بقلم: د. الحضري لطفي
أقرّ بنيامين نتنياهو، بأن إسرائيل تواجه عزلة دولية وسياسية واقتصادية متزايدة، ناتجة بشكل رئيسي عن الحرب في غزة. هذا الاعتراف يعكس واقعًا معقدًا يعيشه الاقتصاد الإسرائيلي، حيث أشار إلى ضرورة التكيف مع اقتصاد يميل نحو الاكتفاء الذاتي، مشبهًا إسرائيل بـ”أثينا وإسبرطة”. لكن هذا التشبيه أثار انتقادات داخلية وخارجية حادة، حيث اعتبره البعض دليلاً على انفصاله عن الواقع.
أسباب العزلة الدولية والاقتصادية:
- الحرب في غزة: الحرب المستمرة منذ 7 أكتوبر 2023 تسببت في خسائر بشرية ومادية هائلة، أدت إلى موجة انتقادات دولية. الحرب كلفت إسرائيل حوالي 150 مليار دولار، مع استمرار الخسائر الاقتصادية بسبب تعطل القطاعات الرئيسية مثل البناء، الزراعة، والصناعات المتقدمة (الهاي تك).
- العقوبات والمقاطعة الدولية: عدة دول أوروبية، مثل إسبانيا التي ألغت صفقة عسكرية بقيمة مليار يورو، وبلجيكا وإيرلندا والنرويج، بدأت تفرض عقوبات اقتصادية أو تدعم مقاطعة إسرائيل بسبب سياساتها في غزة والضفة الغربية. هذه الخطوات أثارت قلقًا في الأوساط الاقتصادية الإسرائيلية، حيث تُعتبر العزلة تهديدًا للاقتصاد.
- توسيع المستوطنات: قرار نتنياهو بالمضي قدمًا في خطة “إي1” الاستيطانية في الضفة الغربية، التي تهدف إلى تقسيم الضفة وعزل شمالها عن جنوبها، أثار إدانات دولية واسعة، مما زاد من العزلة السياسية.
- الهجوم على قطر: الهجوم الإسرائيلي على الدوحة في 9 سبتمبر 2025، والذي استهدف قادة حماس، اعتبر انتهاكًا لسيادة قطر، مما أدى إلى ردود فعل غاضبة من دول الخليج، بما في ذلك البحرين، وزاد من التوترات الإقليمية.
تداعيات العزلة على الاقتصاد الإسرائيلي:
- انهيار البورصة: شهدت بورصة تل أبيب انخفاضات حادة، مع تراجع مؤشر تل أبيب 35 بنسبة 0.2%، ومؤشر تل أبيب 90 بنسبة 1.3%، مع خسائر أكبر في قطاعات النفط، الغاز، والعقارات.
- توقف القطاعات الحيوية: قطاع البناء توقف بالكامل في تل أبيب، وقطاع الزراعة تأثر بشدة، بينما الصناعات العسكرية والتكنولوجيا العالية تواجه تحديات بسبب المقاطعة الدولية.
- ارتفاع التكاليف العسكرية والاجتماعية: إسرائيل تدفع ملايين الدولارات لرواتب 300,000 جندي احتياط، وتعويضات المناطق المخلاة، بالإضافة إلى تكاليف علاج 20,000 جريح ومعاق بسبب الحرب.
- هجرة المستثمرين: المستثمرون الأجانب يغادرون إسرائيل، مما يفاقم الانكماش الاقتصادي ويضعف الثقة في السوق.
ردود الفعل الداخلية:
- انتقادات المعارضة: زعيم المعارضة يائير لابيد وصف العزلة الدولية بأنها نتاج سياسة نتنياهو الفاشلة، مؤكدًا أن إسرائيل تتحول إلى دولة من العالم الثالث.
- الصحافة الإسرائيلية: صحيفة “كالكاليست” وصفت الوضع الاقتصادي بـ”السوداوي”، واتهمت نتنياهو بصحق الاقتصاد وسعيه للاستبداد.
- تظاهرات داخلية: احتجاجات متزايدة في الشارع الإسرائيلي ضد نتنياهو، مع مطالبات بإقالته ومحاكمته بسبب إدارته الفاشلة للحرب والاقتصاد.
هل تستطيع إسرائيل الاعتماد على نفسها؟
إسرائيل تعتمد بشكل كبير على الدعم الغربي، خاصة من الولايات المتحدة. النخب الأكاديمية والاقتصادية تؤكد أن الاقتصاد الإسرائيلي لا يمكنه البقاء دون اندماج في الأسواق العالمية. تصريحات نتنياهو عن الاكتفاء الذاتي غير واقعية، حيث تعتمد إسرائيل على تصدير التكنولوجيا العالية والصناعات العسكرية، وهي قطاعات تعاني الآن من المقاطعة.
لماذا تستمر الحرب رغم العزلة؟
- دعم أمريكي: الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يوفر غطاءً سياسيًا وعسكريًا لنتنياهو، مما يشجعه على مواصلة الحرب.
- ضغوط داخلية: أحزاب اليمين المتطرف تهدد بانسحاب من الحكومة إذا تراجع نتنياهو عن سياساته التوسعية.
- استراتيجية نتنياهو: يعتمد على التصعيد العسكري للحفاظ على سلطته السياسية، رغم أن هذه السياسات تعمق العزلة.
الخلاصة:
اعتراف نتنياهو بالعزلة الدولية والاقتصادية يعكس أزمة عميقة ناتجة عن الحرب في غزة، المقاطعة الدولية، وتوسيع المستوطنات. الاقتصاد الإسرائيلي يعاني من انكماش، انهيار البورصة، وهجرة المستثمرين. دعم الولايات المتحدة والضغوط الداخلية تدفعان نتنياهو لمواصلة سياساته، مما يعمق العزلة. الحل يكمن في وقف الحرب والانخراط في دبلوماسية تحترم القانون الدولي، لكن هذا غير مرجح حاليًا بسبب الدعم الأمريكي والديناميكيات السياسية الداخلية.

اترك تعليقاً