاحبها؛ لأنها تكشف نموذجا فكريا ظل يتكرر بعده بصيغ أكثر حداثة وأقل صراحة: يُرفض قول المحدث لأنه “تراثي”، ويُشكك في المؤرخ المسلم لأنه “يدافع عن حضارته”، ثم لا يلبث القول نفسه أن يكتسب مَسحة من العلمية إذا أعاده باحث غربي في جامعة أوروبية أو أمريكية.

لماذا نستدعي الباحثين الغربيين إذن؟

من هنا تتحدد وظيفة هذا الفصل بدقة.

نحن لا نستدعي الباحثين الغربيين لكي نثبت بهم السُّنة، ولا لكي نجعل المستشرق حكما على الإمام البخاري أو الإمام مسلم أو أئمة الحديث؛ فذلك قلب للميزان من أساسه. وإنما نستدعي بعض الباحثين الغربيين لإقامة الحجة على من جعل الغرب نفسه مرجعا أعلى في الحكم على تاريخ السُّنة.

فإذا كنت لا تسمع للمحدث المسلم لأنه – في زعمك – يدافع عن تراثه، فماذا ستفعل عندما يأتيك باحث غربي، من خارج الدائرة الإيمانية الإسلامية، ويدرس المخطوطات والمصنفات والأسانيد وطبقات الرواة، ثم ينتهي إلى نتائج تهدم بعض الصور التبسيطية التي رسمت لك عن تاريخ الحديث؟

هنا تنقلب الحجة على صاحبها.

فنحن لا نقول: صدقت السُّنة لأن الغربي قال ذلك.

بل نقول لمن جعل الغربي ميزانه: تعال إلى الميزان الذي اخترته أنت.

فإذا كنت تشك في الكتابة المبكرة لأنها مذكورة في مصادر المسلمين، فماذا ستفعل عندما تثبت دراسات غربية وجود مواد حديثية مكتوبة في مراحل مبكرة؟

وإذا كنت تسخر من الإسناد لأنه – في تصورك – صناعة متأخرة، فماذا ستفعل عندما يصبح الإسناد نفسه موضوعا للتحليل التاريخي الدقيق في الجامعات الغربية؟

وإذا كنت تعد كتب الرجال مجرد موروث داخلي لا قيمة له، فكيف تفسر أن الباحث الغربي الناقد نفسه يحتاج إلى هذه الكتب لكي يعيد بناء شبكات الرواية؟

إننا هنا لا نطلب شهادة تزكية للسنة.

بل نكشف تناقضا في معيار قبول المعرفة.

من الشعار إلى البحث التاريخي

واللافت أن عددا من الباحثين الغربيين الجادين، بمن فيهم من لم ينطلق من التسليم الديني بحجية السُّنة، وجدوا أنفسهم أمام تراث حديثي بالغ التعقيد: أسانيد، وطرق متعددة للرواية، واختلاف في الألفاظ، وطبقات للرواة، ومصنفات مبكرة، ومناهج للنقد والمقارنة والترجيح.

وقد اختلف هؤلاء الباحثون في تقدير قيمة هذه المادة وفي النتائج التي انتهوا إليها، بل كان بعضهم شديد النقد لها، وهذا أمر ينبغي التصريح به حتى لا نصنع “غربا” واحدا كما يصنعه خصومنا.

لكن هذا الاختلاف نفسه يكشف أن تاريخ الحديث لا يمكن اختزاله في الشعار المتداول: “جاء البخاري بعد قرنين فكتب الحديث.” فالبحث التاريخي الجاد أكثر تعقيدا من ذلك بكثير.

وقد تجاوزت دراسات غربية معاصرة كثيرا من التعميمات الاستشراقية القديمة، وأصبح عدد من الباحثين يدرسون الأسانيد والمتون والمصادر المبكرة وتاريخ انتقال الروايات، بدل الاكتفاء بالحكم الشامل على التراث الحديثي كله باعتباره صناعة متأخرة.

ومن هنا تظهر المفارقة: يهرب بعض منكري السُّنة من علماء المسلمين إلى الباحث الغربي طلبا للتصديق، ثم يكتشف أن البحث الغربي الجاد نفسه لا يمنحه دائما الصورة المبسطة التي يريدها.

ما الذي ستثبته هذه الشهادات؟

ولهذا فإن الشهادات التي سنعرضها في هذا الفصل ليست شهادة الغرب للسُّنة، ولا نزعم أن الباحثين الغربيين أجمعوا على صحة المنهج الحديثي أو نتائج المحدثين.

الذي نريد إثباته؛ أن بعض الدراسات الغربية نفسها تثبت وجود ظواهر تاريخية لا يمكن حذفها من قصة السُّنة: الكتابة المبكرة، والتداخل بين الشفهي والمكتوب، ونشأة الإسناد، والعناية بالرواة، وجمع طرق الحديث، ومقارنة الروايات، ووجود مادة حديثية تسبق عصر الصِّحاح.

وقد بيَّنَّا في مقال سابق عن تاريخ تدوين السُّنَّة أن تدوين الحديث بدأ مبكرا، وهو ما يُسقط التصور الشائع بأن السُّنَّة ظلَّت قرنين بلا تدوين، حتى جاء الإمام البخاري فبدأ جمع الحديث.

فالتراث الحديثي لا يصبح علما لأن الغرب اعترف به، كما أن التاريخ الإسلامي لا يبدأ يوم اكتشفه المستشرق.

ولكن من حقنا، في مقام تفكيك الشبهة، أن نضع أصحابها أمام المفارقة التي صنعوها بأنفسهم: فقد رفضوا شهادة علماء الأمة لأنهم مسلمون، ثم استدعوا بعض الباحثين الغربيين حكما؛ فإذا ببعض ما انتهى إليه هؤلاء الباحثون يهدم الصورة التي أرادوا إثباتها بهم.

من داخل الدراسات الغربية

ديفيد صمويل مارجليوث: الناقد الذي اعترف بقوة المنهج

لم يكن المستشرق البريطاني ديفيد صمويل مارجليوث من الباحثين المتساهلين مع التراث الإسلامي، ولا ممن دخلوا دراسته بروح الدفاع عنه. وهذه النقطة بالذات هي التي تمنح شهادته قيمتها في هذا السياق.

فقد ناقش في كتابه Lectures on Arabic Historians نظام الإسناد وما يقتضيه من فحص الناقلين والبحث في عدالتهم ووثاقتهم، وقرر أن قيمة هذا النظام في السعي إلى الدقة لا يمكن إنكارها، وأن للمسلمين حقا في الاعتزاز بعلم الرواية الذي طوروه.

ولا تعني هذه الشهادة أن مارجليوث صحح كل حديث، ولا أننا نحتاج إليه لنثبت صحة السُّنة؛ فهذا ليس محل الاستدلال أصلا. إنما موضع الحجة هنا أدق وأقوى: ناقد للتراث الإسلامي نفسه يعترف بأن المسلمين لم يكونوا ينقلون الأخبار في فراغ، ولم يتركوا الرواية بلا ضوابط، بل أنشؤوا نظاما مخصوصا للتحقق من طريق الخبر ورجاله.

وهذا وحده يكفي لإسقاط الصورة الساذجة التي تريد إقناع القارئ بأن الحديث ظل قرونا كلاما سائبا تتناقله الألسن، ثم جاء المتأخرون فجمعوه.

فإذا كان ناقد للتراث يعترف بوجود منهج للتحقق من الرواية، فمن أين جاءت دعوى أن المسلمين كانوا ينقلون بلا منهج؟

برنارد لويس: لم يكن نقل الأخبار عملا بدائيا

ويتقدم المؤرخ برنارد لويس خطوة أخرى؛ فلا يكتفي بالإشارة إلى وجود الإسناد، بل يلفت النظر إلى تطور وعي المسلمين بمشكلة الأخبار الكاذبة نفسها.

فقد أشار إلى أن علماء المسلمين أدركوا مبكرا خطر الروايات الموضوعة والأخبار غير الموثوقة، فطوروا علما لنقدها، واهتموا بسلاسل النقل، وقارنوا بين الروايات، وجمعوا اختلافات النصوص وحفظوها بدل طمسها.

