بين تحقيق الأهداف والحياة اليومية
مقاربة علاجية في التوازن النفسي ضمن العلاج الفطري
بقلم: د. الحضري لطفي
مقدمة
تُعد العلاقة بين تحقيق الأهداف والشعور بالراحة النفسية من أكثر العلاقات التي تُنتج الاضطراب الداخلي في حياة الإنسان المعاصر. فقد أصبح كثير من الناس يربطون قيمتهم الذاتية، وحقهم في الاستمتاع بالحياة، ومدى إحساسهم بالرفاه النفسي، بمقدار ما يحققونه من إنجازات أو مكاسب أو نجاحات اجتماعية ومهنية وعاطفية. وينتج عن هذا الربط نوع من الاستنزاف النفسي المستمر، لأن الإنسان يتحول إلى كائن مؤجل الراحة؛ فلا يسمح لنفسه بأن يعيش الحياة اليومية إلا بعد الوصول إلى أهداف قد لا تنتهي أصلا.
ومن هنا تبرز أهمية تقنية علاجية نسميها بـ “فك الارتباط”، وهي تقنية تقوم على الفصل بين مجالين مختلفين في حياة الإنسان: مجال “الحياة اليومية” بما تحمله من نعم وتجارب ومعايشات، ومجال “تحقيق الأهداف” بما يتضمنه من طموح وسعي وأخذ بالأسباب. فالمشكل النفسي لا يكمن غالبا في وجود الأهداف، بل في تحويلها إلى الشرط الوحيد للإحساس بالحياة.
قاعدة: “لا تجعل الأهداف هي الحياة؛ اجعلها فقط جزءا من مسارها.”
مفهوم فك الارتباط
يقصد بفك الارتباط في السياق العلاجي: فصل العناصر النفسية التي يؤدي دمجها الخاطئ إلى توليد الضغط والاضطراب والإنهاك الداخلي. ويُعد الخلط بين “تحقيق الأهداف” و”الحق في العيش الجيد” من أبرز صور هذا الاندماج غير الصحي.
فكثير من الناس يعيشون بمنطق نفسي ضمني يقول:
“إذا لم أحقق أهدافي فلا يحق لي أن أرتاح، أو أفرح، أو أستمتع بالحياة.”
ويتحول النجاح هنا من غاية جزئية إلى معيار شامل لتقييم الذات والوجود كله. فيبدأ الإنسان بالنظر إلى نفسه باعتباره فاشلا أو ناقصا أو أقل قيمة فقط لأنه لم يصل بعد إلى بعض الأهداف التي رسمها لنفسه.
وهذا الربط يُنتج حالة من التوتر المستمر، لأن الأهداف بطبيعتها متحركة ومتجددة، ولا تكاد تنتهي ما دام الإنسان حيا. فكلما تحقق هدف ظهر هدف آخر، وكلما وصل الإنسان إلى مستوى انتقل إلى مستوى جديد. ولذلك فإن ربط الراحة النفسية بتحقيق الأهداف يجعل الإنسان يعيش في حالة تأجيل دائم للطمأنينة.
الحياة اليومية كمصدر مستقل للرفاه النفسي
ينطلق العلاج الفطري من التمييز بين “العيش” و”الإنجاز”. فالإنسان لا يستمد قيمته فقط من النتائج التي يحققها، بل أيضا من قدرته على معايشة النعم اليومية والشعور بها.
إن الحياة اليومية تحتوي في ذاتها على مساحات واسعة من النعم التي تمنح الإنسان الإحساس بالرفاه النفسي: القدرة على الحركة، والرؤية، والكلام، والنوم، والطعام، والعلاقات الإنسانية، والخروج، والتواصل، ومشاهدة الألوان والطبيعة والمشاهد المختلفة، … وكل تفاصيل الحياة البسيطة التي يعتادها الإنسان حتى يكاد يغفل عنها.
وحين يُصبح الإحساس بهذه النعم معلقا بتحقيق هدف معين، يبدأ الإنسان بفقدان قدرته على التذوق النفسي للحياة. فيتحول يومه العادي إلى مجرد “مرحلة انتظار” إلى أن يحقق النجاح المطلوب. وهنا يظهر الخلل الفطري؛ لأن الله عز وجل لم يجعل الإحساس بالحياة متوقفا على اكتمال الأهداف، بل جعل في أصل الحياة نفسها أبوابا متعددة للشعور بالنعم والسكينة.
البنية النفسية للربط المرضي
يقوم الربط المرضي بين الحياة والأهداف على خطأ فكري وعاطفي في الوقت نفسه. فمن الناحية الفكرية، يختزل الإنسان وجوده كله في جانب واحد من حياته. ومن الناحية العاطفية، تصبح مشاعره رهينة بنتائج لا يملك التحكم الكامل فيها.
وهنا تظهر مشكلة عميقة؛ لأن تحقيق الأهداف لا يخضع فقط لرغبة الإنسان أو جهده، بل يرتبط كذلك بعوامل متعددة خارجة عن إرادته، وفي مقدمتها مشيئة الله عز وجل. ولذلك فإن جعل الاستقرار النفسي متوقفا على نتائج متغيرة يُدخل الإنسان في صراع دائم مع ذاته والواقع والزمن.
وفي العلاج الفطري يتم التنبيه إلى ضرورة التمييز بين مستويين:
- مستوى الحياة اليومية بما تحمله من نعم ومعايشات وتجارب إنسانية.
- مستوى الأهداف والطموحات والسعي والإنجاز.
فالإنسان مطالب بالأخذ بالأسباب، والعمل، والطموح، والسعي إلى التطور، لكن دون أن يجعل ذلك شرطا لحقه في أن يعيش الحياة بصورة طبيعية ومتوازنة.
تقنية فك الارتباط في التطبيق العلاجي
تعتمد تقنية فك الارتباط على إعادة بناء الإدراك النفسي للحياة. ويتم ذلك عبر تدريب المريض على الشعور الواعي بالنعم اليومية واستحضارها باعتبارها مصدرا مستقلا للراحة النفسية، وليس مجرد مكافأة مؤجلة بعد النجاح.
ومن التقنيات المساندة لذلك ما يمكن تسميته بـ “جرد النعم”، حيث يُطلب من الإنسان أن يعيد ملاحظة التفاصيل اليومية التي يعيشها ويعتبرها عادية، رغم أنها تمثل في حقيقتها مصادر عميقة للاستقرار النفسي.
وفي المقابل، يُعاد وضع الأهداف في موقعها الطبيعي:
هي مجالات للسعي والاجتهاد والأخذ بالأسباب، وليست معيارا وحيدا لقيمة الإنسان أو لحقه في الحياة.
كما يُعاد التذكير بأن تحقيق الأهداف يسير ضمن مسارين متداخلين:
- ما يريده الإنسان من خلال جهده وأسبابه.
- ما يقدره الله عز وجل بحكمته وتدبيره.
وهذا الإدراك يُخفف من النزعة القهرية المرتبطة بالإنجاز، ويُعيد التوازن بين السعي والتسليم.
العلاج الفطري ومتلازمة السعادة المؤجلة
في الوقت الذي تكتفي فيه بعض مدارس علم النفس الحديث بتوصيف ما يُعرف بـ “متلازمة السعادة المؤجلة” (Deferred Happiness Syndrome) كحالة ذهنية ترهن الرضا بالمستقبل، يقدم العلاج الفطري عبر تقنية “فك الارتباط” رؤية تجاوزية تذهب إلى ما هو أبعد من مجرد “التسكين” أو “اليقظة الذهنية” العابرة. إن الفارق الجوهري يكمن في انتقالنا من “المعالجة السلوكية” إلى “الاستبصار الفطري”، وذلك عبر ركيزتين أساسيتين:
أولا: إعادة تأصيل القيمة الذاتية (الوجود مقابل المكتسب)
يعاني الإنسان المعاصر من تضخم “الذات المكتسبة” التي تستمد قيمتها من الشهادات، المناصب، وحجم الإنجازات. وحين تتعثر هذه الأهداف، ينهار تقدير الذات. هنا، يأتي العلاج الفطري ليعيد الفرد إلى “الذات الفطرية”؛ وهي الذات التي تملك قيمة مطلقة ومكرمة بمجرد الوجود والاستخلاف. فك الارتباط هنا يعني أن “نجاحي في هدفي هو إضافة لمساري، لكنه ليس شرطا لكرامتي الإنسانية أو حقي في الطمأنينة”.
ثانيا: الاستغراق في النعم كأصل وجودي لا كتمارين ذهنية
بينما يُطرح “الامتنان” في بعض المدارس الغربية كتمارين لرفع الحالة المعنوية، يطرحه العلاج الفطري كاستعادة للوعي بـ “النعم الملازمة”. إنها “النعم” التي لا تحتاج إلى سعي لتحصيلها (كالنفس، والحواس، وأصل الحياة)، بل تحتاج إلى “شهود” لاستشعارها. فك الارتباط يحرر الإنسان من “حصار الأهداف” التي تسرق منه لحظته الراهنة، ليجعل من الحياة اليومية بتفاصيلها البسيطة مصدرا مستقلا للرفاه النفسي، وليست مجرد قاعة انتظار في مطار الأهداف البعيدة.
إن “فك الارتباط” في هذا السياق هو عملية تحرير للنفس من “عبودية النتائج” وإعادتها إلى “سعة الفطرة”، حيث يسعى الإنسان بجدية المحترف، ويعيش بطمأنينة الموقن، مدركا أن الأهداف مسارات للسعي، أما السكينة فموطنها الفطرة الثابتة.
خاتمة
تُعيد تقنية “فك الارتباط” بناء التوازن النفسي عبر تصحيح خلل عميق في إدراك الإنسان للحياة؛ إذ يتحول كثير من الناس من العيش داخل النعم إلى العيش داخل الانتظار، فيُؤجلون راحتهم وسكينتهم إلى لحظة مستقبلية قد لا تأتي أبدا بالصورة التي تخيلوها. وهنا يصبح الإنسان أسير أهدافه بدل أن تكون أهدافه جزءا من مسار حياته.
إن الحياة اليومية ليست فراغا بين الإنجازات، بل هي أصل المعايشة الإنسانية التي أودع الله عز وجل فيها من النعم ما يكفي لبناء الإحساس بالرفاه النفسي والطمأنينة. أما الأهداف فهي مجالات للسعي والعمل والاجتهاد، وليست معيارا وحيدا لقيمة الإنسان أو سببا مشروعا لحرمان النفس من حقها في العيش المتوازن.
ومن هنا، فإن العلاج لا يقوم على إلغاء الطموح، بل على تحرير النفس من التعلق المرضي بالنتائج. فيسعى الإنسان، ويجتهد، ويأخذ بالأسباب، ويطور ذاته، لكنه في الوقت نفسه يعيش يومه، ويشعر بنعم الله عز وجل، ويُدرك أن القيمة الإنسانية أوسع من المناصب والإنجازات الظرفية.
وحين يتحقق هذا الفصل النفسي بين “الحياة” و”الأهداف”، يستعيد الإنسان قدرته على الاستمرار دون انهيار، وعلى الطموح دون استنزاف، وعلى العيش دون أن يبقى معلقا دائما بما لم يتحقق بعد.

اترك تعليقاً