بقلم: د. الحضري لطفي
مقدمة
يظهر الخلل المنهجي حين تتراجع الحجة، ويُستعاض عنها باللمز والسخرية والتشهير وتكرار الأحكام من غير برهان. فالقيمة العلمية لأي قول لا تُستمد من قوة عبارته، ولا من كثرة ترداده، ولا من مكانة قائله أو عدد متابعيه، وإنما مما يقوم عليه من دليل يمكن فحصه ومناقشته.
وهذا المعنى أصيل في المنهج القرآني؛ فالقرآن يطالب بالبرهان عند الادعاء: ﴿قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾، ويسمي الدليل الذي أوتيه إبراهيم عليه السلام حجة: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: 83]. فالحجة في القرآن ليست مجرد موقف يتبناه صاحبه، بل ما يسنده ويقيمه على البرهان.
ومن هنا يظهر الفرق بين الحجة وبين مجرد الطعن في المخالف. فقد نقل القرآن أقوال من وصفوا الرسول ﷺ بالساحر والكاهن والمجنون، لكنه لم يجعل هذه الأوصاف حجة على بطلان رسالته؛ لأنها اتهامات لا تقوم مقام البرهان:
- فالتهمة ليست دليلًا.
- والسخرية لا تثبت دعوى.
- وتكرار الحكم، مهما كثر، لا يحوله من ادعاء إلى حقيقة.
تحوّل يفرض السؤال
أنا متخصص في علم النفس المرضي، ومع ذلك لن أختبئ وراء التشخيص النفسي كي أفسر ما يقوله محمد الفايد. فالمرض النفسي له شروطه ومقاييسه، ولا يجوز أن يتحول إلى تهمة جاهزة نرمي بها من نخالفه. ثم إنني لا أتحدث عن الرجل من بعيد؛ أعرفه شخصيًا، والتقينا وحاضرنا معًا، ولم أكن أعرف عنه آنذاك هذا اللون من اللمز والطعن في رموز الإسلام، ولا هذا القدر من الطعن الذي يظهر اليوم في بعض حديثه عن السنة والصحابة وغيرهم.
ولهذا فإن السؤال لم يعد عندي مجرد فضول: ما الذي وقع في هذا المسار؟ كيف ينتقل إنسان من خطاب إلى خطاب يكاد يناقض ما عرفناه عنه؟ وما الذي يجعل المراجعة الفكرية، وهي حق مشروع، تنقلب في بعض المواضع إلى سخرية ولمز وطعن في الأشخاص والرموز؟ فالتطور الفكري مفهوم، وتغيير الرأي مفهوم؛ أما أن يتغير الرأي ويتغير معه ميزان الخطاب نفسه، فهنا يصبح السؤال واجبًا.
يمكن لعلم النفس أن يدرس التحولات المعرفية، والانغلاق، والتحيز، وتبدل المرجعيات، لكنه لا يملك أن يفتح صدور الناس ويحكم على باطنهم. والمنظور الإيماني بدوره يذكّرنا بخطورة تقلب القلوب؛ قال رسول الله ﷺ: “إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء”، ثم قال ﷺ: “اللهم مصرف القلوب، صرف قلوبنا على طاعتك” (رواه مسلم).
ولا أقول عن محمد الفايد إن الله ختم له بما في قلبه؛ فهذا حكم لا أملكه، ولا يملكه أحد على السرائر. لكن من حقنا، في سياق ما نشهده من أقوال تمس بعض ما هو معلوم من الدين بالضرورة، أن نسأل: هل تبدأ بعض الانحرافات فكرة صغيرة، أو كبرًا خفيًا، أو اعتزازًا مرضيًّا بالنفس، أو حبًّا للظهور والتميّز، أو مصلحة مادية، أو موقفًا سابقًا من الدين أو من بعض مرجعياته، أو نفورًا من سلطة معرفية أو شرعية، ثم تجد ما يغذيها من التبرير والانتقاء حتى تتحول مع الزمن إلى منظومة كاملة يرى الإنسان من خلالها كل شيء، ويعيد تأويل ما يخالفها بما يحفظ تماسكها؟
مرض نفسي أم انحراف قلبي؟
ولا يبقى هذا السؤال نظريًّا عندما نسمع في الخطاب نفسه عبارات من قبيل قوله: “نحن حسن من الصحابة”، أو وصفه الصحابة بأنهم “مقرينش”. فالأمر هنا لا يتعلق بجيل تاريخي عادي يمكن أن يعاد ترتيبه في سلّم القيمة بحسب تقدير كل إنسان؛ بل بجيل زكاه القرآن، فقال الله تعالى في السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ [التوبة: 100].