وهذه مسألة بالغة الدلالة؛ لأن الحضارة التي تحتفظ باختلاف الروايات لا تتصرف بمنطق إخفاء المشكلات، بل بمنطق عرض المادة وتمكين الناقد من مقارنتها.

وقد ذهب لويس إلى أن هذا الفحص الدقيق للأسانيد، والعناية بالروايات المختلفة، منح التأريخ العربي الإسلامي في العصور الوسطى درجة من الاحتراف والتعقيد لم تكن معهودة في التأريخ القديم، ولم يكن لها نظير مماثل في الغرب اللاتيني المعاصر.

ومع ذلك، لم يقل لويس إن كل ما صححه المحدثون يجب أن يقبله المؤرخ الحديث، ولا هذا ما نحتج به من كلامه. بل القيمة العلمية في شهادته أنه يفصل بين أمرين يتعمد الخطاب المتعجل الخلط بينهما: أن تختلف مع نتيجة الناقد، شيء؛ وأن تنكر وجود منهج للنقد أصلا، شيء آخر تماما.

قد يختلف باحث غربي مع محدث مسلم في الحكم على رواية بعينها، لكن ذلك لا يسمح له أن يقول إن المحدث وصل إلى حكمه اعتباطا.

وهنا تنهار إحدى أكثر المغالطات شيوعا: تحويل الخلاف في بعض النتائج إلى إنكار للمنهج كله.

نيبيا أبوت: سقوط أسطورة “الشفهي يعني غير المكتوب”

جاءت الباحثة الأمريكية نيبيا أبوت إلى المسألة من باب يصعب تجاوزه بالشعارات: البرديات والمخطوطات والوثائق العربية المبكرة.

ففي الجزء الثاني من دراستها Studies in Arabic Literary Papyri: Qur’anic Commentary and Tradition، الصادر عن جامعة شيكاغو سنة 1967، درست التطور المبكر للرواية الإسلامية المكتوبة وتسجيل التراث الديني مستندة إلى مادة وثائقية مبكرة.

أما ما يتعلق بالعلاقة بين النقل الشفهي والكتابي في العصر الأموي، واتساع استعمال الإسناد في العلوم الدينية، فتظهر نتائجه بصورة أوضح في الجزء الثالث من السلسلة، Language and Literature، الصادر سنة 1972.

لكن النتيجة التي تهمنا هنا واضحة: الشفهي والمكتوب لم يكونا طريقين متعارضين، بل كانا يعملان معا في نقل المعرفة وحفظها.

وهنا تسقط مغالطة مركزية في خطاب منكري السُّنة، وهي مساواة “الرواية الشفهية” بـ”غياب الكتابة”.

فالخبر قد يسمع من الشيخ، ويحفظ، ويكتب في صحيفة أو مذكرة، ثم يروى بعد ذلك بالسماع. وهذه الممارسات لا يلغي بعضها بعضا، بل تتكامل.

ومن ثم فإن السؤال الذي يُطرح أحيانا بهذه الصورة: “هل كان الحديث شفهيا أم مكتوبا؟” يحمل في داخله فرضية خاطئة قبل أن يبدأ البحث؛ لأنه يفترض أن وجود أحدهما ينفي الآخر.

وأبحاث أبوت تقول بوضوح: لم تكن الصورة كذلك.

غريغور شولر: السؤال الخاطئ يصنع جوابا خاطئا

واصل الباحث السويسري غريغور شولر تفكيك الثنائية نفسها، ودرس بتوسع العلاقة بين الشفهي والمكتوب في الإسلام المبكر.

وفي الدراسات التي جُمعت في كتابه The Oral and the Written in Early Islam، تظهر صورة أكثر تركيبا مما تروجه الخطابات التبسيطية. فلم تكن الثقافة الإسلامية في القرنين الأولين ثقافة شفوية خالصة، كما لم تكن ثقافة كتابية بالمعنى الحديث، بل كان السماع، والحفظ، والتعليم، والرواية، والمذكرات، والمواد المكتوبة تعمل داخل منظومة واحدة.

وتشير دراساته إلى أن استعمال الكتابة في نقل الحديث ظهر مبكرا، ثم اتسع وتطور مع الزمن.

وهنا يجب أن نقلب السؤال نفسه.

ليس السؤال الصحيح: “هل كان الحديث شفهيا أم مكتوبا؟”

بل: كيف تفاعلت آليات السماع والحفظ والكتابة في حفظ الحديث ونقله؟

والفرق بين السؤالين يتجاوز اختيار الألفاظ إلى طريقة النظر نفسها. ففي السؤال الأول نجد أنفسنا منذ البداية أمام خيارين صُنعا لنا سلفا، وكأن علينا أن ننحاز إلى أحدهما، بينما يبدأ السؤال الثاني من التاريخ نفسه، ويتتبع ما حدث فعلا وكيف تشكَّل عبر الزمن.

والنتيجة التي تبرز من أعمال شولر هي أن الحديث كان يُسمع، ويُحفظ، ويُكتب، ويُروى، ولم تكن هذه الأفعال متناقضة.

وبهذا يسقط جزء كبير من الشبهة قبل أن يبدأ النقاش أصلا؛ لأن الشبهة بُنيت على سؤال ناقص؛

 وكل جواب عن سؤال ناقص يبقى ناقصا مثله.

هارالد موتسكي: نهاية الشك المجاني وبداية اختبار الروايات

يمثل الباحث الألماني هارالد موتسكي تحولا مهما في الدراسات الغربية الحديثة للحديث؛ لأنه لم يكتف بترديد الافتراض القديم القائل إن الأسانيد صناعة متأخرة، بل أعاد السؤال إلى ميدان الفحص.

وفي دراسته المنشورة سنة 1991 بعنوان The Muṣannaf of ʿAbd al-Razzāq al-Ṣanʿānī as a Source of Authentic Aḥādīth، فحص مادة مصنف عبد الرزاق من داخل شبكة الروايات والأسانيد نفسها، محاولا تقدير تاريخها بدل الحكم عليها مقدما.

وهنا وقع التحول المنهجي الحقيقي.

فبدل أن يبدأ الباحث بقاعدة تقول: “الإسناد متأخر حتى يثبت العكس”، أصبح المطلوب أن تدرس كل مجموعة من الروايات، وتقارن طرقها، وتفحص اختلاف رواتها ومتونها، ثم تسأل: ما التفسير التاريخي الأكثر قدرة على تفسير هذه المادة؟

وقد خلص موتسكي إلى أن جانبا من المادة يمكن إرجاعه، بدرجات متفاوتة من الاحتمال، إلى طبقات أقدم، وأن توزيع الروايات ومصادر عبد الرزاق لا ينسجم بسهولة مع فرضية أن تلك الأسانيد اختُلقت جميعها في عصر متأخر.

ومن هذا السياق تطورت العناية بما يعرف بـ تحليل الإسناد والمتن معا؛ أي ألا يدرس الإسناد بمعزل عن النص، ولا النص بمعزل عن طرقه، بل تجمع الروايات، وتقارن اختلافات أسانيدها باختلافات متونها، ثم يحاول الباحث إعادة بناء مسار انتقال الخبر.

وهذا لا يعني أن موتسكي أصبح محدثا على الطريقة الإسلامية، ولا أنه وافق علماء الحديث في أحكامهم على كل رواية. ولو قلنا ذلك لأضعفنا حجتنا بدل أن نقويها.

إن قيمة عمله في موضع آخر تماما: لقد نقل البحث من الشك الشامل إلى الفحص التفصيلي، ومن الاتهام المسبق إلى اختبار الدليل.

وهذه نقلة حاسمة.

فالقول: “كل الأسانيد متأخرة” سهل، لأنه لا يحتاج إلى فحص كل إسناد.

أما أن تجمع الطرق، وتقارن الرواة، وتدرس المتون، وتبحث في طبقات النقل، ثم تحكم على كل مجموعة بحسب ما تسمح به مادتها؛ فهذا هو البحث.

وهنا يواجه المنكر سؤالا لا يمكن الهروب منه: إذا كان باحث غربي معاصر قد وجد أن بعض المواد الحديثية يمكن أن ترجع إلى طبقات مبكرة، بعد تحليلها من داخل بنيتها، فبأي حق علمي يبقى الخطاب العربي المعاصر يردد العبارة القديمة: “الحديث لم يظهر إلا بعد قرنين”؟

من “أسطورة داخلية” إلى حقيقة يقر بها الخصم

تتغير الأسماء، وتتفاوت النتائج، وتختلف مواقف هؤلاء الباحثين من الإسلام والسُّنة، لكن شيئا واحدا يجمع شهاداتهم: أن تاريخ الحديث أكثر تعقيدا بكثير من الصورة التي يبني عليها منكرو السُّنة شبهتهم.

  • مارجليوث يعترف بقيمة الإسناد والبحث في وثاقة الناقلين.
  • وبرنارد لويس يقر بتطور نقد الأخبار والعناية بالروايات المختلفة.
  • ونيبيا أبوت تكشف أن النقل الشفهي والكتابي كانا متزامنين.
  • وغريغور شولر يهدم الثنائية المصطنعة بين الشفهي والمكتوب.
  • وهارالد موتسكي يعيد فتح المادة الحديثية أمام الاختبار بدل دفنها تحت حكم مسبق بالتأخر والوضع.

وهؤلاء لم يجتمعوا في مدرسة واحدة، ولم ينطلقوا من عقيدة واحدة، ولم يتفقوا في كل النتائج. ولذلك تحديدا تصبح شهاداتهم أشد دلالة؛ لأننا لسنا أمام “جبهة دفاعية إسلامية”، بل أمام باحثين مختلفين اضطرهم البحث، كل من زاويته، إلى الاعتراف بأن علوم الرواية الإسلامية لا يمكن اختزالها في الحكاية الساذجة التي تقول: مات النبي ﷺ، ثم بقيت السُّنة شفوية قرنين، ثم ظهر البخاري فبدأ يكتبها.

تلك ليست خلاصة البحث التاريخي، بل شعار يُكرَّر. والفرق بين العلم والشعار:

  • أن العلم يفحص الأدلة.
  • أما الشعار فيتجاوزها حين تعجز عن خدمته.

علم الرجال: حين أصبح تاريخ الإنسان أداة لنقد الخبر

من أكثر علوم الحديث دلالة على عمق المنهج النقدي الذي بناه المسلمون ذلك التراث الهائل الذي نشأ حول الرواة أنفسهم.

فالإسناد يقول: فلان عن فلان.

لكن المحدث لم يكن يكتفي بأن يرى سلسلة من الأسماء مصطفة أمامه؛ لأن الاسم وحده لا يثبت اتصال الخبر، ولا صدق ناقله، ولا قدرته على الحفظ.

كان لا بد أن يبدأ السؤال الحقيقي:

من هذا الرجل؟ ومتى وُلد؟ ومتى مات؟ وأين عاش؟ وإلى أين رحل؟ ومن شيوخه؟ ومن تلاميذه؟ وهل عاصر من روى عنه؟ وهل ثبت أنه لقيه؟ وهل كان حافظا ضابطا؟ وهل تغير حفظه في آخر عمره؟ وهل عُرف بالتدليس؟ وهل وثقه النقاد أم جرحوه؟

ومن هذه الحاجة لم تنشأ مجرد “قوائم أسماء”، بل نشأ تراث كامل من الطبقات، والتراجم، والجَرح والتعديل، وتواريخ البلدان، وكتب الثقات والضعفاء، وكتب الكُنى والأنساب والشيوخ والرواة.

وهنا يتحول التاريخ الشخصي من معلومة تعريفية إلى أداة للتحقيق.

فتاريخ الميلاد والوفاة قد يكشف استحالة الرواية أصلا. والإقامة والرحلة قد تكشف إمكان اللقاء أو امتناعه. ومعرفة الشيوخ والتلاميذ قد تؤيد الاتصال أو تثير الشك فيه. ومعرفة تغير حفظ الراوي قد تجعل روايات مرحلة من حياته أقوى من روايات مرحلة أخرى.

فإذا روى رجل عمن مات قبل ولادته، سقط الاتصال من أساسه. وإذا كان معاصرا له ولكن لم يثبت لقاؤهما، انتقل البحث إلى درجة أدق. وإذا ثبت اللقاء، لم ينته النقد؛ بل يبدأ السؤال عن العدالة والضبط، وعن حال الراوي وقت التحمل والأداء.

وهكذا لم يعد الخبر منفصلا عن تاريخه، ولم يعد الناقل مجرد اسم في الهامش.

لقد أصبح تاريخ الإنسان نفسه جزءا من نقد الخبر الذي يحمله.

ألويس شبرنغر: أمة كتبت للناقلين كما كتبت للأعلام

لفت هذا التراث الضخم نظر المستشرق النمساوي ألويس شبرنغر، الذي كان مع ذلك من النقاد الشديدين لكثير من الروايات الإسلامية، فلا يمكن اتهامه بأنه كان يكتب مدحا دفاعيا عن علوم المسلمين.

وقد اشتهر عنه التنبيه إلى ضخامة الأدب التراجمي الإسلامي، حتى عُد من مفاخر الأدب الإسلامي هذا الامتداد الواسع في تسجيل حياة الرجال، ويرى أن جمع المادة التراجمية الإسلامية المتفرقة يمكن أن يتيح توثيق حياة مئات الآلاف من الأشخاص.

ولا نحتاج هنا إلى تحويل الرقم الذي ذكره شبرنغر إلى إحصاء رياضي دقيق؛ فالقيمة في شهادته ليست في العدد، وإنما في حجم الظاهرة التي رآها أمامه.

فالمسألة ليست عشرات السير، ولا مئات التراجم المتفرقة، بل تقليد علمي متراكم امتد قرونا، ودخلت فيه أسماء أعداد هائلة من الأشخاص، كثير منهم لم يكونوا خلفاء ولا ملوكا ولا قادة ولا مشاهير.

فلماذا تحفظ أمة تفاصيل حياة رجل قد لا يعرفه عامة الناس أصلا؟

لسبب بسيط: لأنه نقل خبرا.

هذه الحقيقة وحدها تكشف الفرق بين حضارة تروي الخبر ثم تنساه، وحضارة تسأل عن الرجل الذي حمله إليها.

فالمحدثون لم يحفظوا الرواية فقط؛ بل حفظوا تاريخ الطريق الذي مرت منه الرواية.

ولهذا فإن ضخامة كتب الرجال ليست ترفا موسوعيا، وإنما أثر مباشر لمنهج كان يرى أن معرفة الخبر لا تنفصل عن معرفة ناقله.

وقد نقلت مصادر حديثة عن شبرنغر وصفه للأدب التراجمي الإسلامي بأنه من مفاخر الأدب الإسلامي، مع تقديره أن المادة المحفوظة يمكن أن تشمل نحو نصف مليون شخصية متميزة. والمقصود من الاستشهاد هنا هو دلالة الحجم والامتداد، لا القطع بالعدد نفسه.

يوينبول: الناقد الذي عاد إلى كتب الرجال

وتزداد المفارقة وضوحا مع الباحث الهولندي غاوتير يوينبول. فيوينبول ليس شاهدا يمكن تقديمه للقارئ بوصفه مدافعا عن التصور الإسلامي التقليدي للحديث؛ بل كان من أكثر الباحثين الغربيين نقدا لكثير من التصورات التقليدية المتعلقة بتاريخ الأسانيد والرواية.

ومع ذلك، ماذا فعل عندما أراد دراسة الحديث تاريخيا؟

عاد إلى كتب الرجال نفسها.

ففي كتابه Muslim Tradition خصص فصلا بعنوان يدور حول تقويم النقد الإسلامي للحديث، ووصف فيه كتب الرجال بأنها مستودعات لأسماء الناقلين، ثم أتبع ذلك بفصل مستقل عنوانه: Accepting traditions means knowing the men؛ أي إن البحث في الروايات يستلزم معرفة الرجال الذين حملوها. وتعرض فيه لطرق المحدثين في فحص الرواة وكشف الكذب والوضع.

وهنا تظهر مفارقة حجاجية شديدة القوة:

الناقد الذي يشكك في بعض نتائج علم الرجال، لا يستطيع أن يمارس نقده نفسه إلا بالرجوع إلى المادة التي حفظها علم الرجال.

قد يختلف يوينبول مع المحدثين في تفسير بعض الأسانيد. وقد يطعن في تاريخ بعض الرواة أو في بعض النتائج التي انتهى إليها النقد التقليدي، لكن هذا شيء، وإنكار وجود التراث النقدي نفسه شيء آخر.

فالخلاف في كيفية استخدام المادة لا يمحو وجود المادة.

والاختلاف مع الحكم لا يعني أن الحكم صدر بلا أدوات.

بل إن يوينبول نفسه، وهو من أشد النقاد، يعتمد على أسماء الرواة، وطبقاتهم، وعلاقاتهم، وشيوخهم، وتلاميذهم، وتوزع طرق الرواية، حتى يبني نظرياته النقدية الخاصة.

ومن هنا يصبح السؤال مشروعا:

إذا كانت كتب الرجال مجرد اختراع لا قيمة تاريخية له، فلماذا يحتاج إليها الناقد الغربي نفسه لكي يدرس تاريخ الحديث؟

لا يستطيع الباحث أن يرسم شبكة انتقال الرواية ثم يحتقر السجلات التي حفظت أسماء أفراد تلك الشبكة.

ولا يستطيع أن يناقش “الحلقة المشتركة” أو انتشار الأسانيد أو طبقات الناقلين، ثم يتعامل مع كتب الرجال كأنها لا شيء:

  • إنه قد يناقش قيمتها.
  • قد يعيد تفسيرها.
  • قد يرفض بعض نتائجها.
  • ولكنه مضطر إلى المرور منها.

وهذه وحدها شهادة عملية أقوى من كثير من كلمات المديح.

ليسوا مجرد أسماء: المسلمون أنشؤوا ذاكرة لشبكة النقل

وإذا جمعنا هذه الصورة، ظهر لنا أن علم الرجال لم يكن ملحقا ثانويا بعلم الحديث، بل كان جزءا من بنيته النقدية. فالراوي عند المحدث لم يكن “اسما بين اسمين”، وإنما شخصية تاريخية يجب تحديدها وربطها بزمانها ومكانها وشيوخها وتلاميذها وحالها في الرواية. ولهذا نجد:

  1. كتبا للثقات.
  2. وكتبا للضعفاء.
  3. وكتبا للطبقات.
  4. وكتبا لتواريخ المدن.
  5. وكتبا للكنى.
  6. وكتبا للأنساب.
  7. وكتبا لمن روى عن شيوخ مخصوصين.
  8. وكتبا لرجال مصنفات بعينها.

لماذا كل هذا؟

لأن الخبر لا يُنقد بالمتن وحده، ولا يكفي أن يقال: “قال فلان عن فلان”. بل يجب أن نسأل: هل استطاع فلان أصلا أن يسمع من فلان؟

وهذه ليست مسألة دينية وعظية، إنها مسألة تاريخية قابلة للفحص. ومن هنا يظهر ضعف الخطاب الذي يختزل علوم الحديث كلها في عبارة: “كانوا يروون بالسماع”.

نعم، كانوا يسمعون.

لكنهم كانوا أيضا يسألون: ممن سمعت؟ ومتى؟ وأين؟ وهل لقيته؟ ومن شهد أنك رويت عنه؟ ومن تابعك؟

وهذه أسئلة نقد، لا أسئلة حفظ مجرد.

ماذا تثبت هذه الشهادات… وماذا لا تثبت؟

وهنا يجب أن نبقى دقيقين حتى لا ننتقل من رد مبالغة إلى مبالغة مقابلة.

هذه الشهادات الغربية لا تثبت صحة كل حديث، ولا تعني أن كل باحث غربي وافق المحدثين المسلمين، ولا تعني أن شبرنغر أو يوينبول تبنيا منهج المحدثين في جميع تفاصيله.

بل إن كليهما كان ناقدا في قضايا كثيرة، ويوينبول خصوصا انتهى إلى نتائج تخالف التصور التقليدي في مسائل أساسية.

