بقلم: د. الحضري لطفي
في هذا المقال التحليلي، أستعرض مقولة عقدية لافتة تحوّلت إلى مدخل لفهم أعمق لطبيعة المراوغة التفاوضية في تاريخ بني إسرائيل، وأثرها على السياقات السياسية المعاصرة.
من بين العبارات المفصلية التي تكشف الخلل الجذري في منطق التفاوض مع الاحتلال الصهيوني، تبرز مقولة المحامي المصري صبحي صالح: “كيف تفاوضون من فاوضوا الله في بقرة؟”
وليست هذه العبارة مجرّد صيحة استنكار، بل تشخيص دقيق لبنية ذهنية معقّدة تتسم بالمماطلة البنيوية والاعتراض المُقنّع، كما وردت في النص القرآني في قصة البقرة.
ومن خلال هذا الربط بين السلوك التاريخي والسياق السياسي، تُعرّي المقولة النواة النفسية والعقدية التي تحكم سلوك التفاوض لدى بني إسرائيل، وتُبرز حدود الجدوى في مَدّ اليد لمن جعل من الالتفاف على الحق منهجًا، ومن نقض المواثيق عادة متكررة.
مفاوضة الله… على بقرة!
في سورة البقرة، حين أمر الله بني إسرائيل بذبح بقرة، لم يكن الأمر بحاجة إلى توضيحات أو تفاصيل، لأنه تكليف من رب العالمين على لسان نبي مرسل. ومع ذلك، نقرأ: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُوا بَقَرَةً ۖ قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا﴾، (البقرة: 67).
﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ﴾: تبدأ القصة بأمر إلهي صريح جاء على لسان نبيٍ مرسل، هو موسى عليه السلام. لكن اللافت هنا أن هذا التكليف لم يصدر في مرحلة دعوة أولية إلى الإيمان، بل جاء في سياق ما يُفترض أنه إيمانٌ مستقر، بعد أن آمن القوم بموسى وبأن الله هو الإله الحق.
وهذه نقطة مفصلية لفهم البنية النفسية والدينية لبني إسرائيل: فالمشكلة لم تكن في الشك بوجود الله، ولا في صدق موسى عليه السلام، بل في غياب الاستجابة القلبية والسلوكية رغم الإيمان المُعلن. لقد جاءهم الأمر وهم في طور من الطاعة الظاهرية، وكان يُفترض أن يُقابَل بالامتثال المباشر، لكن ما حدث كان العكس تمامًا.
فبدلًا من الامتثال، قابلوا أمر الله بالاستهزاء والتأجيل والمساومة، … فتسلسلوا في أسئلة متتالية كشفت عن نيتهم الحقيقية في المماطلة والتملص:
- “ادعُ لنا ربك يبيّن لنا ما هي”؟
- “ادعُ لنا ربك يبيّن لنا ما لونها”؟
- “إن البقر تشابه علينا…”
لم تكن هذه التساؤلات بحثًا عن اليقين، بل مراوغة مغلفة بطلب التوضيح، أرادوا من خلالها تأخير التنفيذ وتعقيد التكليف. وهنا تتجلّى المفارقة الكبرى: أمةٌ تؤمن بربها، ثم تُفاوض على أمرٍ بسيط لا يحتمل الجدل، ما يدل على اضطراب في البنية النفسية يجعل الطاعة مشروطة، والتكليف خاضعًا لهواهم لا لمراد الله.
وفي ختام هذا المسار الشاق من المماطلة والتسويف، قال الله عز وجل: “فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ”.
والمعنى أن فعلهم جاء على مضض، بعد تردّد طويل ومراوغات متكرّرة، حتى كادوا – في لحظة من اللحظات – أن لا يفعلوا أصلًا. فالتعبير “وما كادوا يفعلون” يُفصح عن بُعدهم النفسي عن الطاعة، وكأنهم لم يقتربوا من التنفيذ إلا اضطرارًا وبعد ضيق شديد. إنها صيغة تعني أنهم أوشكوا ألا يمتثلوا، لولا أن الأدلّة قد أحاطت بهم، وضيّق الله عليهم السبيل، فذبحوا البقرة في نهاية المطاف، لا عن طواعية، بل بعد طول تمنّع ومكابرة.
تلك القصة لم تكن عن بقرة، بل عن نفسية متمردة تُجيد صناعة الاعتراض، وتلبس ثوب السؤال لتخفي الجحود. فلقد فاوضوا الله نفسه، وتحايلوا على الواضح، ما يدل على أنهم لم يريدوا الطاعة أصلًا، بل كانوا يبحثون عن المهرب.
الإسقاط السياسي: كيف تفاوضونهم اليوم؟
من هنا، تنبع عمق مقولة: “كيف تفاوضون من فاوضوا الله؟!”
إنه سؤال يستبطن أبعادًا عقدية وتاريخية ونفسية، تُعيد النظر جذريًّا في منطق التفاوض ومصداقيته.
فمن كانت له سابقة مفاوضة مع الإله، وتسويف في أبسط أوامره، لن يتورّع عن خداع البشر، ولن يلتزم باتفاق، ولن يحترم ميثاقًا. من احتال على “شرع السبت”، وقتل الأنبياء، وسفك الدماء تحت غطاء الوصايا، هل يُنتظر منه أن يلتزم بخارطة طريق أو سلام دائم؟
إن فاوضوا الله على بقرة، فكيف لا يفاوضونك على تراب وطنك، ودماء شهدائك، وكرامة أمتك؟!
بل إنهم، كما وصفهم القرآن:
- ﴿كلما عاهدوا عهدًا نقضه فريقٌ منهم﴾، (البقرة: 100).
- ﴿فَبِمَا نَقْضِهِم مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً﴾، (المائدة: 13).
الشخصية التفاوضية المختلّة
من منظور علم النفس الفطري، فإن من يفاوض الله عز وجل هو شخص لم يرسخ فيه معنى “التسليم”، بل يرى الحق خاضعًا لميزانه هو، لا لميزان الوحي. وهذا هو قلب المرض العقدي. وبالتالي، فإن المفاوض اليهودي – بشهادة القرآن – لا يفاوضك ليتنازل، بل ليكسب وقتًا، أو يُجمّل صورته، أو يُخدّر الرأي العام.
هو لا يُفاوض من موقع الندّية، بل من موقع التمكين المزيف الذي صنعته له أوهام القوة، وغفلة المفاوض المقابل.
دروس من واقعة البقرة
القصة القرآنية تكشف لنا جملة من المؤشرات النفسية:
- نمط التشكيك المتواصل: السؤال المستمر ليس دائمًا نابعًا من حب الفهم، بل قد يكون ستارًا للهروب، وتمويهًا للرفض.
- المراوغة في الطاعة: حين يُطالب الإنسان بفعلٍ بسيط فيُغرقه بالتفاصيل، فاعلم أنه لا يُريد الفعل أصلًا، بل يُظهر الانشغال ليُخفي الجفاء.
- التسويف المستتر: “وما كادوا يفعلون”… دليل على أن القلب لم يكن مطمئنًا، والنفس لم تكن منقادة، وإنما دُفعت دفعًا للامتثال بعد أن ضُيّق عليهم الطريق.
من خان الخالق، يخون المخلوق
فهم لا يفاوضون لأجل السلام، بل من أجل الهيمنة. ولا يوقعون الاتفاقات حبًا في التعايش، بل دهاءً في السيطرة.
وما اتفاقيات أوسلو، ولا مبادرات التطبيع، ولا محافل الحوار، إلا تكرار لقصة البقرة… حيث السؤال ستارٌ، والنية فاسدة، والقلب قاسٍ.
فلا تخدعكم الابتسامات، ولا الكلمات الناعمة… فإن من كانت له سوابق في مفاوضة الخالق، لن يتحرج في خيانة البشر.
العقل الاستراتيجي لا يُخدع بسلام مزيف
يرفع بعض السياسيين شعار “العقلانية” في التعامل مع الكيان الصهيوني، ويُروّجون لفكرة الحوار كحل دائم. لكن السؤال الحقيقي ليس: هل نفاوض؟
- بل: متى نفاوض، ومن أي موقع نفاوض؟
- فهل التفاوض يُجدي مع طرفٍ لا يفعل شيئًا إلا تحت الضغط؟
- وهل يُمكن للضعيف أن ينتزع حقّه على طاولة، إذا دخلها منزوع الإرادة؟
- وهل الحكمة تقتضي أن تمد يدك لمن جرّب معك الخيانة مرارًا؟
- ثم، هل العقل يقتضي أن تُفاوض من جعل نقض العهد عادة؟
- بل هل من الواقعية أن تتوقع سلامًا من طرفٍ لم يُطِع ربَّه إلا مُكرهًا، فكيف يفي بعهدٍ لبشر دون أن يُرغَم؟
التفاوض في ذاته ليس مرفوضًا، لكنه في غياب عناصر الضغط والقوة، يتحول إلى انكشافٍ سياسي وخسارة نفسية. أما منطق “السلام بأي ثمن”، فهو إسقاط للعقل لا استخدام له.
طاعة الإكراه لا طاعة الإيمان
وقد لخّص القرآن هذا المسار كله في عبارة واحدة جامعة قال الله تعالى: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾، (البقرة: 71).
وهي آية كاشفة تُبيّن بوضوح أن بني إسرائيل لم يذبحوا البقرة عن طواعية، ولا استجابة تلقائية لأمر الله، بل لم يكونوا ليفعلوا شيئًا أصلاً لولا أن أُحكم عليهم الخناق، وضُيّق عليهم المسار، حتى اضطروا اضطرارًا للفعل. إنهم لم يفعلوا امتثالًا، بل فعلوا تحت الضغط، وهذا هو جوهر معنى الآية.
ومن هنا، فإن كل من يتوهّم أن هؤلاء القوم يمكن أن يلتزموا بميثاق سلام عادل أو عهد دائم عن قناعة داخلية، يتجاهل منطق القرآن ومضمونه القطعي. فالذي دلّنا عليه القرآن، وهو خاتم الكتب وخاتم الكلام، أن من لا يفعل طاعةً لله، لن يفعل عدلًا للبشر، وأن من لم يُطِع ربَّه إلا اضطرارًا، لن يلتزم بعهدٍ مع خلقه إلا تحت الإكراه.
فمن يرى غير هذا المعنى، فعليه أن يأتي بدليل من القرآن يُثبت فيه أنهم استجابوا يومًا لله أو للحق عن طواعية وبصيرة، لا عن مراوغة أو خضوع للقوة. وإلى أن يُثبت ذلك، تبقى هذه الآية حكمًا خالدًا على بني إسرائيل، وعلى كل من يكرر سلوكهم في المماطلة والخداع باسم الحوار.
الخاتمة
تُبرز مقولة “كيف تفاوضون من فاوضوا الله في بقرة؟” خللًا بنيويًّا في منطق التفاوض مع كيانٍ احترف الالتفاف على الحق ونقض العهود. فقد كشفت قصة البقرة، من خلال تسلسل المماطلة والتشكيك، عن طبيعة الطاعة المشروطة لدى بني إسرائيل، والتي لا تتحقق إلا تحت الضغط والإكراه، كما لخّصها القرآن بقوله: ﴿فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾.
هذا النموذج التفاوضي ليس حدثًا تاريخيًّا منعزلًا، بل بنية متكررة في سلوك من لا يُسلِّمون لله حقًّا، ولا يلتزمون إلا حين تُغلق أمامهم سُبل التهرب. ومن لم يُطِع ربَّه عن طواعية، فلن يفي بعهد لبشر إلا تحت القسر. ومن لم يتدبّر هذا الدرس القرآني، سيقع مرارًا في فخّ الخداع باسم “السلام”.

اترك تعليقاً