ولذلك فإن مثل هذه العبارات لا تكشف السرائر، ولا تكفي وحدها لإصدار تشخيص نفسي، لكنها تكشف على الأقل عن صورة مرتفعة للذات في مقابل جيل أثنى الله عليه وأثبت له رضوانه، وتفتح مشروعية السؤال عن المسافة التي قد تفصل بين الثقة بالنفس وبين الاستعلاء المعرفي.
فإذا استقرت في الإنسان قناعة بأنه أقدر فهمًا، أو أوسع علمًا، أو أحسن تقديرًا ممن سبقوه، ثم انضم إلى ذلك رفض متزايد للمرجعيات، وانتقاء ما يوافق تصوره، وإعادة تأويل ما يعارضه، فقد لا نبقى أمام رأي عابر أو زلة منفردة، بل أمام مسار يمكن أن تتحول فيه الذات شيئًا فشيئًا من طالب للحقيقة إلى ميزان للحقيقة؛ فما وافقها قُبل، وما خالفها أُعيد تفسيره أو أُقصي.
التفكير المغلق
ومن أخطر صور التفكير المغلق أن يبني الإنسان حكمًا، ثم يصبح هذا الحكم غير قابل للتكذيب في ذهنه؛ فما وافقه عدّه دليلًا، وما خالفه أعاد تفسيره حتى يعود مؤيدًا له. وهنا تتعطل وظيفة الحجة؛ لأن الحوار الحقيقي يفترض أن يكون الإنسان مستعدًا للمراجعة إذا ظهر له ما ينقض قوله.
ويصبح الأمر أخطر عندما ينتقل النقاش من الفكرة إلى الشخص؛ فتتكرر التهمة، ثم يأتي اللمز، ثم السخرية، ثم التشهير، وكأن الهجوم على الأشخاص يستطيع أن يعوض ما نقص من الدليل.
رفع الفرضية قسرًا إلى مقام المسلَّمة
المشكلة ليست في أن تبدأ بفرضية، بل في أن ترفعها قسرًا إلى مرتبة الحقيقة قبل أن تمر من بوابة البرهان.
فمن الأخطاء المنهجية التي تستحق الوقوف عندها أن يضع الباحث فرضية، ثم يبدأ في تحليل الوقائع انطلاقًا منها، فإذا طال التحليل نسي أنها كانت مجرد فرضية، وتعامل معها في النهاية كما لو أنها حقيقة ثبتت بالدليل. وهنا يقع انتقال خفي وخطير: الفرضية التي كان ينبغي أن تخضع للاختبار تصبح هي نفسها أداة تفسير، ثم تتحول أداة التفسير إلى مسلَّمة لا تحتاج في ذهن صاحبها إلى إثبات.
والمنهج العلمي يسير في الاتجاه المعاكس تمامًا. نضع الفرضية، ثم نسأل: ما الذي يؤيدها؟ وما الذي ينقضها؟ وما الوقائع التي لو ظهرت لأجبرتنا على التخلي عنها؟ فالفرضية لا تصبح نتيجة لأنها بدت لنا منطقية، ولا لأنها فسرت لنا عددًا من الوقائع، ولا لأننا استطعنا أن نبني حولها خطابًا متماسكًا؛ وإنما تكتسب قوتها بقدر ما تصمد أمام الاختبار والنقد والبدائل المنافسة.
وهنا يظهر البعد النفسي في عمل العقل. فالعقل لا يعمل دائمًا مستقلًا عن النفس التي تحمله؛ فقد تتدخل الرغبة، والهوى، والخصومة، والحاجة إلى حماية صورة الذات، في اختيار الوقائع التي نراها، وفي الطريقة التي نفسر بها ما نراه.
فلا يعود الباحث يسأل:
- هل تصمد فرضيتي أمام الاختبار؟ وما الذي يؤيدها أو ينقضها؟
- بل يتحول، من حيث يشعر أو لا يشعر، إلى سؤال آخر:
كيف أَدُسُّ فرضيتي في مقام المسلَّمة؟
وهنا لا يعود الدليل ممتحنًا للفرضية، بل تصبح الفرضية هي التي تنتقي الأدلة وتعيد تفسيرها حتى تخدم النتيجة المقررة سلفًا.
ويمكن أن نفهم في ضوء ذلك بعض ما يظهر في خطاب الفايد. فقد تطرح أولًا فرضية في الحديث أو في الصحابة أو في تاريخ الإسلام، ثم تبدأ سلسلة من التأويلات والانتقاءات، حتى نجد أنفسنا في النهاية أمام النتيجة نفسها وقد قُدّمت بوصفها أمرًا بديهيًا، مع أن الحلقة الأساسية ما زالت مفقودة: أين الدليل الذي نقلنا من الفرضية إلى الإثبات؟
ويظهر هذا المسار في قوله، وهو يناقش أمية الرسول ﷺ، إن “الله لا يرسل أميًّا في صحراء قاحلة”. فبدل أن تكون المسألة سؤالًا يبحث في دلالة النصوص والأدلة المتعلقة بها، تحوّل تصور مسبق عما يراه ممكنًا أو غير ممكن في فعل الله إلى مسلَّمة، ثم صار فهم النص يبنى على هذه المسلَّمة. والسؤال المنهجي البسيط هنا: ما الدليل على أن الله لا يفعل ذلك؟
بل إن الأمية، بالمعنى الذي قرره جمهور العلماء من أن الرسول ﷺ لم يكن يقرأ ولا يكتب، ليست نقصًا في حقه، وإنما تصبح في سياق نبوته وجهًا من وجوه الدلالة على صدق الرسالة؛ إذ يخرج رجل أمي من بيئة لم تكن مركزًا للحضارات الكبرى، فيحمل هذا القرآن، ويبني أمة، ويمتد أثر رسالته إلى العالم. وقد عبّر القرآن نفسه عن هذه الدلالة بقوله تعالى: ﴿وَمَا كُنتَ تَتْلُو مِن قَبْلِهِ مِن كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذًا لَّارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ﴾ [العنكبوت: 48].
وقد بلغ أثر محمد ﷺ في التاريخ من الوضوح أن “مايكل هارت” وضعه في المرتبة الأولى في كتابه المئة عن أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ. وهذا شاهد على ضخامة الأثر التاريخي، لا دليل مستقل على النبوة. أما الحجة التي يعنينا النظر فيها هنا فهي أن القرآن نفسه لم يعرض أمية الرسول ﷺ بوصفها نقصًا يحتاج إلى نفيه، بل ذكر عدم قراءته وكتابته في سياق الاحتجاج على المبطلين.
فالسؤال إذن ليس: كيف يرسل الله أميًّا؟ بل: لماذا نجعل نحن الأمية مانعًا من الاصطفاء، بينما يعرضها القرآن نفسه في سياق الدلالة على صدق الرسالة؟ فالأمية هنا ليست عيبًا يحتاج إلى إنكاره، وإنما واقعة ينبغي تفسير دلالتها، لا مسلّمة نستبعد بها ما أخبر به القرآن.
سقوط البرهان وصعود الطعن
وتظهر النتيجة العملية لهذا الإفلاس عندما يغادر النقاش ميدان الفكرة إلى ميدان الشخص؛ فيصبح اللمز والسخرية والتشهير وسائل لتعويض ما عجز الدليل عن إثباته. فالحجة القوية لا تحتاج إلى شتيمة، والدليل الواضح لا يحتاج إلى تحقير الخصم. وإذا احتاج صاحب الرأي إلى هدم الأشخاص كي يحمي فكرته، جاز أن نسأل: هل ما زالت الفكرة قائمة بدليلها، أم أصبحت تحتاج إلى الطعن في غيرها حتى تبقى قائمة؟
وقد تجتمع الحجة أحيانًا مع إساءة عارضة؛ فنفصل بينهما، فنناقش الدليل ونرفض الإساءة. لكن الخلل الحقيقي يبدأ عندما يتحول اللمز نفسه إلى حجة، فيستعاض عن مناقشة القول بالطعن في قائله، وعن البرهان بالسخرية، وعن النقد بالتشهير. عندئذ لا نكون أمام قوة فكرية، بل أمام عجز عن إبقاء النقاش في ميدان الفكرة.
وينبغي أن يكون الحد واضحًا: الحجة تواجه بالحجة، أما الاعتداء فله ميزانه الأخلاقي والقانوني. فحرية الفكر لا تبرر التشهير، وضعف الدليل لا يعالج برفع منسوب الإهانة.
ويبدأ فقدان الحجة فعلًا عندما يتغير السؤال في داخل الإنسان. فبدل أن يسأل: ما الذي يثبته الدليل؟ يصبح همه: كيف أبقى أنا المنتصر؟ وعند هذه النقطة لا يعود العقل باحثًا عن الحقيقة، بل يتحول إلى محامٍ عن الموقف.
فالفرق بين الباحث وصاحب الخصومة أن الباحث يريد أن يعرف أين الحق، أما صاحب الخصومة فيريد أن يثبت أنه كان على حق. فإذا صار الطعن بديلًا عن البرهان، واللمز عوضًا عن الدليل، فهنا لا نكون أمام فقدان للحجة فحسب، بل أمام إفلاس الحجة.

اترك تعليقاً