ولكن الذي تثبته هذه الدراسات أضيق من ذلك، وأقوى:

  • إنها تثبت أن الحديث لم ينتقل في فراغ تاريخي.
  • وأن الإسناد لم يكن مجرد سلسلة أسماء بلا معلومات خلفها.
  • وأن المسلمين أنشؤوا مادة هائلة في تراجم الناقلين.
  • وأن هذه المادة أصبحت أداة للتحقق من إمكان الاتصال، وتتبع شبكات الرواية، ودراسة طبقات الناقلين.
  • والأهم من ذلك: أن الباحث الغربي الناقد نفسه لا يستطيع دراسة تاريخ الحديث من غير الرجوع إلى هذه المادة.

وإذا ضممنا هذا إلى ما سبق من الكتابة المبكرة، والتداخل بين الشفهي والمكتوب، وظهور الإسناد، وجمع طرق الرواية، ومقارنة المتون والأسانيد، ووجود مادة حديثية تسبق عصر الصِّحاح، خرجنا بصورة تاريخية تختلف جذريا عن الرواية التبسيطية التي تقول: مات النبي ﷺ، ثم تناقل الناس كلاما شفهيا قرنين، ثم جاء البخاري فدونه.

خاتمة

لم نستدعِ في هذا المقال الباحث الغربي لكي يمنح السُّنَّة شهادة صحة، أو ليكون حكمًا على أئمة الحديث؛ فالسُّنَّة لا تكتسب حجيتها من جامعة غربية، وتاريخها لا يبدأ يوم التفت إليه المستشرق. وإنما أردنا أن نضع الخطاب الذي جعل الغرب ميزانًا للحقيقة أمام الميزان الذي اختاره لنفسه.

فإذا كان ما يقوله علماء المسلمين عن تاريخ الحديث يُردّ أحيانًا بوصفه «رواية داخلية»، ثم جاءت دراسات غربية، مختلفة في مناهجها ومواقفها من التراث الإسلامي، فأثبتت الكتابة المبكرة، والتداخل بين الشفهي والمكتوب، والإسناد، ونقد الرجال، ومقارنة الروايات، والاستفادة من طبقات الناقلين؛ فإن السؤال يصبح: ماذا يفعل من جعل الباحث الغربي حجته حين لا تؤيد أبحاثه الشبهة التي يرددها؟

وهنا تظهر المفارقة؛ فقد استُدعي الغرب للطعن في الرواية الإسلامية، فإذا بالبحث الجاد يكشف أن الصورة التي بُني عليها الطعن كانت أكثر تبسيطًا من التاريخ نفسه. وبين عبارة «جاء البخاري بعد قرنين فكتب الحديث» وبين ما تكشفه المصادر والدراسات، تاريخ طويل من الكتابة والرواية والنقد والرجال والطبقات والرحلة والمقارنة والتصنيف.

ومن أراد نقد السُّنَّة فباب البحث مفتوح، لكن عليه أن يواجه التاريخ كما وقع، لا الصورة التي صُنعت عنه لتصبح أسهل في الهدم.

وتبقى هنا مسألة أعمق. فإذا كان كلام علماء المسلمين يُرفض ابتداءً، ثم تُقبل شهادة الباحث الغربي ما دامت توافق النتيجة المطلوبة، ويُشكك فيها حين تخالفها، فإن المشكلة تتجاوز الخلاف حول تاريخ السُّنَّة إلى الطريقة التي نتعامل بها مع الدليل نفسه. فقد يكون الموقف قد استقر أولًا، ثم بدأ البحث عما يسنده.

ومن هنا يفتح سؤال آخر سنحتاج إلى دراسته في موضع مستقل: لماذا يتمسك الإنسان أحيانًا بالنتيجة حتى بعد سقوط بعض الحجج التي أوصلته إليها؟ ومتى يكون إنكار السُّنَّة ثمرة بحث، ومتى تتحول الحجج إلى وسائل لحماية موقف سبق أن استقر في الداخل؟ هنا يبدأ الباب النفسي في فهم إنكار السُّنَّة.


[1] ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُم ۚ مِّنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (110)، آل عمران.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *