بقلم: د. الحضري لطفي


المقدمة

تثير الحروب بطبيعتها قدرا كبيرا من الانفعال العاطفي، لأن مشاهد الدماء والدمار والآلام الإنسانية تدفع الإنسان إلى اتخاذ مواقف سريعة قد تختلط فيها العاطفة بالتحليل. وفي زمن تتدفق فيه الأخبار على مدار الساعة عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، يصبح تشكيل المواقف أكثر تعقيدا، إذ تتداخل الحقائق مع الدعاية، وتمتزج المعلومات الدقيقة بالروايات المضللة، فتضيع الحدود بين الواقع وما يُراد للناس أن يصدقوه.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى بناء موقف واعٍ من الحروب، لا يقوم على الانفعال وحده، ولا على التلقي السلبي لما يُبث من معلومات، بل يستند إلى فهم أعمق لطبيعة الصراع وآلياته الإعلامية والنفسية. فالحرب ليست مجرد مواجهة عسكرية، بل هي أيضا معركة على الوعي والإدراك، تُستخدم فيها أدوات الإيهام والتضليل بقدر ما تُستخدم فيها القوة المادية.

ولهذا يسعى هذا المقال إلى وضع إطار يساعد القارئ على قراءة الحروب بقدر أكبر من التوازن والوعي، من خلال فهم طبيعة التضليل الإعلامي وإدارة الضجيج المعلوماتي، ثم الانتقال إلى اقتراح مجموعة من المعايير العقلانية والأخلاقية التي يمكن أن يستند إليها الإنسان في بناء موقفه من الحروب والصراعات.

حاجة العقل إلى اليقين

يأبى العقل البشري أن يسكن في فراغ اليقين، فهو بطبيعته يبحث عن أرض صلبة يستند إليها في فهم الأحداث وتفسيرها. وحين يعجز عن بناء تفسير منطقي منظم للوقائع التي تحيط به، فإنه لا يبقى محايدا، بل يسعى إلى ملء هذا الفراغ بأي تفسير متاح. وفي كثير من الأحيان يلجأ إلى “الخرافة” بوصفهما ملجأ أخيرا يمنحه شعورا مؤقتا بالاطمئنان. غير أن هذا المسلك يحمل خطرا كبيرا، لأنه يضعف قدرة الإنسان على فهم طبيعة الأحداث المعقدة، ويعطل إمكان استيعاب مساراتها الحقيقية واستشراف نهاياتها. وفي هذه المرحلة يبدأ العقل بالتعامل مع الأسطورة كما لو كانت حقيقة، أو على الأقل يقبل بعض عناصرها باعتبارها تفسيرا معقولا لما يجري.

الإيهام والتمويه في منطق الحرب

في سياق الحروب تزداد خطورة هذا الميل النفسي، لأن الحرب بطبيعتها تقوم على الإيهام والتمويه بقدر ما تقوم على القوة العسكرية. فالتضليل ليس ظاهرة حديثة ظهرت مع الإعلام المعاصر، بل هو عنصر أصيل في فن الحرب منذ العصور القديمة. وقد أشار إلى ذلك القائد الصيني الشهير “سون تزو” في مؤلفه المعروف “فن الحرب”، حيث أكد أن الخداع جزء أساسي من الاستراتيجية العسكرية، وأن إرباك العدو وإيهامه بغير الحقيقة يعد من أهم وسائل تحقيق النصر.  وقد سَمَّى النبيُّ ﷺ “الحَرْبَ خَدْعَةً”. (بفتح الخاء).

صناعة التضليل في الحروب الحديثة

وقد عبر عن هذا المعنى بوضوح رئيس وزراء بريطانيا إبان الحرب العالمية الثانية “ونستون تشرشل”، حين قال: “المعلومة في الحرب بالغة الأهمية لدرجة أنها تستوجب أن تُحاط بسياج من الأكاذيب”. ولم تبق هذه الفكرة مجرد مقولة نظرية، بل تحولت إلى ممارسة عملية حين أنشأت بريطانيا وحدة عسكرية خاصة ضمن جيشها حملت اسم “Bodyguard”، وكانت مهمتها تنظيم عمليات التضليل الاستراتيجي لإرباك القيادة الألمانية وإخفاء الخطط الحقيقية للحلفاء.

قراءة الأخبار في زمن الحرب

يقول د. وضاح خنفر: ومن هنا، حين ننظر إلى شاشات التلفزيون أو نتابع سيل الأخبار والتصريحات خلال الحروب، ينبغي أن نستحضر هذه الحقيقة: أن كثيرا من هذه المعلومات لا يُنشر بهدف نقل الواقع كما هو، بل يُصاغ بعناية لإيصال رسائل مدروسة تخدم أهدافا عسكرية أو سياسية. ولذلك فإن التعامل الواعي مع أخبار الحروب يقتضي قدرا كبيرا من الحذر والتحليل، لأن كثيرا مما يُقال قد يكون جزءا من معركة أخرى موازية لا تقل أهمية عن المعركة العسكرية نفسها، وهي معركة الوعي والإدراك.

إدارة الضجيج

كلما ازداد انغماسنا في تفاصيل وسائل التواصل الاجتماعي وتشعباتها، ازداد انكشافنا أمام خوارزميات دقيقة التصميم، صُممت بعناية للإمساك بخيوط انتباهنا وتوجيه مسارات تفكيرنا والتأثير في مشاعرنا. ومع كثافة التدفق المعلوماتي وسرعة الأخبار، يتحول الإنسان تدريجيا إلى مستهلك دائم للعاجل والآني، دون أن يملك المسافة الذهنية الكافية للتأمل والتحليل.

ومن هنا تبرز الحاجة إلى ممارسة نوع من الانسحاب الواعي من هذا الضجيج الرقمي؛ انسحاب لا يعني الانقطاع عن العالم، بل يعني استعادة القدرة على النظر من مسافة. ويتحقق ذلك عبر نوع من “الصيام المعرفي” الطوعي عن ملاحقة الأخبار المتلاحقة والتنبيهات المتدفقة، بما يسمح للعقل أن يتحرر من ضغط اللحظة. (د. وضاح خنفر)

عندها فقط يصبح ممكنا الانتقال من مستوى التفاعل السريع مع الأحداث إلى مستوى التحليل العميق لها، والارتفاع من ضيق اللحظة إلى سعة السياق. وفي هذا الأفق يتشكل ما يمكن تسميته “الوعي التاريخي”، وهو الوعي الذي لا يقرأ الأحداث في لحظتها فحسب، بل يربطها بجذورها ومساراتها ومآلاتها.

البعد الجيوسياسي لوسائل التواصل الاجتماعي

ولا يمكن فهم الضجيج المعلوماتي الذي تنتجه وسائل التواصل الاجتماعي دون الانتباه إلى بنيتها الجيوسياسية. فهذه المنصات ليست فضاءات محايدة كما قد يُتصور، بل هي أدوات تقنية نشأت في بيئة سياسية واقتصادية محددة، وتخضع في الغالب لمنظومات القرار في الولايات المتحدة الأمريكية، حيث تتقاطع المصالح السياسية والاقتصادية، وتؤثر فيها شبكات نفوذ متعددة، من بينها شبكات ضغط ذات ارتباط وثيق بإسرائيل.

ومن ثم يصعب افتراض أن هذه المنصات ستوفر تدفقا معلوماتيا محايدا في سياقات الصراع الدولي، إذ من غير المعقول أن تسمح منظومة إعلامية يملكها الخصم أو يتحكم في بنيتها أن تنقل معلومات حقيقية قد تضر بمصالحه الاستراتيجية. ولذلك ينبغي التعامل مع ما يُبث عبر هذه الوسائط بدرجة عالية من الوعي والتحليل، لأن جزءا كبيرا من الخطاب المتداول فيها يخضع لمنطق الصراع الإعلامي وإدارة الرواية.

ولهذا السبب اتجهت بعض الدول إلى تبني خيار الاستقلال الرقمي بوصفه جزءا من سيادتها السياسية. ويبرز المثال الصيني بوضوح في هذا السياق؛ إذ اختارت الصين منذ سنوات أن تفصل فضاءها الرقمي عن المنصات الغربية الكبرى، فحجبت خدمات مثل Google وFacebook وWhatsApp وغيرها، وأقامت بدلا منها منظومة رقمية محلية متكاملة تقوم على منصات وطنية خاصة بها.

ولا يرتبط هذا الخيار فقط بالاعتبارات التقنية، بل يعكس رؤية استراتيجية تقوم على أن التحكم في تدفق المعلومات جزء من السيادة الوطنية، وأن من يملك المنصة يملك القدرة على توجيه الرواية وصياغة الوعي العام. ولذلك فإن فهم ما يجري في العالم اليوم يقتضي إدراك أن معركة المعلومات لا تقل أهمية عن المعارك العسكرية أو الاقتصادية، وأن الوعي بهذه الحقيقة شرط أساسي لبناء قراءة أكثر اتزانا للأحداث.

معايير الموقف من الحرب

تتسم الحروب بطبيعة معقدة تثير الانفعال وتستفز العاطفة، لذلك يصبح من الضروري البحث عن معايير عقلانية هادئة تساعد الإنسان على بناء موقف متزن بعيد عن الاندفاع. فالمواقف التي تُبنى على الانفعال وحده غالبا ما تكون مضطربة أو متناقضة، بينما يتيح الاحتكام إلى معايير واضحة تجمع بين مقتضيات العقل واعتبارات الإنسانية. ومن هنا يمكن اقتراح مجموعة من المعايير التي تساعد على قراءة الحروب وفهمها قبل اتخاذ موقف منها.

1. معيار الحقيقة والمعرفة

في زمن الإعلام المكثف -كما ذكرنا- والدعاية السياسية، تصبح الحقيقة نفسها ساحة من ساحات الصراع. فكثير من المواقف تتشكل بناء على معلومات ناقصة أو روايات منحازة أو أخبار مضللة. ولهذا يصبح التحقق من المعلومات شرطا أساسيا قبل اتخاذ أي موقف. فالمعرفة الدقيقة بالوقائع تساعد على بناء مواقف أكثر توازنا، وتمنع الانجرار وراء خطاب إعلامي قد يكون جزءا من أدوات الحرب.

2. معيار العدل

يقول الله تعالى: ﴿وما ربك بظلام للعبيد﴾. وهذه الآية تقرر قاعدة كونية كبرى في التصور الإسلامي، وهي أن العدل أصل من أصول نظام الوجود، وأن الظلم طارئ على طبيعة الحياة البشرية وليس قاعدة فيها. فالله عز وجل نفى الظلم عن نفسه نفيا قاطعا، مما يجعل العدل ميزانا مركزيا في النظر إلى أفعال البشر وعلاقاتهم وصراعاتهم. ولذلك جاء التحذير النبوي شديدا من عاقبة الظلم حين قال النبي ﷺ: “اتقوا الظلم، فإن الظلم ظلمات يوم القيامة”. فالظلم لا يقتصر أثره على نتائجه الدنيوية من خراب ودمار ومعاناة، بل يمتد أثره إلى الآخرة حيث يتحول إلى ظلمات تحيط بصاحبه يوم الحساب.

ومن هنا فإن أول سؤال ينبغي أن يطرحه العقل عند النظر في أي حرب أو صراع هو سؤال العدل:

  • من بدأ الظلم؟ ومن وقع عليه الظلم؟

 لأن الحكم الأخلاقي على الحروب لا يمكن أن يقوم على مجرد العواطف أو الانتماءات أو الدعاية الإعلامية، بل لا بد أن يستند إلى معيار واضح يميز بين جهة الاعتداء وجهة الاعتداء عليه. فاختلاط هذه الحقيقة هو ما يؤدي غالبا إلى اضطراب المواقف وتناقضها، إذ قد تنجح الدعاية أو الانحيازات المسبقة في قلب الحقائق أو إخفاء طبيعة الصراع الحقيقية.

ولهذا كان العدل هو الميزان الأول الذي ينبغي أن يحتكم إليه العقل قبل أي اعتبار آخر. فالخطوة الأولى في بناء موقف متوازن من الحروب هي محاولة التمييز بين المعتدي والمعتدى عليه، لأن هذا التمييز هو الذي يحدد طبيعة الموقف الأخلاقي الواجب اتخاذه. وقد قرر القرآن هذا المبدأ بوضوح حين قال تعالى: ﴿أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير﴾. فالآية تجعل سبب الإذن بالقتال هو وقوع الظلم عليهم، مما يبين أن القتال في الأصل ليس غاية في ذاته، بل وسيلة لدفع الظلم واستعادة العدل.

كما يؤكد القرآن هذا المعيار في قوله تعالى: ﴿فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم﴾. فالمبدأ هنا ليس مبدأ العدوان، بل مبدأ رد الاعتداء بقدر ما وقع من اعتداء، وهو ما يضبط رد الفعل بميزان العدل ويمنع تحوله إلى ظلم جديد. وبذلك يتضح أن التصور القرآني للحرب لا يقوم على منطق القوة المجردة، بل على ميزان أخلاقي يربط استعمال القوة بهدف رفع الظلم وإعادة التوازن إلى ميزان العدل.

3.  معيار الأقرب

يميل الإنسان بطبيعته إلى التعاطف مع من يشاركه القرب الديني أو الثقافي أو الحضاري، وهذا الميل الإنساني مفهوم من حيث الطبيعة البشرية. غير أن هذا القرب ينبغي أن يزيد الإحساس بالمسؤولية دون أن يلغي ميزان العدل. فالقرب قد يوجه التعاطف، لكنه لا يجوز أن يبرر الظلم أو يتجاهل حقوق الآخرين. ومن هنا يصبح المطلوب هو الجمع بين التعاطف المشروع والإنصاف الأخلاقي.

4. معيار السلم

الأصل في العلاقات بين الأمم هو السلم، لأن الحرب في جوهرها تعبير عن فشل الوسائل الأخرى في إدارة الصراع. ولهذا ينبغي دائما البحث عن إمكان تقليل الحرب أو إنهائها، لأن استمرارها يعني ارتفاع الكلفة الإنسانية من دماء ودمار وتشريد. ولذلك فإن أي موقف مسؤول من الحروب ينبغي أن يستحضر قيمة السلم بوصفها الهدف النهائي الذي ينبغي أن تتجه إليه الجهود السياسية والإنسانية.

5. معيار المآلات

وأخيرا ينبغي التفكير في النتائج البعيدة لأي موقف يتم اتخاذه. فالمواقف لا تُقاس فقط بنواياها، بل أيضا بمآلاتها. ولذلك يجب طرح سؤال أساسي: هل سيؤدي هذا الموقف إلى مزيد من الاستقرار أم إلى توسيع دائرة الصراع؟ وهل يسهم في تخفيف المعاناة الإنسانية أم يفتح الباب لمآسٍ جديدة؟ إن التفكير في المآلات يساعد على تجاوز ردود الفعل اللحظية، ويدفع إلى بناء مواقف أكثر حكمة وبصيرة.

تلبيس الحياد

كثيرا ما يُقدم الحياد في زمن الصراعات على أنه موقف عقلاني متزن، غير أن هذا التصور قد يكون في كثير من الأحيان مجرد تلبيس يخفي حقيقة مختلفة. فالحياد حين يقع بين ظالم ومظلوم لا يكون موقفا بريئا كما يبدو، بل يتحول من حيث لا يشعر صاحبه إلى شكل من أشكال المساندة غير المباشرة للظلم. فحين يمتنع الإنسان عن اتخاذ موقف واضح، فإنه يترك المجال مفتوحا أمام الظالم ليواصل ظلمه دون مقاومة أخلاقية أو اجتماعية تحد من اندفاعه.

إن نصرة المظلوم ورفض الاعتداء يمثلان أساس أي موقف أخلاقي سليم، والوقوف على الحياد بين الظالم والمظلوم هو في جوهره انحياز للظلم، لأن الحق لا يستقيم إلا بالتمييز الواضح بين الضحية والجلاد.

والواقع أن الحياد في مثل هذه الحالات لا يعني غياب الموقف، بل يعني تأجيله فقط. فالظلم بطبيعته لا يتوقف عند حد، لأن الظالم إذا لم يجد من يردعه ازداد تماديا، حتى يصبح الظلم جزءا من بنية شخصيته أو منطق دولته. ولذلك فإن ترك الظالم دون مواجهة أخلاقية أو سياسية يشجعه على التوسع في ظلمه، لأن غياب الردع يفسر غالبا بوصفه قبولا ضمنيا أو عجزا عن الاعتراض.

ومن هنا جاء التوجيه القرآني واضحا في التعامل مع النزاعات حين يتبين وجه البغي والاعتداء. يقول الله عز وجل: ﴿وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا ۖ فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا التِي تَبْغِي حَتىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللهِ ۚ فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا ۖ إِن اللهَ يُحِب الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9].

فالآية لا تدعو إلى الحياد السلبي، بل تبدأ بمحاولة الإصلاح بين الطرفين، فإن ظهر البغي من أحدهما وجب الوقوف في وجهه حتى يعود إلى العدل. وهذا يبين أن العدل هو الميزان الذي يجب أن يوجه المواقف، لا مجرد الوقوف على مسافة واحدة من الطرفين.

وقد عبر النبي ﷺ عن هذا المعنى بوضوح في قوله: “انصر أخاك ظالما أو مظلوما”. فلما استغرب الصحابة هذا التعبير وقالوا: يا رسول الله، ننصره مظلوما فكيف ننصره ظالما؟ قال: “تأخذ فوق يديه”. (رواه البخاري). والمقصود بنصر الظالم ليس تأييد ظلمه، بل منعه منه. لأن كفه عن الظلم هو في الحقيقة إنقاذ له من الاستمرار في العدوان. فحين يُترك الظالم وشأنه يزداد تورطا في ظلمه، وربما يقوده ذلك إلى عواقب أشد في الدنيا والآخرة. ولذلك فإن منعه من الظلم يعد نصرة له، لأنه يحجزه عن هواه وعن اندفاع النفس التي تأمر بالسوء.

ومن هذا المنظور يتضح أن الحياد بين الظلم والعدل ليس فضيلة أخلاقية كما يُصور أحيانا، بل قد يتحول إلى غطاء يتيح للظلم أن يتمدد. أما الموقف العادل فهو الذي يجمع بين السعي إلى الإصلاح أولا، ثم الوقوف في وجه البغي إذا أصر صاحبه عليه، حتى يعود ميزان العدل إلى مكانه.

الخاتمة

إن اتخاذ موقف من الحروب ليس أمرا بسيطا، لأنه يجمع بين التعقيد السياسي والتأثير الإعلامي والانفعال الإنساني. ولهذا فإن أخطر ما يمكن أن يقع فيه الإنسان هو أن يبني موقفه على معلومات ناقصة أو على اندفاع عاطفي غير منضبط، أو أن يختبئ خلف حياد ظاهري يخفي في حقيقته تراجعا عن مسؤولية أخلاقية.

إن الموقف الواعي من الحروب يحتاج إلى ميزان دقيق يجمع بين الحقيقة والعدل، وبين المعرفة والإنسانية. فالبحث عن الحقيقة يحمي العقل من التضليل، والاحتكام إلى العدل يمنع الانحياز الأعمى، والتفكير في المآلات يقي من ردود الفعل المتسرعة التي قد تزيد الصراع تعقيدا بدل أن تسهم في حله.

ومن هنا فإن بناء موقف مسؤول من الحروب لا يعني الوقوع في الاستقطاب أو الانجرار وراء الدعاية، بل يعني السعي الدائم إلى فهم أعمق للوقائع، والتمسك بميزان العدل، والعمل على تقليل الظلم والسعي إلى السلم كلما كان ذلك ممكنا. فالحكمة في زمن الصراع ليست في شدة الانفعال، بل في وضوح البصيرة.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *